رجوع إلى الفتاوى الحديث والسيرة

عاشوراء وفقه الموقف من الروايات والممارسات

فتوى٨٥١٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ما المناقشة المنقولة للموقف من عاشوراء والروايات المرتبطة به؟

خلاصة الجواب

وقد أجمعت كلمةُ المحقِّقين على أنَّ ما شِيدَ على باطلٍ فهو باطلٌ، وأنَّ ما نُسِجَ من خيالِ القُصَّاصِ لا يُقيمُ عقيدةً ولا يُصحِّحُ دِينًا.

فمن وقفَ موقفًا في الدِّينِ فعليه أن يُحقِّقَ مناطَه في الروايةِ قبل أن يُحقِّقَه في العاطفةِ.

الجواب المفصَّل

بَيْنَ جَلالةِ المَوقِفِ وهَوانِ التَّملُّقِ

عاشوراءُ في مِيزانِ العَقيدةِ والرِّوايةِ

ا. د. محمد طه حمدون السامرَّائي

فإنَّ الناظرَ في تقلُّباتِ الأيامِ ومساراتِ التاريخِ لَيَعجبُ من أقوامٍ أنزلوا الدِّينَ منزلةَ السِّلعةِ في سوقِ المزايداتِ السياسيَّةِ، واتَّخذوا العقيدةَ جِسرًا يَعبرون عليه إلى مصالحَ فانيةٍ ومناصبَ زائلةٍ.

ولعلَّ من أنكى ما يُدمي القلبَ ويَندى له الجبينُ ما يتكرَّرُ في ذكرى عاشوراءَ من مظاهرِ التمييعِ العَقَديِّ والانكسارِ المنهجيِّ، يُمارسُه نفرٌ ممَّن تصدَّروا المشهدَ من المحسوبين على أهلِ السنَّةِ، أفرادًا ومؤسَّساتٍ، حين يجعلون من ذكرى استشهادِ سبطِ رسولِ الله ﷺ الحسينِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما مادَّةً للعويلِ المستعارِ والمجاملةِ الفَجَّةِ على حسابِ الثوابتِ ونهجِ السلفِ الصالحِ.

أوَّلًا: حاكميَّةُ الرِّوايةِ الصحيحةِ قبل فورةِ العاطفةِ

إنَّ أوَّلَ ما تُقرِّرُه قواعدُ هذا الدِّينِ أنَّ المواقفَ الشرعيَّةَ والعواطفَ التعبُّديَّةَ لا تُبنى إلا على خبرٍ ثابتٍ ونقلٍ صحيحٍ؛ إذ العاطفةُ إذا انفلتَت من عِقالِ الروايةِ الصحيحةِ استحالت إلى وسيلةٍ يُتوصَّلُ بها إلى الباطلِ من حيثُ يُظنُّ أنَّه قُربةٌ.

وقد أجمعت كلمةُ المحقِّقين على أنَّ ما شِيدَ على باطلٍ فهو باطلٌ، وأنَّ ما نُسِجَ من خيالِ القُصَّاصِ لا يُقيمُ عقيدةً ولا يُصحِّحُ دِينًا.

فمن وقفَ موقفًا في الدِّينِ فعليه أن يُحقِّقَ مناطَه في الروايةِ قبل أن يُحقِّقَه في العاطفةِ.

ثانيًا: تحقيقُ المناطِ الرِّوائيِّ — أبو مخنفٍ في ميزانِ النُّقَّادِ

لقد فتحَ المُتمِّيعون منابرَهم، وسخَّروا إعلامَهم، لاجترارِ تفاصيلَ مُروِّعةٍ ومَشاهدَ دمويَّةٍ حولَ مقتلِ الحسينِ رضي الله عنه، متناسين أو متجاهلين ما قرَّره جهابذةُ الحديثِ ونُقَّادُ الأثرِ من سقوطِ مدارِ تلك التفاصيلِ.

فإنَّ عمدةَ ما يُروى في تهويلِ تلك الواقعةِ وتمثيلِها إنَّما يدورُ على الأخباريِّ أبي مخنفٍ لوطِ بنِ يحيى الأزديِّ الكوفيِّ، وقد أطبقَ أئمَّةُ الجرحِ والتعديلِ على تضعيفِه وتركِ حديثِه:

قال إمامُ النقدِ يحيى بنُ معينٍ فيه: «ليس بثقةٍ» ، وحكمَ عليه أبو حاتمٍ الرازيُّ بقولِه: «متروكُ الحديثِ» ، وقال الدارقطنيُّ: «إخباريٌّ ضعيفٌ» ، وزادَه الذهبيُّ بيانًا فقال: «إخباريٌّ تالفٌ لا يُوثَق به»، حتى نعتَه ابنُ حجرٍ بأنَّه «هالكٌ» ، وكشفَ ابنُ عديٍّ عن جهةِ بليَّتِه فقال: «شيعيٌّ مُحترقٌ، صاحبُ أخبارهم» .

