"النّكرةُ أصلٌ للمعرفةِ، والأصلُ في الأشياءِ أنْ تكونَ نكرةً، ثُمَّ تُعرّفَ."— إمام النحاة، سيبويه.
للهِ درّ هذا القول! فما هو بوقفٍ على صحائفِ النّحو وقواعدِ اللسان، بل هو ناموسٌ كونيّ وسرٌّ وجوديٌّ ينسحب على بني آدم أجمعين. يخرج الإنسان من بطن أمه نكرةً غُفلًا في سِفْر الحياة، مجردًا من كل صِفة، مجهولًا في زحام الوجود، حتى يخطّ بيمينه أو بشماله مسار تعريفه؛ فيغدو بعمله إما «عَلَمًا» يُستضاء به في قوافل الأخيار، أو يعود إلى نكارته الأولى منبوذًا في هوامش الأشرار. وهمُ التّعريف في قواميسِ البَشر نعم يظن الغافلون من الناس أن "التعريف" إنما يكون بإضافة المرء إلى زينة الدنيا وزُخرفها؛ فيعرّفونه بالمال، أو الجاه، أو النسب، أو صيتٍ يطير في الآفاق. وما دروا أن هذا تعريفٌ زائف، وسرابٌ خادع، وحكمٌ مؤقت يزول بزوالِ المضاف إليه. فمتى سقط المال، أو زال المنصب، انفرط عقد هذه المعرفة وعاد صاحبها إلى نكارته الباردة الموحشة. كم من «مَعْرفةٍ» عند أهل الأرض، تهتز لمقدمه المجالس، وتُعقد له الرايات، وهو عند الله أهون من جناح بعوضة؛ لم يُعرّف في الملأ الأعلى إلا بقلبٍ قاسٍ وصحيفةٍ سوداء.
وكم من «نكرةٍ» في الأرض، لا يأبه له الناس، مدفوعٍ بالأبواب، أشعثَ أغبرَ، لو أقسم على الله لأبرّه، اسمه مجهولٌ في سجلات البشر، لكنه منقوشٌ بأحرفٍ من نور في لوح السماء.
التّعريف بالصِّلة.. حيثُ المعرفةُ الحقّة نعم إن المعرفة الحقيقية، يا صاحب القلب، ليست في أن تلوكَ الألسنةُ اسمك، ولا في أن تتصدر صفوف الخلق، بل المعرفة الحقّة أن تُعرَّفَ عند خالقك. أن تعرفك ملائكة الرحمة من كثرة طَرقك لأبوابها بالأسحار.. وأن يعرفك موضع سجودك من حرارة دموع الخلوات.. وأن يعرفك القرآن تاليًا آناء الليل وأطراف النهار.. إن المعرفة عند مولاك هي «التعريف بالصّلة»؛ فمن اتصل بحبل الله صار به مُعرَّفًا، وارتقى من وحل الطين إلى سعة اليقين. ومن انقطع عن هذا الحبل، فقد هوي في وادٍ سحيق، ولو عرفه أهل المشرق والمغرب.
النّداء الأخير
فاجعل همّك -أيها السالك- أن تخرج من ضيق "النكرة" في موازين الخلق، إلى سعة "المعرفة" في ميزان الخالق. لا يضيرك أن تكون مجهولًا في زحام الأرض، إذا كنتَ معلومًا في سماء الرضوان. فوالله، لن يغني عنك من الله شيئًا أن تكون «مبتدأً» في أحاديث الناس، إذا كان «خبرك» عند الله شقيًّا.
ولن ينفعك أن تُرفع بالجاه في الدنيا، إذا نُصبت لك موازين الحساب يوم القيامة فكُسرتَ وخُفضت. فاعمل ليومٍ يُنادى فيه على أهل المعرفة الحقّة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾.
