رجوع إلى الفتاوى الحديث والسيرة

الإنصاف في موقف المسلم مما شجر بين الصحابة

فتوى٨٤٣٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ما التأصيل المنقول للموقف مما شجر بين الصحابة ومن يخوض في ذلك؟

خلاصة الجواب

وأن الواجب على عموم المسلمين الكفُّ والإمساكُ وحسنُ الظنِّ والترضِّي عن الجميع، وأن الخوض في تفاصيلها محجوبٌ عن العامي غير المتخصص وعن المنحاز المتعصب، مأذونٌ فيه لأهل الإنصاف والدراية بشرطه الذي قدَّمناه. والميزانُ الجامع:

الجواب المفصَّل

الإنصافُ فيما شَجَرَ بَيْنَ الأَصْحاب

رؤيةٌ تأصيليّةٌ في فقهِ الموقفِ من الفِتنة، وبيانُ مَن لا يَنبغي له الخَوض

ا.د.محمد طه حمدون السالم

رئيس دار الفقه والأثر في العراق

الحمد لله الذي جعل أصحابَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم خيرَ القرون وأعدلَ الأمةِ شهادةً، وأنزل في تزكيتهم محكمَ آياته، وأودع صدورَهم دينه فأدَّوه إلينا نقيًّا من شوائب التحريف، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الذي ربَّاهم على عينه فكانوا مصابيحَ الدُّجى، وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار، ومن سار على نهجهم واقتفى آثارَهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن من أعظم ما يُبتلى به طالبُ العلم، وأزلِّ المزالِّ التي تتهافت عند حافَّتها أقدامُ الرجال، الخوضَ فيما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنةٍ صمَّاءَ عمياءَ، اختلطت فيها الحُجَج، وتشابكت فيها المقاصد، وتقاذفتها الأهواءُ من بعدُ حتى صارت ميدانًا للعصبيات لا مجلسًا للعلم. وهي بحرٌ لُجِّيٌّ غرِق في تيَّاره خلقٌ كثير، ما بين غالٍ جفا، وجافٍ غلا، وما توسَّط فيه إلا مَن عصمه الله بالعلم والإنصاف، وأمسك بزمام قلبه أن تستفزَّه الروايات أو تستخفَّه الدعاوى.

الناظر في هذه المسألة بعين المؤرخ المنصف، وميزانِ الفقيه يقرِّر ابتداءً أن الحقَّ في هذا الباب لا يُنصَح بالخوض فيه لصِنفين من الناس:

أوَّلهما العامِّيُّ غيرُ المتخصص الذي لم يُحكِم آلة النقد ولا تمرَّس بعلل الأخبار.

وثانيهما المنحازُ ابتداءً لإحدى الفئتين، الذي دخل المسألة وقد عقد قلبه على نُصرة فريق، فهو لا يلتمس الحق وإنما يلتمس ما يشدُّ به دعواه.

وبيانُ ذلك في المباحث الآتية.

المبحث الأول: في تقرير عدالة الصحابة وأصل المحبة الواجبة

اعلم — وفَّقني الله وإياك — أن قاعدة الباب التي لا يستقيم النظر إلا عليها: أن أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدولٌ بتعديل الله تعالى لهم ولرسوله، فلا تُعلَّق عدالتُهم على بحثٍ، ولا تُناط بتزكية أحدٍ بعد تزكية مُنزِّل الكتاب.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال في أهل بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وأثنى على جملتهم فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].

وقد جعل سبحانه سلامةَ القلب لهم علامةً على صدق الإيمان فيمن بعدهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، حتى استدلَّ الإمام مالك رحمه الله بهذه الآية على أن من كان في قلبه غِلٌّ على أحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له في فيء المسلمين حقٌّ؛ إذ جعل الله الفيءَ لمن يستغفر لهم ويدعو لهم، لا لمن يطعن فيهم ويحمل عليهم.

وفي السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه»، وهو حديثٌ متفقٌ على صحته. وبهذا قرَّر أئمةُ الاعتقاد أصلًا جامعًا، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في بيان معتقد أهل السنة والجماعة: «ونحبُّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نُفرِط في حبِّ أحدٍ منهم، ولا نتبرَّأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ».

