رجوع إلى البحوث الأدب والمقامات والشعر

صَحَائِفُ الدَّهْرِ وَنَوَائِبُ العَصْر

الأدب والمقامات والشعردقيقتان للقراءة٣٤٧ كلمة

هَتَفَ بِي نَذِيرُ الزَّمَان، وأفصحَ عن سرِّه المكتومِ الكِتْمَان: أَرَاعَكَ تقلّبُ الأحوالِ بالخِلّان، وحسبتَ أن مسرحَ الأقدارِ بلا أَمَان؟ فاعلمْ يا رفيقَ الوِجْدَان، أنَّ الأيامَ جندٌ من جندِ الدَّيَّان، يداولها بين بني الإنسان، ليُريَ الخلقَ بحجةٍ وبُرْهَان، أنَّ البقاءَ للواحدِ المَنَّان، وأنّ كلّ ما سواه إلى زَوَالٍ ونُقْصَان، مصداقاً لقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾.

تِيجَانُ الوَهْمِ وَغَرَقُ الطُّغْيَان

سَلِ التّاريخَ عن "فرعونَ" ذي الأوتاد، كيفَ طغى في البِلَاد، وتجبَّرَ في العِنَاد، قائلًا بغرورٍ واعتداد: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾؟! فما كان من ربّ العِباد، إلا أن أجرى الماءَ من فوقِهِ فأَرْدَاه، وفي قعرِ اليَمِّ أَكْفَاه، وجبريلُ يحشو الطينَ في فِيه، جزاءً لِما كان يَدَّعِيه! فَتَهَاوَى جبروتُهُ المزعوم، أمامَ رضيعٍ باكٍ مَكْلُوم، شبَّ في قصرهِ المَحْرُوم! وَطَوِّفْ بِطَرْفِكَ نحو "النَّمْرُود"، العاتي الجَحُود، القائلِ بِصَلَفٍ مَمْدُود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾! فسلَّطَ اللهُ عليهِ أضعفَ الجُنُود، بعوضةً أرَّقَتْ منه المَهُود، وَنَقَضَتْ منه العُهُود، فما هدأ رأسُهُ المَأْفُون، حتى قَرَعَهُ بالنِّعَالِ مَنْ كانوا له يَسْجُدُون! فسبحان من أذلَّ الجبابرةَ بِالهَوَان، وطوى ذِكْرَهُم في طَيِّ النِّسْيَان.

سَنَابِلُ اليَقِينِ فِي حَصَادِ التَّمْكِين

وفي كفةِ النورِ والمُبَشِّرَات، انظرْ إلى سيدِ الكَائِنَات ﷺ، خرجَ من مكةَ تحت جُنْحِ الدَّيَاجِي، والقلبُ لربِّهِ شَاكٍ ومُنَاجِي، بعدما تآمر القومُ على سفكِ دمهِ الزَّكِيّ، فَتَفَرَّقَ بين القبائلِ بغدرِهِم الخَفِيّ. فدارت الأفلاكُ دَوْرَتَهَا، وأنجزت العنايةُ عُدَّتَهَا، ليعودَ المختارُ فاتحاً في رابعةِ النَّهَار، تظلله عنايةُ العزيزِ الغَفَّار. وأمّا "بلالُ" ذو الصوتِ الشَّجِيّ، فقد طرحه أميةُ على الرمضاءِ في اليوم القائظِ الغَلِيّ، فصبرَ واحتسب، ولعروةِ التوحيدِ انْتَسَب. فلما أدار اللهُ رحى الأيام، والتقى الجمعانِ في بدرٍ بالسُّيُوفِ السِّهَام، كان بلالٌ يُغمد سيفَهُ في صدرِ ظَالِمِه، لتعلمَ أن ميزانَ العدلِ لا يخفى على عَالِمِه!

سِهَامُ القَدَرِ وَحِكْمَةُ البَصَر

فيا أيها الرَّفِيق، في هذا الطَّرِيق، هذه الأيامُ دُوَل، بين صحةٍ وعِلَل، وغِنَىً وفَاقَة، وحزنٍ وإِشْرَاقَة. يُجريها مُجري السَّحَاب، ليختبرَ أُولي الأَلْبَاب، فلا يطغى قويٌ بِاقْتِدَارِه، ولا يقنط ضعيفٌ بِانْكِسَارِه.

وإنما هو اللهُ يرمي بِسِهَامِ الأقدار، فكن بجوارِ الرَّامِي تَنْجُ من الأخْطَار، وتأمن من البَوَار! فمَن أوى إلى اللهِ آوَاه، ومَن لاذَ بِحِمَاهُ وَقَاه.

مسك الختام (على بحر الوافر(

سَلِ الأَيَّامَ كَيْفَ تَدُورُ فِينَاوَكَيْفَ يَصِيرُ عَرْشُ الظُّلْمِ قَاعَا
فَكُنْ بِاللهِ مُعْتَصِماً لِتَنْجُو إِذَامَا السَّهْمُ فِي الأَقْدَارِ شَاعَا

شارك المقالة

Scroll to Top