في رحلة الحياة ومخالطة الأنام، تتأرجح النفوس بين بَرْدِ السلام وحَرِّ الخصام. وإنَّ من أشقِّ ما يُبتلى به المرء في دربه؛ أن تضطرب بوصلته بين حلمٍ يُرجى به إصلاحُ العباد، وبين تفريطٍ يُورثُ النفسَ الهلاك والفساد. فكم من قلبٍ نقيّ، سُلب منه الوقار، حين جعل من نفسه حطباً لنار من لا يرعى ذمةً ولا يُبقي على جار. وإنَّ للرشد في ميزان الشرع والعقل معالمَ بيّنات، أوجزها في ثلاث إشارات:
أولاً: أمانةُ الروح.. حصنك المنيع
إنَّ نفسك التي بين جنبيك هي وديعةُ الخالق، ومطيتك إلى الحقائق. وما استخلفك الله في أرضه لتُبدد طاقاتك في سراب، وتُهلك حرثك في خراب.
فإذا رأيت من المخالطة داءً يمتص عافيتك، ويسلبك سكينتك، فاعلم أنَّ صيانة الروح هنا فريضة، ودفع الأذى عنها سُنَّةٌ ماضية. فالمصباح الذي استنفد زيته، لا يُضيء لغيره بيته، وفاقدُ الماء لا يُروي الظمآن، والقلب الخاوي لا يفيض بالأمان.
ثانياً: غُرورُ المُداوي.. ووهمُ الترياق
ومما يغترُّ به أهلُ الفضل والمروءات، ظنّهم أنَّ بفيض حنانهم سيُصلحون ما أفسدته السنون، وأنهم بتضحياتهم سيُقوِّمون من اعوجَّت به الظنون. ونسوا أنَّ الهداية بيد مقلب القلوب، وأنَّ التغيير نبتةٌ لا تترعرع إلا في أرض الإرادة. فلا تُفْنِ عُمُرك النفيس في محاولة إحياء أرضٍ سبخة، لا تحتفظ بماء ولا تُنبت كلأ. فالإيثارُ المحمود ما كان في مرضاة الله وبناء العقول، أما الانتحارُ العاطفي فهو سعيٌ في غير طائل، وحرثٌ في البحر زائل.
ثانياً: الهجرُ الجميل..
أدبٌ قرآني وحصنٌ رباني
ليس من شرط النبل أن تخوض غمار الحروب مع كل مسيء، ولا من تمام الخلق أن تتجرع غُصص الأذى صابراً على من لا يفي. بل ذروة الفطنة أن تتخذ "المسافة الآمنة" سياجاً يحمي قلبك، ويحفظ عليك دينك وعقلك. وهو ما أدّبنا به الوحي الحكيم في مقام {وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}؛ هجرٌ لا حقد فيه ولا ضغينة، بل انسحابٌ حكيمٌ تُصان به الكرامة وتُحفظ به السكينة. ففرزُ القلوب حكمة، والابتعاد عن مواطن الأذى رحمة.
خاتمةٌ وموعظة
إلى كل روحٍ معطاءة تتوق لترك أثرٍ طيب: اجعلوا من علاقاتكم معراجاً للرقي، لا قيوداً تُثقل الخُطى.
كونوا كالغيث أينما وقع نفع، ولكن إياكم أن تجعلوا من طيبتكم قنطرةً يعبر عليها العابثون، فيتركونكم قاعاً صفصفاً لا زرع فيه ولا ماء.