فإذا تقرَّرت هذه العدالةُ الثابتةُ بنصِّ الوحي، عُلم أن ما جرى بينهم لا يُتَّخذ ذريعةً إلى الطعن في أحدٍ منهم، ولا سبيلًا إلى إسقاط عدالته أو الغضِّ من سابقته؛ فإن مقامًا شهد الله بصدقه ورضي عن أهله لا يُهدَم بمتشابه الأخبار ومتعارض الروايات.

المبحث الثاني: منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم

لمَّا تقرَّر ما سبق، انعقد إجماعُ أهل السنة والجماعة على أصلين متلازمين في التعامل مع ما جرى بين الصحابة:

الأصل الأول: الكفُّ والإمساكُ عن الخوض فيما شجر بينهم على وجه التنقُّص أو التأثيم، وكفُّ اللسان عن الطعن، والقلبِ عن الحقد والبغضاء.

والأصل الثاني: حملُ أفعالهم على أحسن المحامل ما وُجد إلى ذلك سبيل، وتأويلُ ما ظاهرُه الإشكال؛ فإنهم لم يقاتل بعضُهم بعضًا عن هوًى ولا طلبِ دنيا، وإنما عن اجتهادٍ وتأويلٍ، رأى كلُّ فريقٍ أنه على الحق.

وأصلُ هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجرٌ»، وهو متفقٌ عليه؛ فإذا كان المخطئ في اجتهاده مأجورًا غيرَ مأزور، فكيف بأكابر المجتهدين من الصحابة الذين هم أهلُ الحلِّ والعقد وأربابُ الفتوى والقضاء؟

وقد حرَّر هذا الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم، فقرَّر أن الحروب التي جرت بينهم إنما ابتنت على التأويل والاجتهاد، وأن الواجب الإمساكُ عن ذكر ما شجر بينهم بسوء، وحملُ أمورهم على أحسن وجوهها.

وبصرف النظر في من كان الحق معه سيدنا عليًّا أو السيدة عائشة وسادتنا طلحة والزبير رضي الله عنهم جميعا فمن كان هو المُحِقَّ المصيب في تلك الحروب، كان مخالفيه كانوا مجتهدين مخطئين معذورين غيرَ آثمين، لأن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ فلا إثم عليه.

وعلى هذا النهج جرى أئمةُ التحقيق؛ فأوصى الإمام الغزالي رحمه الله بالإعراض عن الخوض في منازعاتهم، ونهى عن جعل ذلك مادةً للجدل بين العامة وموضوعًا للخصام، ورأى أن السلامة في حسم هذا الباب وصرفِ الهمَّة إلى ما ينفع في الدين.

وأفرد القاضي أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله كتابه «العواصم من القواصم» للذبِّ عن الصحابة وردِّ شُبَه الطاعنين، فبيَّن أن كثيرًا مما يُروى في مثالبهم إنما هو من وضع المتعصبين وأهل الأهواء، وأن الواجب التماسُ المخارج الصحيحة لأفعالهم لا تصيُّدُ السقطات.

وقرَّر الإمام سعد الدين التفتازاني رحمه الله — وهو من أئمة التحقيق في علم الكلام — أن ما نُقل من المنازعات والمشاجرات بينهم على ضربين: ضربٌ باطلٌ مكذوبٌ افتراه الطاعنون، وهو الأكثر، وضربٌ صحَّ نقلُه فهم فيه مجتهدون، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجرٌ، والخطأُ في الاجتهاد مغفور.

فاجتمع بذلك في كلام المحققين أصلان: ردُّ الأكثر لبطلان سنده، وتأويلُ ما صحَّ منه على الاجتهاد.

المبحث الثالث: في بيان من لا ينبغي له الخوض، وهما صِنفان

وإذا تقرَّر منهجُ أهل السنة، فاعلم أن باب البحث في تفاصيل الفتنة وتمييزِ المحقِّ من المخطئ في كل واقعةٍ بعينها ليس مبذولًا لكل أحد، بل هو موقوفٌ على أهله، محجوبٌ عن صِنفين:

الصنف الأول: العامِّيُّ غيرُ المتخصص، الذي لم يُحكِم آلة العلم، ولا تمرَّس بنقد الأسانيد وعلل المتون، ولا ميَّز صحيحَ الأخبار من سقيمها.

