ا. د.
في دروب الحياة المزدحمة، وحيث تتقاطع مصالح البشر وتتفاوت طباعهم، لا بد للمرء أن يتعرض لما يكدر صفوه من زلات الألسن، وجفوة الطباع، وطيش الجهلاء. وهنا تتجلى عظمة العقل البشري حين يستظل بفيء الأخلاق الإسلامية الرفيعة، ليبرز "فن التغافل" كواحدٍ من أسمى مراتب النبل، وأرقى منازل الحكمة.
فالتغافل ليس ضعفاً ولا غفلة، بل هو غاية الفطنة، وذروة القوة؛ إذ به تُحفظ المودات، وتُصان الكرامات، وتترفع النفوس عن سفاسف الأمور. ولقد صدق الحكماء حين قالوا: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل".
فالمتغافل إنسانٌ يرى الخطأ ويبصره، لكنه يختار بكامل وعيه وإرادته أن يغض الطرف عنه، إبقاءً على حبل الود، أو صيانةً لنفسه من الانزلاق في وحل المهاترات. ومن أروع المناسبات حكمة الأحنف: في المجاهدة لا التبلد حين تتجلى أروع صور هذا الفن الأصيل في موقفٍ من مواقف سيد تميم ومضرب المثل في الحلم، الأحنف بن قيس، حين كشف عن مكنون نفسه وصدق بشريته في عبارةٍ تُكتب بماء الذهب. قيل للأحنف: إنك لحليم. فقال: لست بحليم ولكني أتحالم، والله إني لأسمع الكلمة فأحمّ لها ثلاثة أيام، ما يمنعني من ردها إلا مخافة سماعي شراً منها. مقولة فخمة في تراكيبها، عميقة في دلالاتها، تضع أيدينا على المنهج العملي لاكتساب الأخلاق ومجاهدة النفس، ويمكننا أن نستلهم منها درراً مضيئة:
إنما الحلم بالتحلم ("ولكني أتحالم"): لم يدّعِ الأحنف أن الحلم سجيّةٌ وُلد بها ولا تكلّف له فيها، بل أقرّ بمبدأ "المجاهدة". فالأخلاق الكريمة تُكتسب بالدربة والمِران، وقمع هوى النفس. وهذا يتوافق تماماً مع الهدي النبوي القائل: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم". فالإنسان العظيم هو الذي يروض نفسه على المكارم حتى تصبح له طبعاً.
بشرية المشاعر ("فأحمّ لها ثلاثة أيام"): من أعظم ما في هذه المقولة صدقها ومقاربتها للواقع؛ فالحليم ليس حجراً أصم لا يشعر، ولا إنساناً متبلد الإحساس لا يتألم للمسبّة. بل هو إنسان يغضب، ويتألم، وتشتعل في صدره نيران الغيظ حتى كأنها الحُمّى التي تلازمه أياماً. إن الاعتراف بهذا الألم الداخلي يُعظم من أجر كظم الغيظ، ويؤكد أن الفضيلة تكمن في "السيطرة" على الانفعال، وليس في انعدامه.
حفظ الكرامة وصيانة القدر ("مخافة سماعي شراً منها"): هنا تتجلى الفطنة والذكاء الاجتماعي. فالأحنف يدرك أن الرد على الجاهل بمثله يفتح باباً من أبواب الشر لا يُغلق. فالجاهل لا سقف لسفاهته، وإذا انحدر العاقل لمستوى السفيه، تساويا في الرذيلة، وتفوق السفيه بوقاحته. لذا، كان الصمت والتغافل درعاً واقياً يحمي به العاقل سمعه وكرامته من أن تُدنّس بمزيد من قبيح القول. وقد قيل قديماً: "السكوت عن الجاهل جواب".
نعم التغافل..
هندسة العلاقات وراحة القلوب
فالمتأمل في فن التغافل يدرك أنه دواءٌ ناجعٌ لأدواء العصر من قلقٍ وتوترٍ وقطيعة. فمن تتبع كل زلة، ودقق في كل هفوة، وحاسب على كل كلمة، تعب وأتعب من حوله، وبات وحيداً لا يطيقه أحد. أما من اتخذ من التغافل منهجاً، فقد أراح قلبه، وأبقى على إخوانه، واستعلى عن معارك الأغبياء التي لا منتصر فيها. خلاصة القول: مقولة الأحنف بن قيس ليست مجرد قصةٍ تُروى في مجالس الأدب، بل هي مدرسةٌ تربويةٌ متكاملة. تدعونا إلى أن نتغافل لنرتقي، وأن نكظم غيظنا لننتصر على أنفسنا قبل أن ننتصر على خصومنا. فما أجمل أن يتحلى المرء بوقار الصمت، وجلال التغافل، تاركاً للسفهاء ساحات الضجيج، ومحلقاً بروحه في آفاق النبل والفضيلة.
