من فتنة المنابر إلى بركة جبر الخواطر
ليس كلُّ مَن حمل العلمَ حمله العلمُ إلى الله، ولا كلُّ مَن جلس على كرسيِّ التدريس كُتب في ديوان المعلِّمين الربانيين، ولا كلُّ مَن أجرى الله الحكمةَ على لسانه كان قلبُه من أهل الحكمة؛ فقد يكون اللسانُ في المحراب، والقلبُ في سوق السمعة، وقد تكون الكلماتُ تُزهِّد الناس في الدنيا، وصاحبُها يقتات على إعجابهم، ويجمع من ثنائهم دنيا أخفى من الدنيا التي يذمُّها!
إنَّ العلمَ نورٌ في ذاته، ولكنَّ القلبَ المكدَّر قد يحجب نوره، كما تحجب السحابةُ المظلمة ضوء الشمس. وهو سُلَّمٌ إلى رضوان الله إذا صحَّ المقصد، ولكنه قد ينقلب حُجَّةً ثقيلةً على صاحبه إذا استُعمل لطلب الجاه، واستجلاب المحمدة، واصطياد القلوب، وتكثير الأتباع.
وما أخوفَ العلم حين يتكاثر في الرأس ويذبل في القلب!
وما أشدَّ حسرةَ مَن عرف الطريق إلى الله، ثم اتخذ من معرفته طريقاً إلى نفسه!
العالِم الذي سبقتْه شهرتُه إلى النار
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في الحديث المزلزل أنَّ من أوائل الناس الذين يُقضى عليهم يوم القيامة رجلًا تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فيُذكِّره الله بنعمه، ثم يسأله عما صنع، فيقول: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه وقرأت فيك القرآن؛ فيقال له: كذبت، وإنما فعلت ليقال: عالم وقارئ، فقد قيل؛ ثم يُسحب على وجهه إلى النار.
وفي رواية أخرى: هؤلاء مع المجاهد الذي قاتل ليقال جريء، والمنفق الذي أعطى ليقال جواد، هم أول الخلق الذين تُسعَّر بهم النار.
إنَّ أوجع عبارة في هذا الحديث ليست كلمة: «كذبت» فحسب، على شدتها؛ وإنما قول الله له: «فقد قيل».
أي: أخذتَ أجرك كاملًا من ألسنة الناس.
طلبتَ أن تُعرف، فعُرفت.
وأحببتَ أن تُمدح، فمُدحت.
وحرصتَ أن تُرفع صورتك، وتُذكر ألقابك، وتزدحم المجالس حولك، فوقع لك ما أردت.
لكنَّك لم تترك شيئاً للآخرة!
يا لها من صفقة خاسرة: علمٌ أُنفقت في تحصيله الأعمار، وسُهرت من أجله الليالي، وقُطعت إليه المسافات، ثم يُباع كلُّه بتصفيق مجلس، أو ثناء عابر، أو لقب يتناقله الناس سنوات، ثم يطويه النسيان!
لم تكن آفة ذلك العالم أنه لم يعلم، بل كانت آفَتُه أنه علم، ثم جعل العلم خادماً لنفسه، لا سُلَّماً إلى ربه. ولم تكن مصيبته في قلة الدليل، وإنما في فساد المدلول عليه؛ فقد دلَّ الناس على الله، ودلَّ نفسه على الشهرة!
الغزالي ومحاكمة النيَّة
ولقد وقف حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله هذه الوقفة الرهيبة مع نفسه، وهو يومئذٍ في ذروة المجد العلمي، يتصدر المدرسة النظامية في بغداد، وتزدحم حلقته بالطلبة والأعيان، وتُشدُّ الرحال لسماع درسه.
لكنَّ الرجل نظر يوماً إلى ما وراء العمائم، والألقاب، والمجالس، والمناظرات، فرأى قلبه في خطر.
لم يتهم خصومه، ولم يشتغل بتقويم نيات تلامذته، ولم يقل: أنا حجة الإسلام، وقد انتفع بعلمي الخلق؛ بل أنزل نفسه من كرسي الأستاذية إلى محكمة المحاسبة، وكتب في اعتراف نادر:
«فتفكرتُ في نيتي في التدريس، فإذا هي غير صالحة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت».»
ثم رأى أنه على شفا جرفٍ هارٍ إن لم يتدارك قلبه، فترك بغداد سنة ٤٨٨هـ، وخرج من جاهه العريض إلى الخلوة والمجاهدة وتزكية النفس، وتولى أخوه أحمد الغزالي التدريس في النظامية نيابةً عنه.
وأما العبارة المشهورة على الألسنة: «كنا نعصي الله على كرسي الوعظ»، فلم أقف عليها ثابتةً عنه بهذا اللفظ؛ غير أنَّ اعترافه الصريح في كتابه المنقذ من الضلال أبلغ منها وأشد؛ لأنه لم يتحدث عن معصية ظاهرة، بل عن رياء قد يختبئ في ثياب العلم وخدمة الدين.
