رجوع إلى البحوث الأدب والمقامات والشعر

مَقَامَةُ المُصْحَفِ المَسْرُوقِ فِي عِرَاقِ الشِّقَاق

الأدب والمقامات والشعردقيقتان للقراءة٢٧٨ كلمة

يُحكى في غابر الأزمان، وسالف العصر والأوان، أنَّ واعظاً بليغ البيان، ارتقى المنبر فوعظ فأشجى، وبكى وأبكى، حتى ذابت من خشيته القلوب، وسالت بالدمع الجيوب. فلما انقضى المجلس العميم، وتفرق الجمع الكثيم، تفقد الرجل مصحفه النفيس، الذي لا يفارقه كالجليس، فلم يجد له أثراً، ولا رأى له خبراً! فصاح فيهم بلوعة الملهوف، وعجب الموصوف: "يا قوم، إن كان الكلُّ من خشية الله يبكي، فمن الذي سرق المصحف وتركني أشكي؟!"

وتلك لعمري ملهاةٌ تتجدد، وفي واقعنا المرير تتجسد. تنظر في أحوالنا العجيبة، ومناصبنا الغريبة، فتبصر العجب العجاب، في تلون الأصحاب. فإذا تعيَّن مديرٌ عام، أو وكيلٌ أو مستشارٌ هُمام، تقاطرت عليه التبريكات، وتزاحمت في بابه التحيات، وقيل فيه التعظيم والتبجيل، ووُصف بحكمة زيدٍ ودهاء عمرو! فإذا دارت عليه الدوائر، واستُبدل به زائر، هتف الهاتفون، وقال المتملقون: "ذهب الفاضل، وجاء من هو أصلح وأفضل!"، وفي ذات الوقت والآن، تجد الجميع في كل مكان، يلعنون الفساد وأهله، ويمقتون خرابه وجهله، يدَّعون النزاهة بأعلى صوت، ويشتمون اللصوص بلا فوت! وهنا أقف وقفة الحيران، وأتساءل بلسان ذلك الواعظ الولهان: يا قوم، إن كان الجميع للفساد لاعناً، وفي طابور النزاهة كائناً، وإن كان كل مسؤولٍ يأتي هو الأفضل، وكل من يرحل هو التقي الأكمل... فبالله عليكم، إن كان الكلُّ من خشية الوطن يبكي، والكلُّ بطهارة يده يحكي، فمَن الذي سرق البلاد؟! ومن الذي أورثنا هذا الرماد؟!

يا أَيُّها القَومُ سُؤالٌ يَطرُقُ أَذهَانَنا وَبِالتَّعَجُّبِ يَنطِقُ الكُلُّ يَبكِي مُصحَفًا كَالوَاعِظِ وَيَدَّعِي حِفظًا كَخَيرِ حَافِظِ وَالكُلُّ يَشكو مِن فَسادٍ حَلَّا وَيَدَّعِي أَنَّ الصَّلاحَ طَلَّا إِن جَاءَ مَسؤُولٌ بَدَأنا نَهتِفُ

"جَاءَ الأَعَزُّ الأَكرَمُ المُشَرَّفُ!"

وَإِن مَضَى قُلنَا مَضَى مَن يَعدِلُ وَجَاءَنَا مَن هُوَ مِنهُ أَفضَلُ! فَإِن يَكُن كُلُّ امْرِئٍ نَزيهَا مُبَرَّأً لا يَعرِفُ التَّمويهَا

وَالكُلُّ يَبكِي كَالذِي قَد ذَاقَا...

فَمَن تُرَى قَد سَرَقَ العِرَاقَا؟! ا. د. محمد السامرائي

شارك المقالة

Scroll to Top