الحمدُ للهِ مُقدّرِ الأقدار، ومُكوّرِ الليلِ على النهار، الذي جعلَ من المحنةِ منحةً للأبرار، ورفعَ ذكرَ حبيبهِ المختار، في رحلةٍ حيّرتِ الألبابَ والأفكار.
أما بعد، فما كانتْ رحلةُ الإسراءِ والمعراجِ مجردَ انتقالٍ في الأبدان، أو طيٍّ للمكانِ والزمان، بل كانتْ مدرسةً للقلوبِ وتثبيتاً للإيمان، وفي طياتها من الدروسِ ما يعجزُ عن وصفهِ اللسان.
أولُ الدروسِ: جبرُ الخواطرِ بعدَ المخاطر
لقد جاءتْ هذهِ الرحلةُ بعدَ عامِ الحزنِ والأسى، حينَ فقدَ النبيُّ السندَ والنصيرا، وضاقَ بهِ الحالُ عسيرا، فجاءَ الفرجُ من العليِّ القديرِ كبيرا. ليعلمَ المؤمنُ أنَّ بعدَ العسرِ يسرا، وأنَّ اللهَ لا ينسى من صبرَ وشكرا، فكانتِ الرحلةُ مسحاً على قلبِ النبيِّ المكلوم، وتأكيداً بأنَّهُ عندَ ربهِ غيرُ محروم، بل هو سيدُ الساداتِ والمخدوم.
ثاني الدروسِ: رباطُ القدسِ ومكة
وفي الإسراءِ إلى بيتِ المقدسِ إشارةٌ وعلامة، لتوحيدِ قبلةِ الأنبياءِ والزعامة، فالمسجدُ الأقصى شقيقُ المسجدِ الحرامِ إلى يومِ القيامة. صلّى فيهِ الرسولُ بالأنبياءِ إماماً، ليكونَ دينُهُ للرسالاتِ ختاماً، وللأممِ سلاماً. درسٌ يخبرنا أنَّ التفريطَ في مسرى النبيِّ خُسران، وأنَّ حُبَّ الأقصى عقيدةٌ تجري في الشريان.
ثالثُ الدروسِ: معراجُ الصلاة
وفي المعراجِ سُموٌّ وارتقاء، حيثُ فُرضتِ الصلاةُ فوقَ سبعِ سماواتٍ بلا واسطةٍ ولا خفاء، لتكونَ صلةً بينَ العبدِ وربِّ الأرضِ والسماء. فهي معراجُ المؤمنِ كلما حَزبهُ أمرٌ أو داء، يفرُّ إليها طالباً الشفاء، ويجدُ في سجدةٍ منها كلَّ الاكتفاء. فمن أرادَ الرفعةَ والنجاة، فليلزمْ عتبةَ الصلاة.
رابعُ الدروسِ: قوةُ التصديقِ واليقين
وفي الصباحِ حينَ حدّثَ النبيُّ قومَهُ بما جرى، كذّبهُ من كفرَ وافترى، وصدّقهُ الصدّيقُ وما ماري. فكانَ درساً في اليقينِ الراسخِ المتين، وأنَّ العقلَ يقفُ عاجزاً أمامَ قدرةِ ربِّ العالمين، فليسَ كلُ ما لا يُدركُ بالعقلِ مُحال، بل قدرةُ اللهِ فوقَ كلِّ احتمال.
فسبحانَ من أسرى، وسبحانَ من أرى، وسبحانَ من جعلَ في هذهِ الذكرى، نوراً يهدي الحيارى، وذكراً يُتلى في الورى.
