الحَمدُ للهِ مُغَيِّرِ الأحْوال، ومُبِيدِ الآجال، ومُدَاوِلِ الأيامِ بَيْنَ الرِّجال، الذي لا يَدُومُ لِغَيْرِهِ بَقاء، ولا يَنْفَعُ دُونَ لُطْفِهِ ارتِقاء.
أَمَّا بَعدُ.. فيا أَيُّهَا المَغْرُورُ بِالمَناصِب، والمُتَكِئُ على الأَرَائِكِ والمَرَاكِب، المُتَنَاسِي لِما يَخْبَأُهُ الدَّهرُ مِنَ النَّوائِب؛ أَلَمْ يَرُعْكَ نَبَأُ مَنْ كَانَ بِالأَمْسِ آمِرًا نَاهِيا، وعَنِ العَواقِبِ لاهِيا؟ ذَلِكَ "الرَّئِيسُ" الذي ظَنَّ أَنَّ حِصْنَهُ مَنِيع، وأَنَّ أَمْرَهُ فِي الوَرَى مُطاعٌ سَرِيع، فَإِذا بِهِ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وضُحَاها، قَدْ سِيقَ إِلى المَذَلَّةِ بَعْدَ عِزِّهِ، وسُلِبَ مِنْهُ ما كانَ سَبَبَ فَخْرِهِ ورِكْزِه.
لَقَدْ رَأَيْناهُ وقَدْ اعْتَقَلَتْهُ "أَمْرِيكا" بَعْدَ طُولِ الجَبَرُوت، فَأَصْبَحَ أَسِيرًا لا يَمْلِكُ مِنَ الأَمْرِ شَيْئًا كَأَنَّهُ العَنْكَبُوت، ذَلِيلًا يَرْثِي لِحَالِهِ الشَّامِتُ والصَّدِيق، وقَدْ ضَاقَ بِهِ الفَضَاءُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَهُ الطَّرِيقُ. تِلْكَ صُورَةٌ تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ الحَيَّة، وتَعْتَبِرُ بِهَا النُّفُوسُ الأَبِيَّة، فَسُبْحَانَ مَنْ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاء، ويَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ طَغَى وأَسَاء.
ولَسْنَا فِي هَذا بِبِدْعٍ مِنَ الزَّمَان، فَقَدْ دَارَتْ قَبْلَ ذَلِكَ الدَّوائِرُ عَلَى بَنِي بَرْمَكٍ أَهْلِ السُّلْطَان، حِينَ انْقَلَبَ عَلَيْهِمُ الرَّشِيد، وأَلْبَسَهُم ثَوْبَ الذُّلِّ والتَّنْكِيد، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِم، والأَمْوَالُ تُجْبَى إِلَيْهِم.
يُحْكَى أَنَّ يَحْيَى بنَ خَالِدٍ البَرْمَكِيَّ قَالَ لَهُ وَلَدُهُ وهُمَا فِي القُيُودِ والأَغْلال، وقَدْ تَغَيَّرَ عَلَيْهِمُ الحَال: "يَا أَبَتِ، بَعْدَ الأَمْرِ والنَّهْيِ والأَمْوَالِ، صِرْنَا إِلى هَذِهِ القُيُودِ وهَذَا النَّكَال؟". فَأَجَابَهُ الشَّيْخُ بَكَلِمَاتٍ تَكْتُبُ بِمَاءِ الذَّهَب، وتَكْشِفُ عَنْ سِرِّ هَذَا العَجَب، فَقَال: "يَا بُنَيَّ، دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ غَفَلْنَا عَنْهَا، ولَمْ يَغْفَلِ اللهُ عَنْهَا".
فَاللهَ اللهَ يَا أَصْحَابَ القُصُور، لا تَغْتَرُّوا بِالدُّورِ ولا بِالسُّور، فَإِنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْه، وإِنَّ دَعَوَاتِ المَظْلُومِينَ سِهَامٌ لا تُخْطِئ، وإِنْ تَأَخَّرَ الوَقْتُ وأَبْطَأ. فَمَتَى يَتَّعِظُ أَرْبَابُ المَنَاصِب، ويَعْلَمُونَ أَنَّ الدَّهْرَ قَلاَّبُ المَصَائِب؟
وقَدْ جَاشَتِ القَرِيحَةُ فِي هَذَا المَعْنَى عَلَى البَحْرِ الوَافِرِ فَقُلْتُ:
فَأَيْنَ جُيُوشُهُ؟ وَأُلُوفُ حِرْصٍ؟.. تَهَاوَتْ حِينَ حَانَ لَهَا الأُفُولُ
فَقَالَ لِابْنِهِ: دَعَوَاتُ حُرٍّ ..سَرَتْ بِاللَّيْلِ يَرْفَعُهَا الْعَلِيلُ
