رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

جذور في الأرض وفروع في السماء: سر البقاء فيما كان لله

التربية والسلوك والإصلاح٣ دقائق للقراءة٤٦٢ كلمة

سر البقاء: ما كان لله

أيها العابرُ في دروبِ الحياة، الباحثُ عن أثرٍ لا يمحوهُ الممات..

في طيَّاتِ الأيامِ تذوبُ الأسماء، وتتلاشى في الزحامِ الأصداء، ولا يصمدُ أمامَ رياحِ الفناءِ إلا ما عُقِدَ بصدقٍ بينَ الأرضِ والسماء. تأمَّل الشجرةَ الباسقةَ الظليلة، لا يعلو فرعُها في الفضاء، ويشتدُّ عودُها في العراء، إلا بمقدارِ ما يغوصُ جذرُها في الخفاء؛ فكلما استترَ الجذرُ وقوي، كان الثمرُ أشهى وأروي.

هنا يكمنُ السر.. ليس الشأنُ أن يراكَ الناسُ قائماً، بل الشأنُ أن يراكَ اللهُ -حين ينامُ الناسُ- لرضاهُ لائماً. يُحكى أنَّ "زبيدة" زوجَ الخليفةِ هارون الرشيد، التي أجرتْ عينَ الماءِ للحجيج (عين زبيدة) وأنفقت الأموالَ كالجبال، رُئِيَت في المنامِ بعد رحيلها، فقيل لها: ما فعلَ اللهُ بكِ؟ وهل نجَّاكِ بتلكَ العينِ والمشاريعِ العظام؟ فقالت: "هيهات! ذهبَ الثوابُ إلى أهلهِ (أي العمال والمهندسين)، وغفرَ لي بركيعاتٍ كنتُ أركعُها في جوفِ الليلِ والناسُ نيام!". تلاشت القصورُ والذهب، وبقيَ الإخلاصُ في التعب. وفي سير أعلام النُّبلاء،قال عبد الله بن المبارك عن الإمام مالك ،:"ما رأيتُ رجلاً ارتفعَ كمالك بن أنس، ليس له كثير صيامٍ ولا صلاة، وإنما كانتْ له سريرة!"

يا مُريدَ الخلود.. إنَّ قانونَ البقاءِ لا يعترفُ بالضجيج، بل بالصدقِ البهيج. حين سُئل الإمامُ مالك عن كثرةِ الكتبِ التي نافست "موطأه"، لم يجادل ولم يغضب، بل أرسلَ حكمتهُ التي سارت بها الركبان: "ما كانَ للهِ بَقَى". وهذا الشافعيُّ -رحمه الله- يُعلّمنا درساً في التجردِ فيقول: "وددتُ أنَّ الخَلْقَ تعلَّموا هذا العِلمَ، ولا يُنسَبُ إليَّ منهُ حَرف!". أرادوا طمسَ ذواتهم، فرفعَ اللهُ راياتهم، وخلَّد في العالمينَ آياتهم.

لا يغرنَّكَ بريقُ الظهور.. فربَّ مشهورٍ في الأرضِ مجهولٍ في السماء، وربَّ أشعثَ أغبرَ لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّه، لا يعرفهُ أحد، ولكن يُحبهُ الواحدُ الأحد. الخبيئةُ الصالحةُ هي "الرصيدُ المجمد" ليومِ الفقرِ الأكبر.. دمعةٌ تحبسُها في خلوة، أو صدقةٌ تضعُها في يدِ محتاجٍ وتخفيها كأنكَ سرقتَها، أو آيةٌ تُعلمها لطفلٍ لا تنتظرُ جزاءها إلا من الله.

تخيَّل معي.. أن تزرعَ نبتةً في صحراءٍ قاحلة، لا يمرُّ بها بشر، فتنمو وتُزهر، فيأتي طيرٌ جائعٌ فيأكلُ منها. أنتَ نسيتَ الزرعَ، والطيرُ لا يعرفُ الزارع، ولكنَّ اللهَ أحصى الفعلَ وكتبَ الرافع. هكذا هو العملُ الخالص؛ كالمسكِ، كلما سترتَهُ فاحَ عطرُه، وكلما دفنتَهُ نبتَ زهرُه.

فيا مَن يكتبُ سطراً، أو يبني صرحاً، أو يبذلُ نُصحاً.. طهِّرِ القلبَ من دنسِ "ليُقال"، واغسلِ الروحَ من رجاءِ "الأبطال"، واجعل بوصلةَ قلبكَ تشيرُ إلى "الكبيرِ المتعال". فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن الشريك، وما عُملَ لغيرهِ فهو هباءٌ، وما عُملَ لوجههِ فهو نماءٌ وبقاء.

عِشْ "خفياً" تكن "تقياً".. فالأعمالُ بالنيات، والجزاءُ عندَ ربِ البريات، ومن أخلصَ السريرَة، كفاهُ اللهُ شرَّ السيرة، وأحسنَ لهُ المسيرة.

مَا كَانَ للهِ يَبْقَى دَائِمَ الأَثَرِوَمَا سِوَاهُ كَمَوْجٍ مَرَّ فِي نَهَرِ
أَخْفِ السَّرِيرَةَ إِنْ رُمْتَ القَبُولَ بِهَافَالجِذْرُ يَخْفَى، وَيَبْدُو رَوْنَقُ الثَّمَرِ
لا تَطْلُبِ النَّاسَ إِنْ قَدَّمْتَ مَكْرُمَةًيَكْفِيكَ أَنَّ إِلَهَ الكَوْنِ ذُو نَظَرِ
كَمْ مِنْ خَفِيٍّ لَهُ فِي الغَيْبِ مَنْزِلَةٌوَمُظْهِرِ الزُّهْدِ بَيْنَ النَّاسِ فِي سَقَرِ
فَأَخْلِصِ النِّيتَ تَلْقَ الفَوْزَ مُكْتَمِلًاعِنْدَ المَلِيكِ عَظِيمِ الشَّأْنِ وَالقَدَرِ

شارك المقالة

Scroll to Top