فإن هذا إن خاض فإنما يخوض في ظلماتٍ بغير سراج، يتلقَّف ما تقع عليه عينه من الروايات لا يدري أصحيحةٌ هي أم موضوعة، فيبني على المكذوب اعتقادًا، ويُحمِّل قلبه من البغض والولاء ما لم يكلِّفه الله به.

والعامي مأمورٌ في هذا الباب بما أُمر به في نظائره: أن يَكِل العلم إلى أهله، ويُمسك عما لا يَعنيه، ويَسلَم له دينه؛ إذ لو وُكِل الناس في كل نازلةٍ إلى أفهامهم القاصرة لاختلَّ ميزانُ الشريعة وعمَّت الفوضى.

الصنف الثاني: المنحازُ ابتداءً لإحدى الفئتين، الذي دخل المسألة وقد سبق إلى قلبه تعظيمُ فريقٍ وتنقُّصُ آخر، فصار لا ينظر في الأدلة ليصل إلى الحق، بل لِيَنصُر ما اعتقده سَلَفًا.

وهذا أخطرُ من الأول؛ فإن الأول جاهلٌ يُرجى تعلُّمُه، وهذا قد أغلق على نفسه باب الإنصاف.

وآفةُ هذا الصنف أن الحدث السياسيَّ الكبير، إذا انخرط في طرفيه جمعٌ من الأفاضل والأتباع والمؤرخين، تكاثرت حوله الروايات من الجهتين، فصار لكل فريقٍ من الأخبار ما يشدُّ به دعواه ويسند به وجهةَ نظره؛ فإذا جاءه المنحازُ انتقى منها ما يوافق هواه، وأعرض عما يخالفه، وسمَّى انتقاءه تحقيقًا، وهو في الحقيقة تحكيمٌ للهوى في رواية التاريخ.

ولو أن الناظرَ تجرَّد من الهوى، ونظر بعين الناقد البصير، لوجد أن غالبَ ما رُوي في تفاصيل تلك الوقائع لا يُلتفت إليه، لِما يعتريه من العلل في السند والمتن، على ما سيأتي بيانه في المبحث الآتي.

المبحث الرابع: في علل الروايات، وآفة التدوين الحزبي، وقاعدة الفعل وردِّ الفعل

من أعظم ما يجب أن يتنبَّه له الباحثُ المنصف أن جُلَّ ما دُوِّن في تفاصيل الفتنة إنما نُقل بأسانيدَ لا تقوم بها حجةٌ في أدنى مسألةٍ فقهية، فضلًا عن أن يُبنى عليها جرحُ صحابيٍّ أو تأثيمُه.

فإن أهل الحديث شدَّدوا في قبول الأخبار في الحلال والحرام، وتساهل كثيرٌ من الإخباريين والمؤرخين في رواية أخبار الفتن والملاحم والسِّيَر، فجمعوا الغثَّ والسمين، والصحيحَ والموضوع، على عادتهم في التوسُّع في المغازي والأخبار.

وفي رواة هذا الباب من هو متروكٌ ساقطٌ عند نقاد الحديث، ومنهم الإخباريُّ الذي اشتُهر بجمع الأخبار من غير تمييز، فجاءت مادتُهم التاريخية مشحونةً بما لا يثبت.

ولهذا وجب التفريقُ بين منهجين:

منهجِ المحدِّث الذي ينقد السند والمتن فلا يقبل إلا ما صحَّ.

ومنهجِ المؤرخ الذي يجمع الروايات ليوازن بينها وينظر في قرائنها.

والخطأُ الفاحش أن تُؤخذ مرويات المؤرخين على أنها حقائقُ مقطوعٌ بها، ثم يُبنى عليها موقفٌ اعتقاديٌّ من الصحابة الكرام. والإنصافُ يقتضي إعمالَ آلة النقد في هذه الأخبار سندًا ومتنًا؛ فما خالف منها المعلومَ من فضائلهم، أو نقله متَّهمٌ بهوًى، أو تفرَّد به متروكٌ، رُدَّ ولم يُلتفت إليه.

ثم إن الذي نشاهده في هذا الباب — عند التحقيق — هو في كثيرٍ منه فعلٌ وردُّ فعلٍ.

