لا يزال العجب يتملكني، وتأخذني الحيرة كلما تأملت حال الكثيرين في زماننا هذا؛ زمانٌ بات فيه الفضاء الرقمي (السوشال ميديا) ساحةً تُهدر فيها أعمارٌ غالية في تتبع أقوال الناس، واللهاث خلف تفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع. بل إن العجب ليبلغ منتهاه حين نرى العقول تترك لبّ الأمور، لتغوص في مستنقع "التعليقات"، تفتش فيها عن رأيٍ شارد، أو جدالٍ عقيم، أو انتصارٍ زائف، وكأنما رُبطت سعادتهم وراحتهم بما تخطه أنامل لا يعرفونها، في شاشاتٍ لا ترحم.
غُربة العقل في زمن الضجيج
إن هذا التتبع المحموم لسقطات القول وصغائر الأمور، ليس إلا استنزافاً لروح الإنسان وطاقته. فكلما غاص المرء في بحار التعليقات، وكلما أعار سمعه وبصره لـ "التافهين" الذين تصدروا المشهد، كلما ابتعد عن جوهره، وفقد بوصلة أهدافه. إن الحياة أقصر من أن تُنفق في تتبع خطوات الآخرين، وأثمن من أن تُرهن لتقييمات الغرباء في عالم افتراضي تحكمه الأهواء. الإعراض..
سِمةُ العقلاء وملاذُ الحكماء
لقد رسم لنا المنهج الرباني والفكر الإنساني القويم طريقاً واضحاً للتعامل مع هذا العبث. فالمسلم العاقل، والحكيم المتزن، يدرك تماماً أن أثمن ما يملكه هو وقته وسلامة صدره؛ لذا تراه يتخذ من "الإعراض" درعاً يقي به عقله من سهام الجهل. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واصفاً عباده الصالحين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
وهذا الإعراض ليس ضعفاً ولا هروباً، بل هو قمة القوة والترفع. فمن ينحدر للرد على كل جاهل أو سفيه، إنما يضع نفسه في منزلة لا تليق به. وقد لخص العرب قديماً هذه الفلسفة العميقة في أبياتٍ كُتبت بماء الذهب، كما أشرتَ في قولهم، حيث يقول الشاعر: إذا سَبَّنِي نَذْلٌ تَزَايَدْتُ رِفْعَةً وما العَيْبُ إلا أَنْ أَكُونَ مُسَابِبُهْ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَفْسِي عَلَيَّ عَزِيزَةً لَمَكَّنْتُهَا مِنْ كُلِّ نَذْلٍ تُحَارِبُهْ وفي المعنى ذاته، يصدح الإمام الشافعي بحكمته الخالدة: يُخاطِبُني السَفيهُ بِكُلِّ قُبحٍ فَأَكرَهُ أَن أَكونَ لَهُ مُجيبا يَزيدُ سَفاهَةً فَأَزيدُ حِلماً كَعودٍ زادَهُ الإِحراقُ طيبا بوصلة الذات: من عرف نفسه لم يضره الناس إن من رامَ الراحة، وابتغى سكينة النفس وهدوء البال، فعليه أن يطوي صفحة التتبع، وأن يحوّل نظره من مراقبة "أقوال الناس" إلى مراقبة "أفعال نفسه". فميزان الحق لا يُوزن بكثرة المصفقين، ولا بكثرة المنتقدين في خانة التعليقات.
المرء العاقل هو من يجعل ضميره وقيمه هما الميزان؛ فإذا نظر إلى فعله ووجده صواباً يرضي الله ويوافق العقل والمروءة، مَضى في طريقه بخطى واثقة، ولم يلتفت لضجيج القافلة. وكما قيل في الحكمة المأثورة: "من عرف نفسه، لم يضره ما قاله الناس عنه". خلاصة القول؛ إن أعمارنا أنفس من أن تُباع في أسواق التفاهة، وعقولنا أرفع من أن تتغذى على فتات الجدال. فلنغلق نوافذ الضجيج، ولنفتح أبواب العمل والارتقاء، تاركين للجاهلين جهلهم، ومرددين بلسان الحال والمقال: سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين.