وتشيع كذلك حكايةٌ أنَّ أخاه أحمد واجهه بأبيات فكانت سبباً مباشراً في اعتزاله، ولا يثبت هذا التفصيل ثبوتاً يطمأن إليه؛ والثابت أنَّ أخاه خلفه في التدريس بعد خروجه. أما الأبيات المشهورة في سياق تحوُّله، فتُروى على لسان أبي حامد نفسه، ومنها:
«غزلتُ لهم غزلًا دقيقاً فلم أجدْ
لغزلي نسَّاجاً فكسَّرتُ مغزلي»
وقبلها يذكر أنه ترك أهواءه، وعاد إلى «تصحيح أول منزل»؛ أي إلى القلب والنية، فثمَّ يبدأ الطريق.
لقد أدرك الغزالي أنَّ أكبر مشروع إصلاحي قد يتحول إلى أكبر حجاب، إن كان المصلح يريد أن يرى نفسه في عيون الناس، وأنَّ العلم الذي لا يبدأ بإصلاح صاحبه قد يزيده بُعداً وهو يظن أنه يقترب.
ثم عاد الغزالي بعد خلوته إلى التعليم، ولكنه وصف عودته بأنها ليست رجوعاً إلى مكانه الأول؛ فقد كان ينشر من قبل علماً يُكتسب به الجاه، ثم أصبح يدعو إلى علم يُعرف به سقوط رتبة الجاه، ويسأل الله أن يصلحه أولًا ثم يصلح به غيره.
وهنا سرُّ الربانية: ليست في أن يترك العالم التعليم أبداً، بل في أن يعود إليه بقلب جديد؛ فلا يكون العلم له، بل يكون هو للعلم، ولا يجعل الدعوة سلماً إلى ذاته، بل يجعل ذاته جسراً تعبر عليه الدعوة.
حين ترك الإمامُ الدرسَ من أجل عجوز
وفي صورة أخرى من صور العلم الذي تحوَّل إلى رحمة، نقل الإمام عبد الوهاب الشعراني في لواقح الأنوار القدسية عن الجلال الجوالي، وكان قد صحب الإمام جلال الدين المحلي سنين، أنه رأى المحلي مرةً يخبز لعجوز.
فاستغرب منه ذلك، كأنَّ العالم الكبير ينبغي ألا تنشغل يداه إلا بتقليب أوراق العلم، فقال له المحلي بمعنى كلامه: لقد أمضينا أعمارنا في الاشتغال بالعلم، وآفات العلم كثيرة، وقلَّ أن ينجو منها أحد، أما مثل هذه الحوائج فلعل الله أن يغفر لنا بها.
وكان رحمه الله يخرج في الليالي الماطرة، فيطوف على عجائز الحارة، ويسألهن عمَّا يحتجنه من نار أو طعام أو متاع، فيأتيهن به.
وهذه الرواية أدقُّ من الصيغة الشائعة؛ فليس الشعراني هو الذي رأى الإمام المحلي، وإنما نقل ذلك عن الجلال الجوالي.
لقد كان المحلي إماماً في الفقه والأصول والتفسير، ولكنَّه لم يرَ شراء الزيت لعجوز سقوطاً من مقام العلم، بل رآه ارتقاءً بالعلم إلى غايته. وحين جاءت امرأة تطلب قضاء حاجتها، لم يقل: أنا مشغول بتربية طلاب العلم؛ لأنَّ خدمة تلك الضعيفة كانت في تلك اللحظة درساً لطلاب العلم أبلغ من ألف عبارة في مكارم الأخلاق.
لقد علَّمهم بقدميه وهو يمشي إلى السوق، أكثر مما كان سيعلمهم بلسانه وهو جالس في الحلقة.
علَّمهم أنَّ حاجة الإنسان ليست قاطعاً عن العلم، بل هي ميدان امتحانه.
وأنَّ الفقه الذي لا ينحني لدمعة أرملة، ولا يسعى في دين معسر، ولا يحمل عن شيخ عاجز، قد يملأ الكتب، ولكنه لا يملأ ميزان الرحمة.
العلم الذي يمشي على قدمين
وليس معنى ذلك التقليل من شأن التعليم، أو تفضيل كل عمل جزئي عليه تفضيلًا مطلقاً؛ فالعلم من أجلِّ القربات، وتعليم الناس من أعظم أبواب النفع. ولكنَّ العلم الصادق لا يبقى كلمات معلَّقة في الهواء، بل ينزل إلى الأسواق والبيوت، ويطرق أبواب المساكين، ويحمل آلام الناس، ويجبر المنكسرين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».»
ومن فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة.
فالعالم الرباني ليس خزانة معلومات تمشي بين الناس، وإنما قلبٌ رحيم يحمل علماً، وعقلٌ بصير تسكنه خشية، ويدٌ تمتد إلى الضعيف قبل أن تمتد إلى الميكروفون.
