سلامٌ عليك يا متعجل ورحمة، ومغفرة من الله ونعمة.. تسألني بقلبٍ كسير، ودمعٍ غزير: لِمَ حَجبَ الله عني سُؤلي، ولم يُحقق بمسألتي مأمولِي؟
فأقول لك بلسانِ المُشفِق، ومنطقِ المُرفِق: هوّن عليك؛ فليس كلُّ عطاءٍ في الظاهر نعمة، ولا كلُّ منعٍ في الباطن نقمة. إن الطبيبَ الحاذقَ لا يُعطي العليلَ ما يشتهيه، بل يجرِّعه الدواءَ المُرَّ الذي يشفيه! ولعلك تطلبُ من الله ما فيه حتفكَ وهلاكُك، وتستعجلُ ما فيه شقاؤك وارتباكُك! أنت تنظرُ بعينِ الطينِ القاصرة، والله يدبّرُ بعلمِ الغيوبِ الوافرة.
تأمّلِ الصغيرَ الغرير، إذا رأى حباتِ الدواءِ زاهيةَ الألوان، حسبها حلوى تذوبُ في اللسان، فبكى يطلبُها، وضجَّ يخطبُها، فمنعته يدُ الأبوينِ حنانًا لا حرمانًا، وحيطةً لا عدوانًا. فالطفلُ يرى المنعَ عقابًا، والأبوان يريانه صوابًا؛ فالمنعُ في بعضِ الأحيانِ عينُ العطاء، والحمايةُ من الضررِ قمةُ الوفاء! فتأدب مع من يراكَ ولا تراه، ويعلمُ سرَّ القلبِ ونجواه.
وربما يا خليلي، ادّخر الله لكَ المطلوب، ليأتيكَ في الوقتِ المكتوب. فالتوقيتُ جندٌ من جنودِ الحكمة، وجزءٌ خفيٌّ من الرحمة. اقرأ بقلبك قولَ ربِّكَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾؛ فبعضُ النعمِ لا يُطاقُ حِملُها إلا بعدَ اشتدادِ العود، ونضجِ الوعود.
لو جاء الفرجُ ليوسفَ -عليه السلام- وهو في غياباتِ الجُبِّ طريحًا، أو في أولِ السجنِ جريحًا، لما وصلَ إلى خزائنِ مصرَ عزيزًا صريحًا! كان جسمُه خلفَ القضبانِ حبيسًا، وتدبيرُ اللهِ يُعِدُّه ليكونَ رئيسًا. كانت يدُ الجبارِ تهيئُ الأسباب، وتفتحُ من حيثُ لا يحتسبُ الأبواب. وكما قال ابن عطاء الله: "رُبَّما أعطاكَ فمنعكَ، ورُبَّما منعكَ فأعطاكَ، ومتى فَتَحَ لكَ بابَ الفهمِ في المنعِ، صارَ المنعُ عينَ العطاء".
فيا أخيّ.. انظر لكليمِ الله موسى، قضى عشرَ سنينَ في "مدين" يرعى الأغنام، بعيدًا عن صخبِ المُلكِ والأنعام. لم تكن تلك الأعوامُ ضياعًا، بل كانت إعدادًا وصناعةً، ليُصقَلَ معدنُه، ويقوى مَتنُه، فحِملُ الرسالةِ ثقيل، يحتاجُ إلى ظهرٍ ليس بالهزيل. فالتأخيرُ هنا لم يكن إهمالًا، بل كان استكمالًا.
يا خليلي.. تذكّر الرعيلَ الأولَ من الصحابة، حين تاقت نفوسهم لسلِّ السيوفِ بمكةَ مهابة، ودفعِ الضيمِ والكآبة، فأمَرَهم اللهُ بالكفِّ والصبر، وأجّلَ الإذنَ لما بعد الهجرةِ والنصر. ذاك لأنَّ الذي نصرهم بعد الهجرة، كان قادرًا على نصرهم في بطنِ مكةَ من أولِ مرة! ولكنّه أرادَ تربيةَ النفوس، وتطهيرَ الرؤوس؛ لأنَّ السيفَ إذا سُلَّ قبلَ نضجِ العقيدةِ انحرف، وللباطلِ اقترف. أرادهم أن يقاتلوا إعلاءً للكلمة، لا انتصارًا للذاتِ والنقمة.
فيا أخيّ.. خذ من قصصهم العبرة، ومن سِيَرِهِم الفكرة. فإن مُنعتَ فهو اللطفُ الخفي، وإن أُعطيتَ فهو الفضلُ الوفي، وإن تأخرتِ الحاجةُ فذاك لأنَّ أوانها لم يَحِن، ولأنَّ ثمرها لم يَلِن.
سلّمْ أمرك، وأرحْ قلبك، واسمع لما جاشَ به الصدرُ على بحرِ الوافر:
وَمَـنْ يَرْضَـى بِمَا قَضَتِ اللَّيَالِي.. نَـمَـا عِـزًّا، وَقَـدْ غَـلَـبَ الصِّعَابَا
