أ. د. مُحَمَّد طَه حَمْدُون السَّامَرَّائِي
لَا يَجْرُؤُ عَلَى لَعْنِ الشَّمْسِ إِلَّا مَنْ أَعْمَاهُ قَهْرُ الظَّلَامِ، وَلَا يَتَطَاوَلُ عَلَى قِمَمِ الْجِبَالِ إِلَّا مَنْ أَلِفَ الْعَيْشَ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الْقَاعِ.
إِنَّ مَا تُبْتَلَى بِهِ الْأُمَّةُ مِنْ طُقُوسٍ عَبَثِيَّةٍ وَحَفَلَاتٍ دَنِيئَةٍ تُسَمَّى زَيْفاً وَبُهْتَاناً بِـ "فَرْحَةِ الزَّهْرَةِ"، يُرَادُ بِهَا الطَّعْنُ فِي هَامَةٍ مِنْ هَامَاتِ الْإِسْلَامِ الْكُبْرَى كَسَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، لَهُوَ أَقْبَحُ وُجُوهِ الِانْحِطَاطِ الْفِكْرِيِّ، وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ التَّطَرُّفِ الطَّائِفِيِّ الَّتِي تَتَغَذَّى عَلَى الْأَحْقَادِ التَّارِيخِيَّةِ الْكَاسِدَةِ.
إِنَّ هَذَا الِاحْتِفَاءَ الْأَرْعَنَ بِالشَّتْمِ لَا يُمَثِّلُ دِيناً وَلَا يَنْتَصِرُ لِمَذْهَبٍ، بَلْ يَفْضَحُ عَوْرَاتِ نُفُوسٍ مَرِيضَةٍ، أَعْيَاهَا أَنْ تَصْنَعَ مَجْداً فِي حَاضِرِهَا، فَرَاحَتْ تَنْهَشُ فِي أَسْيَادِ تَارِيخِهَا.
هَامَةُ الْفَارُوقِ الَّتِي لَا تُطَالُ
إِنَّ شَتْمَ الْفَارُوقِ لَا يَخْدِشُ مِنْ كِبْرِيَائِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ؛ فَالشَّمْسُ لَا تَتَلَوَّثُ بِنُبَاحِ الْكِلَابِ، وَالسَّمَاءُ لَا تَتَأَذَّى بِحَصَيَاتِ الْأَقْزَامِ. لَقَدْ كَسَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُرُوشَ الطُّغَاةِ، وَدَكَّ إِيوَانَ كِسْرَى، وَأَطْفَأَ نَارَ الْمَجُوسِيَّةِ، وَأَرْسَى قَوَاعِدَ الْعَدْلِ الَّذِي جَعَلَ مِنْهُ أُنْمُوذَجاً مُرْعِباً لِكُلِّ مُسْتَبِدٍّ وَخَائِنٍ.
وَلِهَذَا، فَإِنَّ كُلَّ لَعْنَةٍ تُوَجَّهُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ لَيْسَتْ إِلَّا صَدًى لِذَلِكَ الِانْهِيَارِ الْقَدِيمِ، وَتَنْفِيساً عَنْ عُقْدَةِ النَّقْصِ الَّتِي تَسْكُنُ صُدُورَ مَنْ عَجَزُوا عَنْ بُلُوغِ مِعْشَارِ مَا حَقَّقَهُ. إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي تُهِينُ بُنَاتَهَا وَتَلْعَنُ فَاتِحِيهَا، هِيَ أُمَّةٌ تَحْفِرُ قَبْرَهَا بِيَدِهَا.. وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلِيفَةٍ، بَلْ هُوَ جِدَارُ الْأُمَّةِ الْعَظِيمُ الَّذِي تَتَكَسَّرُ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْفِتَنِ.
دَعْوَةٌ لِحِفْظِ السِّلْمِ الْأَهْلِيِّ وَمُحَاسَبَةِ الْعَابِثِينَ
وَمِنْ هُنَا، نُطْلِقُهَا دَعْوَةً صَرِيحَةً وَمُنَاشَدَةً عَاجِلَةً لِلْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالرَّسْمِيَّةِ فِي الْعِرَاقِ؛ لِلْوُقُوفِ بِحَزْمٍ أَمَامَ هَذَا الِاسْتِهْتَارِ غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَوَضْعِ حَدٍّ لِمُحَاسَبَةِ هَؤُلَاءِ الْعَابِثِينَ حِفَاظاً عَلَى السِّلْمِ الْأَهْلِيِّ، وَدَرْءاً لِفِتْنَةٍ تُطِلُّ بِقَرْنِهَا. كَمَا نَدْعُو الْمَرْجَعِيَّاتِ الشِّيعِيَّةَ لِبَيَانِ مَوْقِفِهَا الْوَاضِحِ مِنْ هَذِهِ التَّجَاوُزَاتِ الرَّعْنَاءِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهَا؛ فَالسُّكُوتُ عَنْ هَذِهِ الْإِسَاءَاتِ هُوَ تَفْرِيطٌ فِي وَحْدَةِ الصَّفِّ وَفَتْحٌ لِأَبْوَابِ الْفُرْقَةِ. إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْمُسْتَنْكَرَ يُعَدُّ مِنْ أَعْلَى دَرَجَاتِ الِاسْتِفْزَازِ لِمَشَاعِرِ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً؛ فَالتَّارِيخُ يَشْهَدُ أَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ ثُمَّ فُتُوحَاتُ الْفَارُوقِ عُمَرَ، لَبَقِيَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي دَيَاجِي الْمَجُوسِيَّةِ يَعْبُدُونَ النَّارَ، فَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ؟!
وَفِي هَذَا الْمَقَامِ، نُوَجِّهُ النِّدَاءَ لِأَهْلِنَا وَمُؤَسَّسَاتِنَا، وَمَشَايِخِ الْعِلْمِ وَشُيُوخِ الْعَشَائِرِ؛ لِتَكُونَ لَهُمْ فِي احْتِفَالِيَّاتِ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ وَقْفَةُ اسْتِنْكَارٍ حَازِمَةٍ لِهَذِهِ الْأَصْوَاتِ النَّاشِزَةِ، وَتَصْرِيحُ انْتِمَاءٍ لِهُوِيَّتِنَا وَدِينِنَا، وَإِعْلَانُ حُبِّنَا لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ. نَحْنُ -أُمَّةَ الْإِسْلَامِ وَأَغْلَبِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ- نُعْلِنُهَا صَيْحَةً مُدَوِّيَةً: إِنَّ حُبَّ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ دِينٌ وَإِيمَانٌ، وَإِنَّ مُحَاوَلَةَ النَّيْلِ مِنْهُمْ جَرِيمَةٌ نَكْرَاءُ وَفِعْلٌ قَبِيحٌ.. فَأَسْكِتُوا صِغَارَكُمْ، وَأَخْرِسُوا أَفْوَاهَهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَهْدِمَ السَّفَهُ مَا بَنَاهُ الْعُقَلَاءُ!
