يتجلى كمال الشريعة الإسلامية في تعاملها مع الفطرة الإنسانية بتوازن دقيق؛ فهي لا تصادر المشاعر ولا تكبت الوجدان، بل تضبط مساراتها لتبني مجتمعاً فاعلاً وإيجابياً.
ومن أعمق تجليات هذا النسق التشريعي: الموقف الصارم من استدامة الأحزان وتجديدها، في مقابل الاحتفاء البالغ بمواسم الفرح والابتهاج وإحيائها. إن الإسلام دينٌ يصنع الحياة، والحياة لا تُبنى على أنقاض اليأس، ولا تزدهر في مستنقعات الكآبة.
أولاً: محاربة تجديد الأحزان.. حماية للتوحيد والوجدان
لم يُنكر الإسلام الحزن العابر كعاطفة فطرية؛ فقد دمعت عين الرحمة المهداة ﷺ لفقد إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». ولكنه في المقابل، حارب بكل حزم "مأسسة الحزن" وتجديده، وجعل من استدعاء مآسي الماضي تكلفاً يقدح في عقيدة الرضا بالقضاء والقدر. لقد سدّ الفقه الإسلامي كل ذريعة تؤدي إلى استدامة الأحزان، وتجلى ذلك في نصوص وأحكام قطعية:
١. تحريم النياحة واعتبارها من الكبائر
لم يكتفِ التشريع بالنهي عن النياحة، بل غلظ عقوبتها لتكون رادعاً عن تجديد الحزن. قال ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (متفق عليه). وفي صحيح مسلم جاء الوعيد الشديد: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». والعلة الفقهية هنا أن النياحة استدعاء متعمّد للحزن، واعتراض خفيّ على مراد الله.
- تحجيم مدة الحداد: من بديع الفقه الإسلامي أنه لم يترك مساحة الحزن مفتوحة تلتهم عمر الإنسان، بل حصر الإحداد الشرعي في ثلاثة أيام فقط، واستثنى الزوجة لعلل فقهية معلومة تتعلق باستبراء الرحم وحفظ حق الزوجية.
قال ﷺ: «لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» (متفق عليه). وهذا الإغلاق الزمني السريع لباب العزاء هو إعلان تشريعي بضرورة طي صفحة الفقد واستئناف رسالة الاستخلاف في الأرض. ٣.كراهة تجديد العزاء: نص فقهاء المذاهب المعتبرة على كراهة الجلوس للعزاء وتجديده بعد الأيام الثلاثة، أو استدعائه في الذكريات السنوية (كالأربعين والحوليات)، لأن في ذلك، كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «تجديداً للحزن، وتكليفاً للمؤنة».
ثانياً: إحياء مواسم الفرح.. شعيرةٌ وعبادة
في مقابل إغلاق منافذ الحزن المفتعل، شرع الإسلام نوافذ الفرح، ولم يجعله مجرد رخصة أو مباح، بل ارتقى به في كثير من الأحيان ليكون "شعيرة تعبدية" يُتقرب بها إلى الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
١. الأعياد كمؤسسات للفرح الدوري
جعل الإسلام العيدين (الفطر والأضحى) محطات دورية لإعادة شحن الروح بالأمل والسرور. وبلغ من تعظيم الشارع لموسم الفرح أن حَرَّمَ الصيام في أيام العيد، لأنها «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» كما صح عنه ﷺ، ليُجبر المسلم على ترك نسك الصيام انخراطاً في الفرح العام.
٢. الولائم ومواسم البهجة الاجتماعية
لم يترك الإسلام مناسبة سارة إلا وشرع لها ما يظهرها ويذيعها. ففي الزواج تُسن "الوليمة" ويُندب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف لترسيخ الفرح. وفي قدوم المولود تُشرع "العقيقة"، وفي حفظ القرآن وعودة المسافر وغيرها من النعم، تتسع دائرة الإباحة والندب لإظهار السرور وشكر المنعم. ٣.الترويح عن النفوس: أقر النبي ﷺ الابتهاج بالأناشيد واللعب المباح في مواسم الفرح. فحين اعترض أبو بكر رضي الله عنه على الجاريتين اللتين تغنيان في بيت عائشة رضي الله عنها يوم العيد، قمع النبي ﷺ هذا الاعتراض قائلاً: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا» (متفق عليه).
و اخيرا : فلسفة التوازن والتجدد
فالرؤية التخصصية العميقة لهذه النصوص تكشف لنا أن التشريع الإسلامي ينحاز انحيازاً كاملاً للحياة. فالأحزان تُطوى ولا تُروى، وتُقبر مع أصحابها ولا تُستدعى؛ لأن اجترارها يورث القنوط ويُعطّل سير الأمة. أما الأفراح، فتُعاش وتُعلن وتتكرر، لأنها مادة الأمل، ووقود العمل، وبرهان حسن الظن بالله جل جلاله. وبهذا يتبين أن كل دعوة لتكريس الأحزان، أو تحويل أيام المسلمين إلى مآتم مستمرة، هي دعوة تصادم مقاصد الشريعة الغراء، وتناقض هدي النبي ﷺ الذي كان أشد الناس بلاءً، وأكثرهم في الوقت ذاته تبسماً وتفاؤلاً، صلوات ربي وسلامه عليه.