أما الفعل فإن طائفةً غلت في جانبٍ، فدوَّنت التاريخ على أن الحقَّ المحضَ مع سيدنا علي رضي الله عنه، ومضت تصف مخالفيه بالبغي والفئة الباغية، حتى تسرَّب هذا الوصف إلى بعض كتب التاريخ، وانتقل إلى مسائل الفقه في باب «قتال أهل البغي» حيث اتُّخذت وقعةُ صفِّين أنموذجًا، فصار بعضهم يُنزِّل أحكام البغاة على فريقٍ من الصحابة بأعيانهم.

وأما ردُّ الفعل فإن هذا الغلوَّ استفزَّ حركةً مضادّةً، فقامت طائفةٌ أخرى تنتصر للفريق المقابل بتسفيه جانب سيدنا علي رضي الله عنه وتفسيقه، بل بلغ ببعض الغُلاة في عصور الفتنة أن نالوا منه على المنابر، فكان ذلك بغيًا ظاهرًا وجنايةً لا تُغتفر.

فانظر كيف صار الباب بين غلوٍّ وغلوٍّ مضاد، وكلاهما خروجٌ عن جادَّة الإنصاف.

والحقُّ وسطٌ بين هذا وذاك: إجلالُ السيدة عائشة و ساعدتنا طلحة والزبير علي رضي الله عنهم جميعا ، مع حفظ مقامِ مخالفيهم من الصحابة بالقدر نفسه، وحملِ أمرهم على الاجتهاد.

فلا يُجَرُّ تعظيمُ سيدنا علي إلى تفسيق غيره من الصحابة، ولا يُجَرُّ الذبُّ عن غيره إلى الغضِّ من مقامه رضي الله عنه.

وهذا هو المسلك الذي تجتمع به الأدلةُ ولا يتصادم بعضُها مع بعض.

ومن أبين ما يُمثَّل به لهذا الإنصاف: ما أن لا يجعل أي دليل ظاهره الطعن بأحدهما موجبًا لتفسيق تلك الطائفة، ولا للطعن في أعيانها من الصحابة؛ إذ البغيُ قد يقع عن تأويلٍ سائغٍ في ظنِّ صاحبه، والمتأوِّلُ المخطئ معذورٌ مأجورٌ أجرَ اجتهاده، وليس البغيُ في كل موضعٍ موجبًا للفسق. وهكذا يجتمع تصديقُ الحديث الصحيح مع حفظ مقام الصحابة جميعًا، فلا يُضرَب بعضُ النصوص ببعض، ولا يُحمَّل النصُّ ما لا يحتمله.

المبحث الخامس: في التفريق بين الفعل وفاعله

وثَمَّ قاعدةٌ جليلةٌ هي

مفتاحُ الإنصاف في هذا الباب كله: التفريقُ بين الفعل وفاعله.

فإن الفعل قد يكون مرجوحًا أو خطأً في نفسه، ثم لا يلزم من ذلك القدحُ في فاعله ولا إسقاطُ عدالته.

فالفعلُ غيرُ الفاضل قد يقع من الرجل الفاضل، والزَّلَّةُ قد تصدُر من الرجل الكريم، وذلك لا يُلغي سائرَ فضائله ولا يهدم باقيَ مكارمه.

وكم من جبلٍ من جبال العلم والدين زلَّت به قدمٌ في مسألةٍ، فلم يقل أحدٌ من المنصفين بإسقاطه وهدرِ محاسنه من أجلها.

فإذا تقرَّر هذا، فاحذر مسلكين متقابلين كلاهما جَورٌ وحَيف:

أحدهما أن تعظِّم الرجل حتى تعصمه من الخطأ، فتؤوِّل كلَّ ما صدر عنه على أنه عينُ الصواب، وتجعل فعله حجةً تُردُّ بها النصوص؛ وهذا غلوٌّ يُفضي إلى تأليه الرجال.

والثاني أن تَقِف على زَلَّةٍ ثبتت أو لم تثبت، فتجعلها عنوانًا على الرجل كله، فتطمس بها بحرَ فضائله، وتنسى سابقتَه وجهادَه وصحبتَه؛ وهذا جفاءٌ يأباه العدل.

