رجوع إلى الفتاوى الأذكار والأدعية والصلاة على النبي

حكمة التأخير والابتلاء والجواب عن إشكالات الدعاء

فتوى٨٢٢٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الجواب التربوي والعقدي المنقول عن حكمة تأخير الفرج واستمرار الابتلاء؟

خلاصة الجواب

وهذا وعد من لا يُخلف الميعاد، وبشارة من الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه." "واعلم، يا بني، أن في التأخير حِكمًا جليلة، وفي الانتظار فوائد عظيمة، وفي الصبر على البلاء خيرات كثيرة. فالتأخير يُربي في النفوس الصبر الجميل، ويُنمي فيها اليقين الراسخ، ويُقوي فيها التوكل على الله الحق.

الجواب المفصَّل

حكمة التأخير وسُنّة الابتلاء

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

في مجلسٍ من مجالس العلم والذكر، حيث تتلاقى الأرواح الظمأى والقلوب الحيرى، وحيث ينبعث عطر المعرفة من كلمات الحكماء كما ينبعث الطيب من رياض الجنان، انبعث صوتٌ شابٌّ نديٌّ، يحمل في طياته حرقة سؤالٍ عميق، ومرارة استفهامٍ مقيم، وحيرة نفسٍ تتلمس طريق الحقيقة في دروب الزمان المتعرجة.

قال الفتى، وقد علت وجهه سحابة من الحيرة، وبدت في عينيه نظرة من يبحث عن جواب شافٍ لسؤال كافٍ: "لماذا يا سيدي، يبدو الحقُّ دائمًا متأخرًا عن موعده، متباطئًا في مسيره، متثاقلاً في خطاه؟

لماذا لا يشرقُ الخيرُ في لحظته الأولى كما تشرق الشمس في فجرها الوليد، ويزهقُ الباطلُ في لمح البصر كما يزهق الظلام عند طلوع النور؟

لماذا هذا التأخير المؤلم، وهذا الانتظار المضني، وهذا الصبر الطويل على ما نراه من انتشار الفساد وتفشي الظلم وتأخر النصر؟"

فأجبتُه، وقلبي يلهجُ بحكمة الخالق العليم، ولساني ينطق بما ألهمني إياه رب العالمين، وروحي تستشعر عظمة التدبير الإلهي في تقدير الأمور وترتيب الأحوال: "يا بني الحبيب، يا طالب الحقيقة، يا باحث عن سر الوجود، اعلم أن هذا الكون العظيم، بسمائه وأرضه، بليله ونهاره، بحركته وسكونه، لم يُخلق ليجري على عجلتنا المحدودة، ولا ليسير وفق رغباتنا العاجلة، ولا ليتماشى مع استعجالنا البشري المفهوم، بل خُلق ليجري على مقتضى حكمة الله البالغة، وتربيته العظيمة لعباده، وتدبيره المحكم لشؤون خلقه."

"ألم تتساءل يومًا، يا فتى، وأنت تقرأ سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: لماذا لم يُبعث حبيبُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم في قومٍ يؤمنون به من أول وهلة، ويصدقونه من أول كلمة، ويتبعونه من أول دعوة؟

لماذا كان لا بد له أن يُطرد من أحب البلاد إلى قلبه، ويُحاصر في شعاب مكة المكرمة، ويُجاع حتى يربط على بطنه الحجر، ويُقاتل في أحد والخندق وحنين، ويفقد أحبابه الكرام واحدًا تلو الآخر، ويتغرب عن أرضه التي نشأ فيها وترعرع في رباها؟"

"بل هذه، يا بني، سنة المصلحين الخالدة، ومسلك العاملين الدائم، ومسير القادة والمجددين عبر التاريخ الطويل.

فما من نبي إلا وابتُلي، وما من رسول إلا وامتُحن، وما من مصلح إلا وعانى، وما من داعية إلا وصبر على الأذى في سبيل دعوته."

نعم حكمة الابتلاء وسر التمحيص:

ثم أردفتُ، موضحًا سرَّ الابتلاء العظيم، ومبينًا حكمة التأخير الحكيم: "لأن اللهَ جلَّ في علاه، الحكيم الخبير، العليم بذات الصدور، أراد أن يعلّمنا درسًا خالدًا لا ينسى، وحكمة باقية لا تفنى، ومعنى عميقًا يتجدد مع الأجيال: أن الحقَّ لا ينتصرُ بقوته الظاهرة وحدها، ولا بجلال منطقه فحسب، ولا ببريق دليله وحده، بل ينتصرُ بثباتِ أهله الراسخ، وصبرِهم الجميل، وعدمِ انهزامهم أمام طول الطريق ووعورة المسالك، ووعيهم العميق لحقيقة حالهم، والثبات الأكيد على قضاياهم العادلة."

"فالأممُ العظيمة، يا بني، لا تُبنى في وقت قصير كما تُبنى البيوت، ولا تُشاد في أيام معدودة كما تُشاد القصور، بل تحتاج إلى عقود من الجهد المتواصل، وسنوات من العمل الدؤوب، وأجيال من التضحية والفداء.

والقلوبُ الصدئة لا تُطهّرُ في لحظات قليلة كما يُطهر الثوب من الوسخ، بل تحتاج إلى مراحل من التزكية، ودرجات من التطهير، ومنازل من الترقي في سلم الكمال الإنساني."

"والباطلُ المتجذر، يا فتى، لا يسقطُ لمجردِ ضيقِنا به، ولا لمجرد كراهيتنا له، ولا لمجرد دعائنا عليه، بل يسقطُ حين تنهارُ أسبابُه من الجذور، وحين تتقوض أركانه من الأساس، وحين يكونُ الناسُ مهيئين نفسيًا وروحيًا وفكريًا لحملِ أمانةِ الحقِّ الثقيلة بعد طولِ ابتلاءٍ ومرير امتحان، وفيهم نخبة مؤمنة واعية تنهض بالحق وأسبابه، وتعرف ما تطلب من ربها، وتدرك ما يجب عليها أن تبذل في سبيل دعوتها."

آداب الانتظار وأخلاق الصابرين:

"فلا تجعلْ يا بني الحبيب، يا طالب الهداية، بُعد المسافة يُضجرك ويُقلق بالك، ولا تطاول المسير يُضعفك ويُوهن عزيمتك، ولا بُعد الغاية يُقنطك من رحمة ربك، ولا طولَ الطريقِ المتعرج يُوهمُكَ أن النهايةَ المشرقة ليست قريبةً بإذن الله، ولا تجعلْ تأخّرَ الفرجِ المنتظر يُنسيكَ وعدَ اللهِ الصادق الذي لا يتخلّف أبدًا، ولا يتبدل مع الأيام، ولا يتغير مع الأحوال."

⭐"فإن الله سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين الصادقين، والعاملين المخلصين، والصابرين المحتسبين، بالعاقبة الحسنة والنصر المبين، فقال في كتابه الكريم، وقوله الحق المبين: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وهذا وعد من لا يُخلف الميعاد، وبشارة من الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه."

"واعلم، يا بني، أن في التأخير حِكمًا جليلة، وفي الانتظار فوائد عظيمة، وفي الصبر على البلاء خيرات كثيرة.

فالتأخير يُربي في النفوس الصبر الجميل، ويُنمي فيها اليقين الراسخ، ويُقوي فيها التوكل على الله الحق. والانتظار يُطهر القلوب من الشوائب، ويُصفيها من الأكدار، ويُهذبها من النقائص.

والصبر على البلاء يُكفر السيئات، ويرفع الدرجات، ويُضاعف الحسنات."

سنن الله في الكون وحكمة التدرج:

"وتأمل، يا فتى، في سنن الله الكونية الثابتة، وحكمته البالغة في خلقه وتدبيره.

ألا ترى أن الليل لا يأتي دفعة واحدة، بل يتدرج في مجيئه حتى يكتمل ظلامه؟ وأن النهار لا يشرق فجأة، بل يبدأ بخيط رفيع من النور ثم يتسع شيئًا فشيئًا حتى تكتمل إضاءته؟

وأن الفصول لا تتبدل بغتة، بل تتدرج في تغيرها حتى تكتمل معالمها؟"

⏰"وكذلك الأمر في عالم الأرواح والقلوب، يا بني. فالإيمان لا يدخل القلوب دفعة واحدة، بل يتسرب إليها قطرة قطرة، ونورًا بعد نور، ويقينًا بعد يقين. والهداية لا تحصل في لحظة واحدة، بل تحتاج إلى مراحل من التدبر والتفكر والتأمل. والتغيير الحقيقي لا يتم في يوم وليلة، بل يحتاج إلى سنوات من الجهد المتواصل والعمل الدؤوب."

"وهذا من رحمة الله بعباده، يا بني، ومن حكمته في تدبير أمورهم.

فلو جاء التغيير فجأة، لما استطاعت النفوس أن تتحمله، ولما قدرت القلوب على استيعابه، ولما تمكنت العقول من فهمه واستيعاب أبعاده.

ولكن التدرج يُهيئ النفوس للتغيير، ويُعدها للتحول، ويُمكنها من التكيف مع الأحوال الجديدة."

عبر التاريخ ودروس الأمم:

"وانظر، يا بني، في تاريخ الأمم والشعوب، وتأمل في قصص الأنبياء والمرسلين، وادرس سير المصلحين والمجددين، تجد أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء أجلاً، ولكل أمر وقتًا، ولكل حدث موعدًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر."

"فنوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وصبر على أذاهم وعنادهم وإعراضهم، حتى جاء أمر الله بالطوفان.

وإبراهيم عليه السلام ابتُلي بالنار والهجرة والذبح، وصبر على كل ذلك حتى جعله الله إمامًا للناس.

وموسى عليه السلام عانى من فرعون وقومه سنوات طويلة، حتى أغرق الله فرعون وجنوده في اليم."

"وعيسى عليه السلام كُذب وأُوذي واتُهم، حتى رفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا.

ومحمد صلى الله عليه وسلم صبر على أذى قريش ثلاث عشرة سنة في مكة، ثم هاجر إلى المدينة وجاهد عشر سنوات أخرى، حتى فتح الله عليه مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا."

"فكل هؤلاء الأنبياء الكرام، يا بني، ابتُلوا وامتُحنوا، وصبروا واحتسبوا، حتى جاء نصر الله والفتح المبين.

وهذا درس عظيم لكل من يريد أن يسير على طريق الحق، ويدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر."

ثمار الصبر وبركات الانتظار

"واعلم، يا بني الحبيب، أن للصبر ثمارًا يانعة، وللانتظار بركات عظيمة، وللثبات على الحق فوائد جليلة.

فالصبر يُقوي الإيمان، ويُرسخ اليقين، ويُنمي التوكل على الله.

والانتظار يُطهر النفس من الشوائب، ويُصفيها من الأكدار، ويُهذبها من النقائص.

والثبات على الحق يُكسب المؤمن عزة النفس، وقوة الشخصية، وثبات الجنان."

"وفي الصبر تكفير للسيئات، ورفع للدرجات، ومضاعفة للحسنات. وفي الانتظار تربية للروح، وتهذيب للنفس، وتقوية للعزيمة. وفي الثبات على الحق شهادة على صدق الإيمان، ودليل على قوة اليقين، وبرهان على حسن التوكل على الله."

⏳"فلا تستعجل، يا بني، ولا تتضجر، ولا تيأس من روح الله.

فإن الله مع الصابرين، وناصر المؤمنين، ومؤيد العاملين.

وإن وعد الله حق، ونصره آت لا محالة، وفرجه قريب بإذنه سبحانه وتعالى."

"وأخيرًا، يا بني الحبيب، اعلم أن الحكمة الإلهية فوق إدراكنا المحدود، وأن تدبير الله أعظم من فهمنا القاصر، وأن رحمته أوسع من تصورنا الضيق.

فسلّم أمرك إلى الله، وارض بقضائه وقدره، واثق بحكمته وعدله، واصبر على ابتلائه وامتحانه."

"وتذكر دائمًا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن العاقبة للمتقين، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا. فاصبر صبرًا جميلاً، وانتظر انتظارًا حسنًا، واثبت ثباتًا راسخًا، والله معك أينما كنت."

"وصلى الله وسلم على نبينا محمد، الذي علمنا الصبر والثبات، وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين."

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الأذكار والأدعية والصلاة على النبي
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top