عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ما دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: «اللهم اغفر لي ذنوبي وخطاياي كلها، اللهم أنعشني واجبرني، واهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت».أخرجه النسائي وغيره. من رحاب هذا الدعاء النبوي الجامع، تنبثق معالم رحلة روحية تستوقف القلب عند لفظة فريدة في مناجاة الخالق: «اللّهمَّ أنعشني». فالنعش في لسان العرب لا ينصرف إلى المعنى المتبادر للأذهان اليوم، بل أصله الرفع وتدارك العاثر وإقامته من كبوته. ومن هذا المعنى العميق، تلوح صورة عبد أثقلته شواغل الدنيا، واستنزفت طاقته، فوهنت عزيمته وضعفت حيلته. يقف بين يدي ربه مستمداً منه طاقة النهوض، وكأنه يقول بلسان الافتقار: يا رب، قصرت بي قوتي، فتداركني بلطفك، وأعنّي على استئناف السير إليك. وحين يجمع الداعي في هذا المأثور النبوي بين "النعش" و"الجبر"، يتسع أفق رجائه ليشمل ترميم كل ما اختل في بنيانه الداخلي.
إن رتابة الحياة قد تسلب الإنسان لذة القرب، حتى يمضي في عباداته بحكم العادة الجافة، فيأتي سؤال النعش والجبر كغيث يوقظ القلب من فتوره، مجدداً صلته بالسماء، طالباً من الله أن يجبر كسره، ويقيمه من عثرته، ويرد إليه حرارة الإقبال ولذة المناجاة. ويقارب هذا المعنى البديع ما نردده بين السجدتين في كل صلاة. فهنا تتجلى مناسبة مدهشة بين حركة البدن ومطلب الروح؛ فحين يرفع المصلي رأسه من الأرض تالياً سؤاله بالرفع والجبر، فإنه يرجو أن يصاحب نهوض جسده نهوضٌ حقيقي في همته. إنها صرخة استغاثة تتكرر كلما عثر العبد، يطلب فيها قوة القيام، لئلا تطول به العثرة فيألف القعود وتستعبده الغفلة. وإذا كان "النعش" و"الجبر" هما زاد النهوض من العثرات، فإن استدامة هذا الوقوف في وجه أعتى الأزمات تستلزم حقيقة قرآنية أخرى، تتجلى في قوله تعالى: ﴿وَرَبَطنا عَلى قُلوبِهِم إِذ قاموا فَقالوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ﴾.
فالثبات في المحن، والصمود أمام عواصف الحياة، ليس مجرد صلابة نفسية أو قوة شخصية يكتسبها المرء بجهده، بل هو نور يقذفه الله في قلب العبد حين يصدق في لجوئه وموقفه. حين تدرك سر هذا "الربط الإلهي"، تتلاشى من قلبك رهبة الظروف وتقلباتها، وتوقن إيقاناً تاماً أن السكينة لا تتنزل إلا بصدق الالتجاء إلى من بيده مقاليد الأمور. فما أحوجنا ونحن نكابد تحديات الطريق، أن نجمع بين ضراعة «اللهم أنعشني» لتدارك ضعفنا، وبين استمطار «الربط الإلهي» لتثبيت أقدامنا، موقنين أن من أقامه الله لا يسقط، ومن ربط على قلبه لا يُهزم.