فهذه شهاداتُ أهلِ الصنعةِ متضافرةً على أنَّ الرجلَ ساقطُ العدالةِ، لا تقومُ بمفاريدِه حُجَّةٌ، ولا يُبنى على أخبارهِ حُكمٌ.

⏳ثمَّ إنَّ من تمامِ الإنصافِ وحقِّ التحقيقِ أن يُفرَّقَ في هذا البابِ بين أمرينِ يَخلِطُ بينهما كثيرٌ من الناسِ:

فأصلُ استشهادِ الإمامِ الحسينِ رضي الله عنه بكربلاءَ سنةَ إحدى وستِّين للهجرةِ حقيقةٌ تاريخيَّةٌ ثابتةٌ، نَعرفُ للحسينِ قدرَه، ونُنزِله منزلتَه، ونعدُّ مصابَه رزيَّةً في الأمَّةِ.

وأمَّا ما رُكِّبَ على هذا الأصلِ من المبالغاتِ المسرحيَّةِ والتفاصيلِ المُختلَقةِ والطقوسِ المُحدَثةِ، فهو الذي يدورُ على تلك الأسانيدِ الواهيةِ والرواةِ المتروكين.

وقد نبَّه إلى هذا المعنى الحافظُ ابنُ كثيرٍ حين بيَّن أنَّ أكثرَ ما يُساقُ في ذلك إنَّما هو من روايةِ أبي مخنفٍ الضعيفِ الذي تتابعَ المصنِّفون على النقلِ عنه . فالتعظيمُ للحسينِ ثابتٌ بالأصلِ، والإنكارُ إنَّما هو على الزيادةِ المُختلَقةِ والشعيرةِ المُبتدَعةِ؛ وكيفَ يَليقُ بمسلمٍ سويٍّ — فضلًا عن عالمٍ أو متصدِّرٍ يدَّعي تمثيلَ طائفتِه — أن يَبنيَ موقفَه على رُكامٍ من المرويَّاتِ الساقطةِ؟

ثالثًا: ميزانُ العدلِ والاطِّرادِ — أين المآتمُ على ساداتِ الشهداءِ؟

فإن كان إقامةُ المآتمِ على الراحلين، وتجديدُ النِّياحةِ على الشهداءِ، دِينًا يُتعبَّدُ به وقُربةً يُتوسَّلُ بها إلى الله، فليقفِ القومُ بين يدَي محكمةِ الشرعِ والعقلِ مُجيبين عن سؤالٍ لا يَقبلُ المُواربةَ:

أين مآتمُهم على شهيدِ المحرابِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه الذي انكسرَ باستشهادهِ بابُ الفتنةِ؟

وأين عويلُهم على ذي النُّورينِ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه صريعِ كتابِ الله والمظلومِ في عُقرِ دارهِ؟

وأين لطمُهم على أسدِ الله حمزةَ بنِ عبدِ المطَّلبِ، وعلى مُصعبِ بنِ عُميرٍ سفيرِ الإسلامِ الأوَّلِ؟

بل أين هم من مصابِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه والدِ الحسينِ نفسهِ وزوجِ البتولِ، وهو من هو سابقةً وفضلًا؟

إنَّ تخصيصَ الحسينِ رضي الله عنه بهذه الطقوسِ المُحدَثةِ دونَ من هم أعظمُ منه مقامًا وأسبقُ إسلامًا لَيكشفُ بجلاءٍ أنَّ المُحرِّكَ ليس صدقَ المحبَّةِ ولا تعظيمَ الشعيرةِ، وإنَّما هو الهوى والانسياقُ خلفَ موجاتٍ غريبةٍ على جسدِ هذه الأمَّةِ؛ إذ لو كان الباعثُ هو الدِّينُ لاطَّردَ الحُكمُ في سائرِ من هو أحقُّ بالتعظيمِ، وفي اطِّرادِ الميزانِ يَظهرُ صدقُ الدعوى من زيفِها.

