رواية شريك في الإسراء وموضعها في صحيح البخاري
كيف يوجَّه ما وقع في رواية شريك في حديث الإسراء من ألفاظ، وما أثر ذلك في فهم منهج الإمام البخاري في إيراد الرواية؟
ويبقى القول الراجح الصحيح الذي لا مطعن فيه: أن الداني المتدلي في سورة النجم هو جبريل عليه السلام، جمعاً بين الأدلة، وتصديقاً لتفسير الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلى وأعلم. ما تفضلتم به هو عين التحقيق، ومسلك أهل الصنعة والتدقيق.
الإجابة على هذا الإشكال تتلخص في فهم "منهج الإمام البخاري" في صحيحه، وفهم "حالة رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر" لحديث الإسراء والمعراج. وإليك التفصيل:
أولاً: رواية "شريك" فيها أوهام متفق عليها عند المحدثين
الحديث الذي أشرتم إليه نعم رواه البخاري في "كتاب التوحيد" من صحيحه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
وقد اتفق جهابذة الحديث وحفاظه (كابن حجر، والنووي، والخطابي، وابن تيمية، وابن كثير وغيرهم) على أن شريكاً وإن كان من رجال الصحيح، إلا أنه لم يضبط هذا الحديث جيداً، وحصلت منه "أوهام" (أخطاء وتفردات) خالف فيها كبار الحفاظ الأثبات الذين رووا حديث الإسراء عن أنس (مثل: قتادة، وثابت البناني، والزهري).
ومن أوهامه التي عدّها العلماء: قوله إن الإسراء كان قبل أن يُوحى إليه، ودمجه لآيات سورة النجم (فدنا فتدلى) وجعلها من فعل الرب جل جلاله ليلة الإسراء.
ثانياً: لماذا أورد البخاري هذه اللفظة في صحيحه؟ هل أراد تصحيحها؟
إيراد البخاري لهذه الرواية لا يعني بالضرورة أنه يصحح كل لفظة مفردة أو زيادة تفرد بها شريك، بل أوردها لمقاصد أخرى، منها:
الاستدلال بأصل الحديث (لا بجميع ألفاظه): أورد البخاري الحديث في "كتاب التوحيد" (باب كلام الرب مع الأنبياء)، فمقصوده هو الاستدلال بأصل القصة المتفق عليه لإثبات صفة "الكلام" و"النداء" و"العلو" لله عز وجل، ولم يسقه في "كتاب بدء الخلق" أو "السيرة" لسرد تفاصيل قصة الإسراء.
فالبخاري قد يحتج بأصل الحديث ويغض الطرف عن بعض تفردات رواته في غير الباب الذي قصده.
بيان العلة والإشارة إلى الوهم: من أدق مناهج الإمام البخاري (وكذلك مسلم) أنهما قد يوردان الرواية التي فيها شذوذ أو وهم لـ "بيانها" والتنبيه عليها.
فالبخاري يورد الروايات الصحيحة المحفوظة في مواضع متفرقة، ثم يورد رواية شريك لكي يقارنها العالم المتبحر بالروايات الأصح، وكأنه يقول: "انظر إلى ما تفرد به شريك وخالف فيه الحفاظ الأثبات".
ثالثاً: توجيه المحققين للفظة (دنا الجبار)
حتى مع التسليم بصحة اللفظة، فقد وجهها كبار المحققين توجيهاً يجمع بين النصوص ويزيل التعارض، وهو:
أن الدنو في سورة النجم: هو دنو جبريل عليه السلام من النبي ﷺ، وهذا وقع في الأرض (بمكة).
وأن الدنو في حديث شريك (دنو الرب جل جلاله): هو حق على ما يليق بجلال الله، ولكنه وقع في السماء ليلة المعراج عند سدرة المنتهى.
الخطأ الذي وقع فيه شريك: أنه ظن أن الدنو المذكور ليلة المعراج، هو تفسير للآية الكريمة ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾، فأدرج الآية في الحديث ظناً منه أنها تتحدث عن نفس الحادثة.
الخلاصة:
صنيع الإمام البخاري رحمه الله بإيراد الرواية ليس حكماً منه بتصحيح لفظة "دنا الجبار فتدلى" وتنزيلها على تفسير سورة النجم، بل أوردها محتجاً بأصلها في قضايا التوحيد، مع علم أئمة الصنعة بما في حفظ "شريك" من أوهام في هذا الحديث تحديداً.
ويبقى القول الراجح
الصحيح الذي لا مطعن فيه: أن الداني المتدلي في سورة النجم هو جبريل عليه السلام، جمعاً بين الأدلة، وتصديقاً لتفسير الصحابة رضي الله عنهم.
ما تفضلتم به هو عين التحقيق، ومسلك أهل الصنعة والتدقيق.
فرجوعكم إلى "صحيح مسلم" لمقارنة رواية ثابت البناني الأثبت برواية شريك، ثم استقرائكم لصنيع الإمام البخاري وتأمل "التبويب" (باب قوله تعالى: وكلم الله موسى تكليما)؛ هو استنباط عزيز.
نعم أصبتم ؛ فالقاعدة الذهبية عند المحدثين أن "فقه البخاري في تراجمه". فالإمام البخاري -رحمه الله- لا تغيب عنه أوهام شريك ولا تخفى عليه تفرداته، بل هو من أدرى الناس بعللها، ولكنه ينتقي من الرواية موضع الشاهد الذي يخدم أصل الباب في إثبات صفة "الكلام" لله جل جلاله، معتمداً على نباهة الناقد البصير في تمييز الألفاظ ومقارنة الروايات، وضم أطراف الأحاديث إلى بعضها.
زادكم الله حرصاً وفقهاً، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
