رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

مَفَازُ السَّكِينَةِ وَأَدَبُ الإِعْرَاضِ عَنِ المِرَاءِ

التربية والسلوك والإصلاحدقيقتان للقراءة٣٥٦ كلمة

فِي عَالَمٍ يَمُوجُ بِالصَّخَبِ، وَتَتَلاَطَمُ فِيهِ أَمْوَاجُ اللَّغَطِ وَالعَجَبِ، أَصْبَحَ العُثُورُ عَلَى السَّكِينَةِ مَطْلَبًا عَزِيزًا، وَصَفَاءُ الذِّهْنِ غَنِيمَةً وَكَنْزًا حَرِيزًا. فَالنُّفُوسُ فِي زَمَانِنَا هَذَا تَتُوقُ إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، يَنْتَشِلُهَا مِنْ ضَجِيجِ الأَيَّامِ وَشَغَبِ الأَزْمَانِ.

آفَةُ المِرَاءِ وَقَسْوَةُ القُلُوبِ

نعم إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَاعِي إِلَى قَسْوَةِ القُلُوبِ، وَتَشَتُّتِ العُقُولِ، وَفَسَادِ الودِّ بَيْنَ الخُلاَّءِ وَالخُلَطَاءِ: المِرَاءَ العَقِيمَ، وَالخَوْضَ مَعَ النَّاسِ فِي البَاطِلِ الذَمِيمِ. فَالاشْتِغَالُ بِمَا لاَ يَعْنِي يَنْزِعُ البَرَكَةَ مِنَ الأَوْقَاتِ، وَيُقَسِّي القَلْبَ وَيَشْغَلُهُ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَيُورِثُ الحَسْرَةَ وَالنَّدَامَةَ فِي الحَيَاةِ وَبَعْدَ المَمَاتِ.

وَلِهَذَا بَيَّنَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ سِيمَاءَ عِبَادِهِ الأَخْيَارِ، وَعَلاَمَةَ أُولِي الأَلْبَابِ وَالأَبْصَارِ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ:﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55] وَلَمَّا كَانَ تَرْكُ المِرَاءِ وَكَفُّ اللِّسَانِ شَاقًّا عَلَى النَّفْسِ بَيْنَ الأَقْرَانِ، بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ قَهَرَ هَوَاهُ بِأَعْظَمِ الجَزَاءِ وَأَجْزَلِ العَطَاءِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:

«أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»

هناك فَرْقُ مَا بَيْنَ رَقِيقِ الحِوَارِ وَحَرِيقِ الجِدَالِ

إِنَّ الحِوَارَ هُوَ دَوْحَةٌ غَنَّاءُ تُثْمِرُ الحِكْمَةَ وَالرَّشَادَ، وَغَالِبًا مَا يَدُورُ بَيْنَ حَكِيمٍ وَحَكِيمٍ يَبْغِيَانِ الحَقَّ لاَ المُنَافَحَةَ وَالذِّهَادَ. أَمَّا الجِدَالُ فَغَالِبًا مَا يَكُونُ بَيْنَ حَكِيمٍ وَجَاهِلٍ، أَوْ يَشْتَعِلُ بَيْنَ جَاهِلَيْنِ يَتَخَبَّطَانِ فِي المَسَائِلِ. وَيَأْتِي المِرَاءُ لِيَكُونَ أَقْبَحَ أَلْوَانِ الخُصُومَةِ وَأَشَدَّهَا حَظْرًا؛ لأَنَّهُ جِدَالٌ فِي الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَإِشْرَاقِ نُورِهِ، لاَ يَصْدُرُ إِلاَّ عَنْ مُتَكَبِّرٍ مُكَابِرٍ، وَجَاحِدٍ عَنِ الصَّوَابِ نَافِرٍ، ظَالِمٍ لِنَفْسِهِ بِعِنَادِهِ، مُعْتَدٍ فِي طُغْيَانِهِ وَإِفْسَادِهِ.

وَمِنْ هُنَا جَاءَ تَحْذِيرُ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ هَذِهِ الآفَةِ المَقْتُوتَةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، فِي وَصِيَّةٍ حَكِيمَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ العَيْنِ «لاَ تَعَلَّمُوا العِلْمَ لِثَلاَثٍ: لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُجَادِلُوا بِهِ العُلَمَاءَ، وَلِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، وَابْتَغُوا بِقَوْلِكُمْ مَا عِنْدَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يَدُومُ وَيَبْقَى، وَيَنْفَدُ مَا سِوَاهُ».

فسَلاَمَةُ الصَّدْرِ وَأَدَبُ المَجَالِسِ هي الغاية نعم لاَ تَخْلُو المَجَالِسُ مِنْ أَهْلِ الطَّلاَبَةِ وَالعِنَادِ، وَعُشَّاقِ الجِدَالِ فِي كُلِّ وِادٍ؛ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ لِمَجَرَّدِ الاِعْتِرَاضِ، وَيَطْعَنُونَ فِي المقَاصِدِ وَالأَغْرَاضِ. فَمِثْلُ هَؤُلاَءِ لاَ يُدَاوَى عَنَادُهُمْ بِالرَّدِّ وَالجِهَادِ، وَلاَ يُشْفَى غَلِيلُهُمْ بِالْمَزِيدِ مِنَ الانْتِقَادِ، بَلْ أَنْجَعُ الدَّوَاءِ مَعَهُمْ هُوَ المَضِيُّ عَلَى وَصِيَّةِ القُرْآنِ المَجِيدِ، وَالاتِّصَافُ بِأَخْلاَقِ العَبْدِ الرَّشِيدِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] فَطُوبَى لِمَنْ صَانَ لِسَانَهُ عَنِ العَثَرَاتِ، وَنَزَّهَ عَقْلَهُ عَنْ القِيلِ وَالقَالِ فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ، فَفَازَ بِرَاحَةِ البَالِ وَصَفَاءِ الحَالِ فِي الدُّنْيَا، وَبِعَظِيمِ الأَجْرِ وَالرِّفْعَةِ فِي العُقْبَى.

شارك المقالة

Scroll to Top