فلتتحد الجهود في فضاء خدمة الدين و العمل في تشييد صرح الإسلام ، وعلى ثغور الدعوة المترامية، تتراءى لنا بفضل الله تعالى قوافل من الشخصيات المصلحةو المؤسسات الدعوية، وجحافل من الدعاة والمصلحين، الذين نذروا نفوسهم لخدمة هذا الدين، وإعلاء لواء الحق المبين. هي جهود مباركة، تختلف في آلياتها، وتتنوع في منابرها، لكنها تتحد في غايتها، وتصب في مجرى واحد، هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإصلاح المجتمع وتعبيدهم لرب السموات والأرض. بيد أن واقع الحال اليوم، وما يفرزه من تحديات جسيمة، يستوجب منا وقفةً للمراجعة، ولحظةً للمكاشفة. فلقد تسلل إلى بعض الصفوف، للأسف، داء التنافس غير المحمود، فترى بعض الانشغال بتتبع العثرات، بدلاً من التماس الهداية. والانشغال برمي الهدم في بيوت الآخرين، بدلاً من بناء الصرح الذاتي وتشيد الأركان.
إن من أوجب واجبات الوقت، وألزم فرائض المرحلة، أن يدرك العاملون في حقل الإصلاح أن الانشغال ببناء النفس وتقويمها، وتطوير المؤسسة التي ينتمي إليها المرء وتجويد أدائها، لهو الأولى والأجدر، وهو بالجهد والمجهود أحق وأكبر. فما أثمن الأوقات أن تضيع في ملاحقة القيل والقال، وما أرخص الطاقات أن تُبذل في معارك هامشية، فمن أضاء شمعةً لنفسه خيرٌ ممن انشغل بإطفاء شموع غيره ليبقى وحيداً في الظلام. وأن تبني بيتك و تعلي بنياته أولى من الانشغال بتهديم بناء الآخرين فالوقت انفس و أولى. والحقيقة الشاخصة التي يجب أن تُنقش بمداد من ذهب في وعي كل غيور على هذا الدين، هي أن الساحة تسع الجميع. بل إن الساحة متعطشةٌ للمزيد، ومفتقرةٌ إلى المزيد من السواعد المتكاتفة، والقلوب المتآلفة.
ولو رمقنا الساحة الإصلاحية والدعوية والتربوية بنفس العبودية وبعين الواقعية وشعار خدمة الدين، لوجدنا أن كافة الجهود المبذولة، من كافة الطيف الدعوي والعلمائي و المؤسسي والاصلاحي، لا تكاد تشغل سوى جزءاً يسيراً ونزراً ضئيلاً من هذه المساحة العريضة المثقلة بالأعباء، والمثخنة بالجراح.
فماذا يملأ بقية الساحة؟
إن بقية المساحة الواسعة تغرق، للأسف الشديد، في لجج من أمواج الفسوق والانحلال، وتتلاطم فيها طغيان الوسائل الإعلامية الهابطة، التي أمسكت بزمام التوجيه، وباتت هي الصانع الفعلي لصياغة اهتمامات الجيل.
وفي ظل هذا الضجيج الغوغائي، انزوت القدوات الحقيقية، وأصبح التفاهة عنواناً، وغدا أدعياء الفن وصناع المحتوى السطحي هم النموذج الذي يحتذى به، والقدوة المزعومة للأجيال الناشئة التي لا تجد من يأخذ بيدها إلى شاطئ النجاة.
فيا من تحملون همّ هذا الدين، اسمعوا نصيحة مشفق وعظة ناصح: إن معركتنا الحقيقية ليست مع أخٍ اجتهد فأخطأ، أو خالفك في الوسيلة واتحد معك في الهدف أو رجل بذل فقصر أو سعى فتعثر. معركتنا ضد الجهل الذي يطبق على النفوس، والضلال الذي يجتاح القلوب، والفساد الممنهج الذي يسرق أبناءنا كل يوم. إن صراعنا الداخلي في هذا التوقيت العصيب ترفٌ لا نملكه، وهو وقود مجاني لمعارك خصوم الدين. طهّروا قلوبكم من حظوظ النفس، واجعلوا من تنوعكم رافداً لتكامل الجهود لا تضادها، ليمدّ القوي يده للضعيف، ويستفيد المتأخر من تجربة المتقدم، ولنكن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، كلٌ من ثغره وبما آتاه الله من قدرة وطاقة، ولنترك التسقيط لأهل الفراغ.. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
ختاما
بنا فضاءُ ربي قد تسامى فكيف يضيقُ بالجمعِ الكبيرُ؟ على كدح البناءِ صرفت وقتي وليس بهدمنا أملي يحورُ لماذا نقتتل في ما لدينا؟ وخارجنا بنا باطل يدورُ فسوقٌ قد تلاطم في الزوايا وصارت في الورى التفهَ قدورُ وكم أعمى غدا للدربِ عيناً وضلت في الدجى الأنوارُ عورُ دعوا التجريحَ للأخِ، والتفوا فإن الدين يرجونا النصيرُ وخلوا النفس للأحقاد تبقى فإنّ الصدر لله النذيرُ