والعدلُ أن تُنزِّل كلَّ فعلٍ منزلتَه: فما كان صوابًا حُمد، وما كان خطأً عن اجتهادٍ التُمس له العذر ووُكِل علمُه إلى الله، مع بقاء صاحبه على ما له من السابقة والفضل والصحبة التي لا يعدِلها عملُ من جاء بعدهم؛ فإن مدًّا من أحدهم خيرٌ من مثل أُحُدٍ ذهبًا ممن سواهم.

وهذا معنى ما قرَّره العلماء من أن الصحابة رضي الله عنهم بحرٌ لا تُكدِّره الدِّلاء.

المبحث السادس: في حكم الخوض والتوقف، ومتى تُمسك ومتى تخوض

فإذا عرفتَ ما تقدَّم، فاعرِض نفسك على هذا الميزان قبل أن تَلِجَ هذا الباب:

فإن وجدتَ قلبك لا يطاوعك على التجرُّد، ولا يقوى على الفصل بين الفعل وصاحبه، بحيث متى ثبت عندك خطأٌ لأحدهم جرَّك ذلك إلى بُغضه أو الطعن فيه — فالحزمُ كلُّ الحزم أن تترك الخوض رأسًا، سلامةً لدينك وبراءةً لموقفك.

فإن الله تعالى قد أنجاك من تلك الدماء أن تكون قد أرقتَها أو شاركتَ فيها، فلا تُلطِّخ بها لسانك بعد أن طهَّر الله منها يدك.

وما أحسنَ ما أُثِر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين سُئل عما كان بين الصحابة، فقال: «تلك دماءٌ طهَّر الله منها أيدينا، فلا نُخضِّب بها ألسنتنا».

فاجعل هذه الكلمة إمامًا لك، وطهِّر لسانك وقلبك من خصومتهم، تَسلَم لك آخرتُك وأنت لم تُكلَّف بالفصل بينهم، وإنما كُلِّفتَ بمحبتهم والترضِّي عنهم والكفِّ عما شجر بينهم.

وأما إن كنت من أهل الإنصاف والدراية، قد أحكمتَ آلة النقد، ومَلَكتَ زمامَ قلبك فلا يستفزُّك هوًى ولا يستخفُّك تعصُّب، وميَّزتَ بين رواية المحدِّث ورواية الإخباري، وبين الفعل وفاعله — فلك أن تَلِجَ هذا البحر وتخوضَ سواحلَه؛ لا متهجِّمًا على لُجَجه على غير هدًى، بل معزَّزًا بالأدلة الصحيحة، مستضيئًا بكلام العلماء المنصفين الذين تكلَّموا في هذا الباب بميزان العلم لا بداعي الهوى.

فإن البحث حينئذٍ علمٌ يُؤجَر صاحبُه، وذبٌّ عن حِياض الصحابة أن تُستباح أعراضُهم بالأكاذيب.

وبهذا القيد يكون الخوض محمودًا، وبفقده يكون مذمومًا مهلِكًا.

خاتمة

وجِماعُ القول في هذه المسألة: أن ما شجر بين الصحابة الكرام فتنةٌ مختلطةٌ وقع في شِراكها كثيرٌ من الأفاضل، تتقاذفها رواياتٌ متضاربة، أكثرها لا يصحُّ سندًا ولا متنًا، وما صحَّ منها فمحمولٌ على الاجتهاد والتأويل.

وأن الواجب على عموم المسلمين الكفُّ والإمساكُ وحسنُ الظنِّ والترضِّي عن الجميع، وأن الخوض في تفاصيلها محجوبٌ عن العامي غير المتخصص وعن المنحاز المتعصب، مأذونٌ فيه لأهل الإنصاف والدراية بشرطه الذي قدَّمناه.

والميزانُ الجامع: تقدير الجميع رضي الله عنهم ، مع حفظ مقامات سائر الصحابة وعدمِ تفسيقهم، والتفريقِ بين الفعل وصاحبه، ونبذِ الغلوِّ والجفاء جميعًا.

فمن سلك هذا المسلك سلِم دينُه، وبرئت ساحتُه، واجتمع له تعظيمُ أهل البيت وأصحابِ نبيهم صلى الله عليه وسلم في قلبٍ واحد، لا يجد فيه على أحدٍ منهم غِلًّا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. وذلك هو الفوزُ الذي نسأل الله أن يرزقَنا إياه.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الحديث والسيرة
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top