رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

يا ليتني قدّمت لحياتي: بين ربح الإنجاز وحسرة التفريط

التربية والسلوك والإصلاح٣ دقائق للقراءة٥٥٠ كلمة

تمضي قافلة العُمر مسرعة، وتطوى صحائف الأيام يوماً بعد يوم، وما هذه الدنيا في حقيقتها إلا محطة عبور وميدان سباق. وفي خضم هذه الرحلة، يقف الإنسان العاقل متأملاً؛ فالموت ليس نهاية المطاف، بل هو لحظة الميلاد الحقيقية للحياة الباقية. حين يموت الإنسان وقد أودع في خزائن غده إنجازاً صالحاً وعملاً نافعاً، فذلك هو الربح المبين، وتلك هي التجارة التي لا تبور. أما من أسرف على نفسه، وركن إلى سراب الدنيا، فإنه يفيق على فاجعة الرحيل، حيث لا ينفع الندم، لتخرج من أعماق روحه صرخة القرآن الخالدة: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24] تأمل البلاغة القرآنية العجيبة؛ لم يقل: "في حياتي"، بل قال: "لِحَيَاتِي"، اعترافاً منه بأن ما فات لم يكن هو الحياة الحقيقية، بل الحياة هي تلك التي يقف الآن على أعتابها بائساً مفلساً. قف مع نفسك: ماذا لو متَّ الآن؟ لنجرِ معاً هذا الاختبار الإيماني العميق: تخيل أنك الآن تموت. نعم، في هذه اللحظة بالذات، انقطعت الأنفاس، وشخص البصر، وأُسدل الستار.

ما هو الإنجاز الذي قدمته أمامك ليكون حجتك وشفيعك؟ بماذا ستتقرب إلى الله تعالى حين تسألك الملائكة عن زادك؟ هل خبأت ركعات في جوف الليل لا يعلمها إلا الله؟ هل مسحت دمعة يتيم؟ هل كفلت فقيراً، أو نشرت علماً، أو جبرت خاطراً مكسوراً؟ هل عفوت عن ظالمك ابتغاء وجه ربك؟ إن فتشت في صحيفتك ووجدت خيراً: فاسجد لله شكراً، واحمده على فضله وتوفيقه، فما كان ذلك بحولك ولا قوتك، بل بمحض منّته عليك. وإن وجدت الأخرى، ورأيت صحيفتك خاوية: فاحمد الله مرة أخرى أنك لا تزال تتنفس، وأن هذا كان مجرد "تخيل". استأنف العمل فوراً، وانهض من رقدة الغفلة، فباب التوبة مفتوح، وميدان العمل لا يزال يتسع للمخلصين. يقول الشاعر أبو العتاهية في هذا المعنى محذراً من التسويف: تَزَوَّد مِنَ التَقوى فَإِنَّكَ لا تَدري إِذا جَنَّ لَيلٌ هَل تَعيشُ إِلى الفَجرِ فَكَم مِن صَحيحٍ ماتَ مِن غَيرِ عِلَّةٍ وَكَم مِن سَقيمٍ عاشَ حينًا مِنَ الدَهرِ وَكَم مِن فَتىً أَمسى وَأَصبَحَ ضاحِكاً وَأَكفانُهُ في الغَيبِ تُنسَجُ وَهوَ لا يَدري

سر القبول: الإخلاص روح الأعمال

ولكن، مهلاً.. قبل أن تنطلق لجمع الحسنات وتكثير الأعمال، تذكر قاعدة ذهبية لا محيد عنها: الأعمال جثث هامدة، روحها الإخلاص. لن يقبل الله من الإنجازات، مهما عظمت في أعين الناس، إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم. قد يتصدق المرء بالملايين، أو يبني صروحاً من المساجد والمشافي، لكن إن خالط قلبه حب الظهور، أو رغبة في ثناء الناس، تحول هذا الإنجاز العظيم إلى هباء منثور. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (رواه مسلم). ويقول الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: "أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً".

وبالتالي: اصنع أثرك إن الحياة أقصر من أن نضيعها في هوامش الأمور. الإنجاز الحقيقي ليس في تكديس الأموال ولا في نيل المناصب التي تنتهي بانتهاء الأنفاس، بل في ترك أثر طيب وعمل صالح يمتد ثوابه بعد الرحيل. مصداقاً لقول الحبيب ﷺ: «إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (رواه مسلم). فاجعل لنفسك خبيئة من عمل صالح، وجدّد نيتك، وأخلص قلبك لخالقك، ليكون لسان حالك عند لقائه فرحاً مستبشراً، لا متحسراً نادماً.. لتقول بفرح: "الحمد لله الذي هداني لهذا وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله"، بدلاً من أن تصرخ في وادي الحسرات: "يا ليتني قدمت لحياتي".

شارك المقالة

Scroll to Top