كان يجلس إلى سفيان الثَّوري فتىً كثيرَ الفكرة، طويلَ الإطراق، فأراد سفيان أن يُحرِّكه ليسمع كلامه، فقال: يا فتى، إنَّ مَن كان قبلنا مرُّوا على خيلٍ عِتاق، وبقينا على حميرٍ دَبِرة. فرفع الفتى رأسه، وقال كلمةً لو وعاها السائرون لاستراحوا من كثير من المقارنات، ولو فقهها العاملون لخفَّ عنهم همُّ اللحاق بالرجال، فقال: يا أبا عبد الله، إن كُنَّا على الطَّريق فما أسرعَ لحوقَنا بالقوم! يا لها من كلمة! قليلة المبنى، عظيمة المعنى. فليست القضية أن يكون مركبك أسرع، بل أن يكون طريقك أصح.
وليست العبرة أن تسبق غيرك في أعين الناس، بل أن تصل إلى الله وقلبك سالم من الالتفات إلى الناس.
وقد يركب المرء جوادًا سابقًا، ولكنه يسابق في طريقٍ لا يوصل.
وقد يمشي آخر حافيًا، متعبًا، متأخرًا في أعين الخلق، ولكنه يسير في الجادة؛ ومن لزم الجادة بلغ، ومن استقام على الطريق وصل، وإن أبطأ به السير.
إن كُنَّا على الطريق...
هذه هي المسألة كلها.
ليست العبرة بكثرة من حولنا، ولا بضخامة ما صنعنا، ولا بما قيل فينا، ولا بعدد الأتباع، ولا بكثرة التصفيق والدعاء والثناء. إنما السؤال الذي ينبغي أن يطارد القلب في خلوته، ويوقظه من غفلته، ويحاسبه قبل حسابه:
هل نحن على الطريق؟ إن كنا على طريق الإخلاص، فهنيئًا لنا وإن قلَّ الناصر. وإن كنا على طريق خدمة دين الله، فطوبى لنا وإن خفي الذكر.
وإن كنا نريد أن يعرف الناس ربهم، لا أن يعرفوا أسماءنا؛ وأن يتعلقوا بالحق، لا بأشخاصنا؛ وأن يبصروا نور الوحي، لا أضواء الشهرة المحيطة بنا؛ فما أسرع اللحاق بالصالحين، وإن قصرت الأعمار وضعفت الأعمال.
أما إن كان الطريق طريق النفس، والمقصد حظوظها، والغاية رفعتها، والدين سلَّمًا إلى الجاه، والدعوة بابًا إلى السمعة، والعلم مركبًا إلى الرئاسة، فهنا الحسرة كل الحسرة.
يا حسرة العمر حين يُنفق لله في الظاهر، وللنفس في الباطن!
ويا خسارة الساعي إذا ظن أنه يبني للدين، وهو يبني لنفسه في قلوب الناس قصرًا!
ويا طول الطريق على من يزعم أنه يسير إلى الله، وكلما خطا خطوةً التفت: هل رآني الناس؟ هل أثنوا عليَّ؟ هل عرفوا قدري؟ هل حفظوا اسمي؟ هل قدَّموني؟
فكيف يصل إلى الله مَن لا يزال يلتفت إلى نفسه؟ وكيف يبلغ مَن جعل مرآة الخلق قبلته؟ إنَّ السير إلى الله لا يحتمل قلبًا موزَّعًا بين معبودٍ يُقصد، وممدوحٍ يُطلب. قال الله تعالى:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. فإذا كان المحيا كله لله، فكيف يستولي على القلب طلبُ المنزلة عند الناس؟ وإذا كانت الدعوة لله، فكيف يصبح الداعية غايةً بدل أن يكون دليلًا؟ وإذا كان العلم لله، فكيف يتحول العالم من نافذةٍ يُرى منها الحق إلى جدارٍ يحجب الناس عنه؟
الدليل ليس هو الغاية
وهنا ميزان دقيق، فاحفظه: كلُّ شيخ، أو مربٍّ، أو دليل، أو صاحب منهج، يجعل قلبك متعلقًا بشخصه، ويقول لك بلسان الحال أو المقال: التفت إليَّ، وقف عندي، واجعل ولاءك لي، واعرف الحق من خلالي وحدي؛ فخف من الطريق الذي يقودك إليه.
