رجوع إلى البحوث التربية والسلوك والإصلاح

في ذمِّ التزلفِ واغتيالِ الكرامة

التربية والسلوك والإصلاح٣ دقائق للقراءة٤٣٠ كلمة

يُحكى أنَّ والياً من الولاة، كان قليلَ الحيلةِ واسعَ الجباه، أحبَّ المدحَ وعشِقَ الجاه، فقرّبَ منهُ كلَّ أفّاكٍ أثيم، وأبعدَ عنهُ كلَّ ناصحٍ حكيم. فدخلَ عليهِ يومًا دعيٌّ محتال، رامَ بصعودِ المنابرِ جمعَ الأموال، من غيرِ جهدٍ ولا نضال.

فوقفَ الدعيُّ أمامَ الوالي وقفةَ الخاشع، وتذلّلَ تذلّلَ الجائع، ثم قال: "يا مولاي، أنتَ شمسُ النهارِ وبدرُ التمام، وأنتَ العدلُ إذا جارَ الحُكّام، لولاكَ ما نزلَ الغيثُ من الغمام، ولا سارَ الليثُ في الآجام!". فانتفخَ الوالي كالطاووس، وظنَّ أنَّهُ حازَ النفوس، ولم يدرِ أنَّ هذا المادحَ لصٌّ منحوس، يبيعُ الكلامَ ليقبضَ الفلوس، فإذا ولّى الوالي وانكسر، كانَ هذا المتملقُ أوّلَ من غدر، وأسرعَ من كفر! بيعُ الوجوهِ: ألا ساءَ ما يصنعون، وبئسَ ما يبتدعون! إنَّ التملقَ داءٌ عضال، يُصيبُ الرجالَ فيصيرهم أشباهَ رجال. ترى الواحدَ منهم صقيلَ الثياب، نتنَ الإهاب، يقفُ ببابِ السلطانِ وقوفَ الذباب، يمدحُ الظلمَ ويُزيّنُ الخراب، يرى القبيحَ حسناً والباطلَ حقاً، قد خلعَ ثوبَ الحياءِ ومزّقهُ شقاً.

ومن أقبَحِ ما تراهُ العيون، في فضاءِ الشبكاتِ والظنون، عبدٌ قد رهنَ أصابعهُ للأزرار، وسخّر وقتهُ لخدمةِ الأشرار. تجدهُ في المنصاتِ لكلِّ ناعقٍ صدى، وعلى كلِّ ناصحٍ مُعتدٍ وعِدا. قد بذلَ جهدهُ ليمدحَ سيّدهُ ويُعلي شأنَه، وسلَّ سيفَ البهتانِ ليقدحَ مخالفيهِ ويحطَّ مكانَه.

يبيعُ دينهُ بدنيا غيرِه بلا ثمن، ويشتري الخزيَ بأبخسِ الأثمانِ والمنن. يُريقُ ماءَ وجههِ -إنْ بقيَ فيهِ ماء- ويُمرّغُ أنفهُ في الأوحالِ والدهماء، كلُّ ذلكَ لأجلِ لُعاعةٍ من الدنيا زائلة، ومصالحَ دنيئةٍ مائلة، فبئسَ المتجرُ وبئسَ البضاعة، يا فاقدَ المروءةِ ومضيّعَ الطاعة!

فيا أيها المتزلفُ الحقير، يا عابدَ الوزيرِ والأمير، اعلم أنَّ الكراسيَّ لو دامت لغيرِهم ما وصلت إليهم، وأنَّ التاريخَ لا يرحمُ من هان، ولا يذكرُ بخيرٍ من خان.

"ولقد جنيتَ على الرعيةِ أيما جناية، وكنتَ سبباً في كلِ غوايةٍ ونكاية.

فبسببِ تملقكَ وتلفيقك، وتزيينكَ وتنميقك، حُجبتْ عن الحاكمِ المظالم، وباتَ لا يرى إلا ما يسرُّ الناظرَ والحالم.

يُخيَّلُ إليهِ -من كذبِكَ- أنَّ الناسَ في نعمةٍ يتقلبون، وهم في جحيمِ الفاقةِ يتعذبون. لقد نصبتَ نفسكَ بينَ الراعي ورعيتهِ سداً، وقطعتَ حبلَ الوصلِ هداً، فلا أنينُ الجياعِ يسمعه، ولا دمعُ المظلومِ يردعه، لأنكَ صوّرتَ لهُ القفرَ بستاناً، والجورَ عدلاً وإحساناً.

فكم من حقٍ بسبَبكَ ضاع! وكم من شريفٍ بوشايتكَ جاع! لقد زيّفتَ الواقعَ حتى استشرى الفساد، وعمَّ البلاءُ في البلاد، فحملتَ وزرَ الطغيان، وشاركتَ في حرمانِ الإنسان، فيا ويحكَ من دعوةِ مظلومٍ تسري في الظلام، ليسَ بينها وبينَ اللهِ حجابٌ ولا لِثام".

على بحر الوافر

أَلاتَبّاً لِمَنْ مَدَحَ اللِّئاماوَبَاعَ الدِّينَ كَيْ يَرْضَى الغُلاما
يَرَى فِي الظُّلْمِ عَدْلاً مُسْتَقِيماوَيَمْدَحُ فِي الخَنَا فِعْلاً حَرَاما
يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرْبِ ذُلاًلِيَجْمَعَ مِنْ فُتَاتِهِمُ الحُطاما
إِذَانَطَقَ الأَمِيرُ بِقَوْلِ زُورٍرَأَيْتَ لَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ هَاما
وَلَوْسَقَطَ الأَمِيرُ بِقَعْرِ بِئْرٍلَعَادَ عَلَيْهِ شَتْماً وَاتِّهَاما
فَعِشْ حُرّاً وَلَاتَخْضَعْ لِعَبْدٍوَمُتْ عِزّاً وَلَاتَرْضَ السَّلاما

شارك المقالة

Scroll to Top