قد يشرح العالم باب الإخلاص، ثم يفسده غضبُه لأن اسمه لم يُذكر.
وقد يؤلف في التواضع، ثم يضيق صدره إذا قُدِّم عليه غيره.
وقد يحذر من الدنيا، ثم تكون دنياه الخفية عددَ متابعيه، وكثرةَ مادحيه، واتساعَ مجلسه.
وقد يتحدث عن خدمة الأمة، ثم يستثقل حاجةَ فقير طرق بابه!
وهنا ينبغي أن يسأل العالم والداعية والمعلم نفسه بعد كل درس وكتاب ومجلس:
كم قلباً جبرت؟
كم حائراً هديت برفق؟
كم فقيراً أعنت في ستر؟
كم طالباً حفظت كرامته؟
كم مظلوماً نصرت دون أن تنتظر ثناءه؟
وكم مرةً آثرتَ أن تعمل عملاً لا تراك فيه الكاميرات، ولا تُكتب عنه الأخبار، ولا يُذكر فيه اسمك؟
إنَّ الأعمال الخفية هي امتحان الإخلاص؛ لأنَّ النفس لا تجد فيها غذاءها المعتاد من نظر الناس وثنائهم. ولذلك ربما كان رغيفٌ يحمله عالم إلى عجوز في ليلة ممطرة أثقل في الميزان من مجلس حافل تزدحم فيه الرؤوس؛ لا لأنَّ الرغيف أعظم من العلم في ذاته، بل لأنَّ القلب في الرغيف قد يكون لله وحده، بينما تتنازع القلبَ في المجلس عيونُ الخلق وحظوظ النفس.
صحِّحوا المقصد قبل أن يتكاثر العمل
يا أهل العلم، إنَّ الأمة لا تحتاج إلى أن نهدم مكانة العلماء، ولكنها تحتاج إلى علماء يهدمون أصنام نفوسهم.
ولا تحتاج إلى إسكات المنابر، بل إلى تطهير القلوب التي تصعد إليها.
ولا تحتاج إلى تقليل الدروس، بل إلى تكثير الصدق فيها.
فربَّ درس صغير عظَّمته النية، وربَّ مشروع ضخم أحرقه الرياء، وربَّ كلمة لم يسمعها إلا رجل واحد بلغت بصاحبها رضوان الله، وربَّ خطبة دوَّت بها الآفاق لم تتجاوز سقف المسجد؛ لأنَّها خرجت تطلب الخلق، فلم تجد طريقها إلى الخالق.
ليس الخطر أن يمدحك الناس؛ فقد يضع الله القبول لعبده الصادق. وإنما الخطر أن يصبح المدح هو الوقود الذي تعمل به؛ فإن غاب توقفت، وإن حضر نشطت، وإن صُرف إلى غيرك غضبت.
والإخلاص ليس دعوى ينطق بها اللسان، بل جهاد طويل، ومحاسبة لا تنقطع، وخوف من أن يُقال يوم القيامة لصاحب العلم: أخذتَ حظك، واستوفيت أجرك، فقد قيل.
فطوبى لعالمٍ جعل علمه باباً إلى التواضع، لا سُلَّماً إلى التعالي؛ ورأى في حاجة الأرملة درساً، وفي دمعة اليتيم مسألةً لا يجوز تأخير جوابها، وفي جبر الخاطر عبادةً لا تحتاج إلى منبر.
وطوبى لمن علَّم الناس بلسانه، ثم صدَّق لسانه بيده وقدمه وماله ووقته.
وطوبى لمن خفي عمله وظهر أثره، وصغر اسمه في أعين الخلق، وعظم صدقه في علم الله.
وحسرةً على علمٍ ملأ الدنيا ضجيجاً، ثم جاء صاحبه يوم القيامة فلم يجد منه إلا رماد السمعة وهباء الشهرة!
خاتمة شعرية على بحر الوافر
إذا الإخلاصُ ضاعَ فلا ثوابٌ ولا يزكو بعلمٍ مَن يُرائي
وإنَّ العلمَ إن لم يُحيِ قلباً غدا للمرءِ عنوانَ الشقاءِ
فكم من عالمٍ ملأ البرايا حديثاً، وهو خالي الوعاءِ
وكم من خاملٍ أخفى جميلاً ففاز بقُرب ربِّ الأنبياءِ
ومن يسعى لحاجةِ كلِّ ملهوفٍ يُظَلَّلُ بالرضا يومَ اللقاءِ
فيا رباه طهِّرْ كلَّ قصدٍ وزيِّن علمَنا صدقَ الرجاءِ
ولا تجعلْ علومَ القومِ حُجْباً ولكنْ اجعلِ التقوى ضيائي
وهبْنا العلمَ مخلوطاً بحُبٍّ وجبرِ خواطرٍ، وصفاءِ ماءِ