فالأنبياء، وهم خير الخلق وأكرمهم على الله، كانت دعوتهم إلى الله، لا إلى ذواتهم. والعلماء الربانيون يرشدونك إلى الكتاب والسنة، ولا يجعلون صدورهم قبلةً للناس. والمربي الصادق يأخذ بيدك ثم يشير إلى مولاه، ولا يقف بينك وبين مولاك. يقول لك: أحبَّ الحقَّ أكثر مما تحبني. واتبع الدليل ولو ظهر على لسان غيري. واعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال. فأنا عبدٌ أدلُّك على سيدي، ولست سيدًا أستعبد قلبك. أنا علامة على الطريق، ولست نهاية الطريق. أنا مصباح، والمصباح لا يُعبد لأنَّه أضاء، وإنما يُنتفع بنوره حتى ترى وجهتك. وهكذا كان شأن الربانيين: كلما ازداد الناس بهم تعلقًا، أعادوهم إلى الله. وكلما عظَّمهم المريدون، عظَّموا في قلوبهم الشريعة. وكلما أُثني عليهم، ازدادوا خوفًا من نفوسهم. لأنهم يعلمون أن أخوف القُطَّاع على السائر إلى الله نفسُه إذا لبست ثياب العبادة. فقد تطلب النفس الدنيا بالدنيا، وهذا مكشوف. ولكن أخفى منه وأخطر: أن تطلب الدنيا بالدين. تلبس لباس الواعظ، وتريد حظَّ الرئيس.
وتتكلم بلسان الزاهد، وتشتهي منزلة الملوك.
وتدعو إلى الله، ثم تغضب إذا لم يدعُ الناس إليك.
وهنا موطن الامتحان.
ما أشدَّ فتنة النفس إذا تديَّنت!
ليس كل من نطق باسم الله مخلصًا لله.
وليس كل من رفع راية الحق قد تجرَّد من حظ نفسه في الراية.
وليس كل من انتصر للمنهج قد انتصر لله؛ فربما انتصر لمكانه في المنهج.
وهنا ينبغي أن نفتش في الزوايا التي لا يراها الناس.
حين يُقدَّم غيرك، ماذا يحدث في قلبك؟ حين يُنسب الخير إلى سواك، هل تفرح للخير أم تحزن لضياع نصيبك من الثناء؟ حين ينجح مشروع يخدم الإسلام وليس لك فيه اسم، هل تهلل لنجاح الدين أم ينقبض قلبك لأن الصورة خلت منك؟ هذه الأسئلة هي محكُّ الطريق. قد يخدع الإنسانُ الناسَ جميعًا، ولكنه قلَّ أن يخدع قلبه إذا خلا به، وألقى عنه رداء المبررات.
الإخلاص ليس أن تعمل حين يراك الناس، بل أن يستوي عندك أن يعلموا أو لا يعلموا، ما دام الله قد علم. الإخلاص أن تفرح بظهور الحق ولو خفي اسمك. وأن تنتصر للمشروع ولو تصدَّره غيرك. وأن تحبَّ للعاملين ما تحبه لنفسك. وأن يكون سؤالك: هل نُصر الدين؟ لا: هل نُصرتُ أنا؟ وهناك فرق بعيد بين من يحمل الدين، ومن يريد أن يحمله الدين. بين من يخدم الرسالة، ومن يجعل الرسالة خادمةً لمكانته. بين من يريد أن يبلغ الحق، ومن يريد أن يبلغ بالحق.
تشابهت الكلمات، واختلفت المقاصد؛ وبين المقصدين من البعد ما بين السماء والأرض. لا يضرُّك بطء السير إذا صحَّ المسير ربما نظرت إلى السابقين فاستصغرت نفسك. ورأيت عبادتهم، وعلمهم، وزهدهم، وصبرهم، وجهادهم للنفس، فقلت: أين نحن من هؤلاء؟ وهنا تأتي كلمة ذلك الفتى لتفتح باب الرجاء: إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بالقوم. لا تيأس لأن مركبك ضعيف. ولكن خف أن يكون اتجاهك خطأ. لا يحزنك أنك لم تبلغ مراتب السابقين. ولكن أحزنك إن كنت لا تسير في دربهم. فالسير البطيء في الطريق الصحيح وصول. والركض السريع في الطريق الخطأ ازدياد في البعد. وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. لم يقل سبحانه: والذين بلغوا. بل قال: ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾. فالصدق في القصد، والمجاهدة في الطريق، والاستمرار في السير؛ هذه أبواب الفتح. ورب خطوة صغيرة صدقت فيها مع الله سبقت أعمالًا عظيمة خالطها الرياء. ورب عبد مغمور لا يعرفه الناس، معروف عند أهل السماء.