رابعًا: مَزالِقُ التوظيفِ السياسيِّ والمساومةُ على الثوابتِ

وإذا تأمَّلنا حقيقةَ ما يصدرُ عن هؤلاء من الذوبانِ في هويَّةِ غيرِهم، والانسلاخِ من شعائرِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، لم نجِدْه يَخرجُ عن أحدِ أمرينِ كلاهما مُرٌّ:

الأوَّلُ: مساومةٌ على الثوابتِ ومُجاملةٌ سياسيَّةٌ، حيث تُقدَّمُ التنازلاتُ العَقَديَّةُ تقرُّبًا إلى أصحابِ النفوذِ، وكأنَّ الولاءَ السياسيَّ لا يَثبتُ إلا بالمشاركةِ في طقوسٍ نهى عنها الشارعُ الحكيمُ، فيُباعُ الثابتُ بالعرَضِ الزائلِ، وتُبذَلُ الكرامةُ في غيرِ موضعِها.

الثاني: قصورٌ في التصوُّرِ وضعفٌ في البِنيةِ المنهجيَّةِ، حيث يَظنُّ بعضُ المتصدِّرين أنَّ محبَّةَ آلِ البيتِ لا تتحقَّقُ إلا بمُجاراةِ المخالفين في مُحدَثاتِهم، وقد عَزَبَ عنهم أنَّ المحبَّةَ الصادقةَ إنَّما هي في اتِّباعِ الهَديِ لا في مُسايرةِ الابتداعِ، وأنَّ آلَ النبي الأطهارَ بُرآءُ من كلِّ غُلوٍّ يُرفَعون به فوقَ منازلهم، أو ابتداعٍ يُنسَبُ زورًا إلى محبَّتهم.

وهذه المُجاملاتُ — على ما يُظنُّ فيها من كسبِ القلوبِ — لا تَزيدُ أصحابَها إلا هَوانًا في أعينِ من يتزلَّفون إليهم، وسقوطًا في ميزانِ الشرعِ، وفقدانًا لاحترامِ الأجيالِ التي تنتظرُ منهم الثباتَ لا التمييعَ، والعزَّةَ لا الانكسارَ؛ فإنَّ المُداهنَ في دِينهِ لا يُكرِمُه مُخالفُه، بل يَزدريهِ ويستخفُّ بثباتهِ.

خاتمةٌ: تعظيمُ آلِ البيتِ بين الغُلوِّ والجفاءِ

فيا من ابتُليتم باعتلاءِ المنابرِ وقيادةِ الجماهيرِ: إنَّ توقيرَ الحسينِ رضي الله عنه وسائرِ آلِ بيت النبوَّةِ لا يكونُ بالنِّياحةِ وضربِ الخدودِ وشقِّ الجيوبِ، ولا باختلاقِ الرواياتِ على واقعةٍ ثابتةٍ، ولا بالمُسايرةِ السياسيَّةِ تحتَ ذريعةِ التعايشِ والمجاملةِ؛ فإنَّ هذه المسالكَ تُهدِرُ المقصودَ وتُفسِدُ المحبَّةَ من حيثُ تُرادُ إقامتُها.

وإنَّ خيرَ ما يُهدى إلى آلِ البيتِ الأطهارِ ثلاثٌ:

إحياءُ سنَّةِ جدِّهمُ المختارِ ﷺ، والاستمساكُ بها ظاهرًا وباطنًا.

الثباتُ على هَديِ الصحابةِ الكرامِ، والسيرُ على منهاجِهم في الفهمِ والتنزيلِ.

إنزالُهم منازلَهم الحقَّ، بلا غُلوٍّ يرفعُهم إلى مَصافِّ التشريعِ، ولا جفاءٍ يَبخسُهم حقَّهم وقَدْرَهم.

فالمنهجُ القويمُ وسطٌ بين طرفَينِ: غُلوٍّ يُؤلِّهُ ويُشرِّعُ، وجفاءٍ يَجحدُ ويَبخسُ؛ وعلى هذا الصراطِ المستقيمِ مضى السلفُ الصالحُ وأئمَّةُ المذاهبِ الكبارِ، بمنأًى عن خُرافاتِ المُنتسبين وغُلوِّ المُغالين من أيِّ جهةٍ صدرَ. لله درُّ القائلين بالحقِّ، الصادعين به، الذين لم تُلْهِهم تجارةُ السياسةِ ولا بريقُ المناصبِ عن كلمةِ التوحيدِ الخالصةِ.

والله يقولُ الحقَّ وهو يَهدي السبيلَ.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الحديث والسيرة
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top