يا أيها المحبُّ المُشتاق، والتواقُ إلى مكارمِ الأخلاق، اعلم أنَّ صلتنا بنبينا ﷺ ليست صلةَ زمنٍ فاق، ولا عهدٍ ضاق، بل هي عروةٌ وثقى، وحبلٌ لا يُبلى، ونبعٌ يروي الأرواحَ والمُقَلا.
إنَّ علاقتنا بصاحبِ المقامِ المحمود، والحوضِ المورود، هي علاقةُ الفرعِ بالأصل، والولدِ بالأبِ في الوصل، فهو للأمةِ الأبُ الرحيم، وللسائرينَ الشيخُ العليم، والمربي الحكيم. فكما لا يستغني الولدُ عن توجيهِ أبيه في تقلُّبِ أحوالِه، ولا التلميذُ عن إرشادِ شيخهِ عندَ إهمالِه؛ فكذلك نحنُ أشدُّ فاقةً إلى أنواره، واقتفاءِ آثاره، نستضيءُ بمشكاةِ هديهِ عندَ اشتباهِ الدروب، ونطببُ بسنتهِ ما اعتلَّ من القلوب.
نلازمُ أقوالَه، ونحاكي أفعالَه، فهديهُ المنارة، واتباعهُ البشارة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وقولهِ ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم».
وبرهانُ ذلك الوداد، وصدقُ الانقياد، هو كثرةُ الذكرِ له في كلِّ ناد، وإدامةُ الثناءِ عليهِ والصلاةُ بغيرِ نفاد، فلا تحسبنَّ زمانَهُ انقضى، ولا عهدَهُ مضى، ولا أثرَهُ انتهى، بل هو فينا باقٍ ما بقيَ الليلُ والنهار، دائمٌ في أتباعهِ منهجاً وسنةً وشعار.
فدونكَ كتبَ الحديثِ الصِحاح، فهي السراجُ والمصباح، تفتحُها فتسمعُهُ -عليه الصلاة والسلام- يحدثُكَ حديثَ القريب، ويناجيكَ مناجاةَ الحبيب، يوجهكَ إنْ زللت، ويقومكَ إنْ مللت، فكأنهُ بين أظهرنا يعيش، ولأرواحنا يمدُّ بالريش، {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}، فهو فينا بسنتهِ، وشريعتهِ، وروحهِ، ورحمته.
وفيه قلت:
"اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد، النبيِّ الأبِ الرحيم، والمُعلِّمِ العظيم، الذي لم يغِبْ عنَّا نورُه، ولم ينقطعْ فينا مَدَدُه وحُبُورُه.
اللهم صلاةً تَصِلُ بها حِبالَنا بحِبالِه، وتجعلنا من أصدقِ مَنِ اقتفى أثرَ أفعالِه، حتى نكونَ بين يديه كالأبناءِ البَرَرَة، والتلاميذِ السَّفَرة، نستمعُ لحديثهِ كأننا نراه، ونعيشُ سُنَّتَهُ كأننا نَحياه.
اللهم ارزقنا كمالَ الأدبِ معه، وحُسنَ الاقتداءِ بِنَبْعِه، واجعل صلاتَنا عليهِ باباً لفهمِ مقاصدِه، ونوراً نسيرُ به في مسالكِه ومواردِه، وعلى آلهِ وصحبهِ وسلِّم تسليماً كثيراً."