ورب مشهور ملأ ذكره المجالس، ولم يملأ قلبَه من الله شيء. فلا تغرنك الأصوات؛ فليست كل ضجة وصولًا. ولا يغرك الموكب؛ فكم من موكب يسير بعيدًا عن القبلة.
وكيف أعرف أن دليلي إلى الله لا إلى نفسه؟ انظر ماذا يزرع في قلبك. إن كان يزيدك تعلقًا بالله، وتعظيمًا لكتابه، ومحبةً لسنة نبيه ﷺ، ورحمةً بالمسلمين، وتواضعًا للحق، وخوفًا من الرياء، واشتغالًا بإصلاح نفسك، فهو دليل خير؛ فعضَّ على هذا الخير بالنواجذ.
وإن كان كل يوم يزيدك تعلقًا بشخصه، وتعصبًا لاسمه، واحتقارًا لمخالفيه، وشعورًا بأن النجاة حُكرت في جماعته، وأن الحق لا يخرج من مجلسه، وأن من فارقه فقد فارق الله؛ فهنا ينبغي أن تخشى على قلبك. فالعالم الرباني يكبِّر الله في قلبك، ولا يكبِّر نفسه. والمربي الصادق يحررك من عبودية هواك، ولا ينقلك من عبودية نفسك إلى عبودية شخصه. والشيخ الناصح يعلِّمك كيف تقف على باب الله، لا كيف تبقى العمر كله واقفًا على بابه هو. ذلك هو الفرق بين الدليل والحجاب. قد يكون الإنسان دليلًا إلى الله، فإذا افتتن بنفسه صار حجابًا عنه.
وقد يبدأ خادمًا للمنهج، ثم لا يشعر حتى يصبح المنهج في نظره خادمًا لذاته.
ومن هنا كان الخوف من النفس إلى آخر الطريق.
هنيئًا لمن عاش يدعو إلى الله، ثم مات ولم يحمل من الدنيا إلا قلبًا قال: يا رب، أردتك. هنيئًا لمن خدم الدين ولم يستخدم الدين. هنيئًا لمن أحبَّ العلماء ولم يعبد الأشخاص. هنيئًا لمن انتفع بالشيوخ ثم عبر بهم إلى الله، كما يعبر المسافر بالجسر إلى غايته؛ يشكر الجسر، لكنه لا يبني بيته فوقه. هنيئًا لمن كان شعاره: ربي غايتي، والوحي دليلي، والرسول ﷺ قدوتي، والصالحون رفاق الطريق، وكل ما سوى الله وسائل لا غايات.
أما إذا تحولت الوسيلة غاية، والدليل قبلة، والشيخ مقصدًا، والمنهج الشخصي دينًا، والمصلحة الخاصة دعوةً؛ فهنا تبدأ الغربة عن الطريق وإن كثرت الشعارات. فيا من سار إلى الله: لا تسأل كم قطعت. اسأل: أين أتجه؟
لا تسأل كم خلفي من الأتباع. اسأل: مَن أمامي من القدوات؟
لا تسأل ماذا قال الناس عني. اسأل: ماذا يعلم الله مني؟
ولا تقل: أبطأت عن القوم. بل قل: اللهم إن عجزنا عن أعمالهم فلا تحرمنا صدق طريقهم، وإن قصرت خُطانا فلا تزغ قلوبنا عن قبلتهم، وإن لم نلحق بهم عملًا فألحقنا بهم صدقًا ومحبةً وإخلاصًا.
فليس الشأن أن تصل سريعًا. إنما الشأن أن تموت وأنت على الطريق.
وإذا استقامت الوجهة، وصدق القصد، وصح المنهج، فلا يغرنك بطء الخطوات.
فكم بينك وبين القوم إذا كان الطريق واحدًا؟
وربما صدق ذلك الفتى:
