رجوع إلى البحوث السيرة والشمائل النبوية

في رحاب المصطفى: حقوق الحبيب المجتبى

السيرة والشمائل النبوية٦ دقائق للقراءة١٬٠٤٣ كلمة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، والمرسل هادياً للناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن للحبيب المصطفى، والنبي المجتبى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حقوقاً على أمته، عظيمة القدر، جليلة الشأن، واجبة الأداء، لازمة الوفاء. حقوق كالنجوم في السماء، تضيء دروب الهداية، وتنير سبل الرشاد، وتدل على طريق السعادة في الدنيا والآخرة.

الحق الأول: الإيمان الصادق والتصديق الكامل

إن أول حقوق النبي الكريم على أمته، وأعظمها شأناً، وأجلها مكاناً، هو الإيمان به إيماناً صادقاً، والتصديق له تصديقاً كاملاً، لا يخالطه شك، ولا يعتريه ريب، ولا يداخله ارتياب. فالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ركن من أركان الإيمان، وأساس من أسس الدين، وقاعدة من قواعد اليقين.

قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾. فالإيمان بالرسول طريق إلى رحمة الله، وسبيل إلى مغفرته، ووسيلة إلى جنته.

والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم يعني تصديقه في كل ما جاء به، والإقرار بنبوته ورسالته، والاعتراف بأنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، عربهم وعجمهم، أبيضهم وأسودهم، إلى يوم الدين.

الحق الثاني: المحبة الصادقة والمودة الخالصة

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، محبته محبة تفوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين. محبة تملأ القلب، وتسكن الفؤاد، وتجري في العروق مجرى الدم، وتسري في الروح سريان النور في الظلام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". وهذه المحبة ليست مجرد عاطفة تسكن القلب، بل هي منهج حياة، وطريق عمل، ونبراس هداية.

فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم حقاً، اتبع هديه، وسار على نهجه، وتمسك بسنته، وأحب ما يحب، وكره ما يكره، وآثر رضاه على رضا الناس، وقدم أمره على أمر غيره.

وعلامات هذه المحبة كثيرة، منها: كثرة ذكره، والشوق إلى لقائه، والحنين إلى زمانه، والفرح بذكر سيرته، والحزن على فراقه، والدفاع عن سنته، ونشر دعوته، والذب عن عرضه.

الحق الثالث: الطاعة التامة والانقياد الكامل

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، طاعته في كل ما أمر به، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، والانقياد لحكمه، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. فطاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية لله، والخروج عن أمره خروج عن أمر الله.

وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم تشمل كل جوانب الحياة، في العبادة والمعاملة، في السر والعلن، في الرضا والغضب، في اليسر والعسر. فهي طاعة شاملة، لا تقبل التجزئة، ولا تحتمل الانتقاء.

الحق الرابع: الاتباع والاقتداء

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، اتباعه والاقتداء به في كل شؤون الحياة، فهو الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، والمثال الأعلى.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم طريق إلى رضا الله، وسبيل إلى محبته، ووسيلة إلى جنته.

والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون في العبادة والأخلاق، في التعامل والسلوك، في الأقوال والأفعال، في الظاهر والباطن. فهو اقتداء شامل، يشمل كل جوانب الشخصية الإنسانية.

الحق الخامس: التوقير والتعظيم

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، توقيره وتعظيمه، واحترامه وإجلاله، في حياته وبعد مماته، في حضوره وغيابه، في السر والعلن.

قال الله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

فتوقير النبي صلى الله عليه وسلم يكون بالأدب معه في الخطاب، والاحترام له في الكلام، وعدم رفع الصوت عليه، وعدم مناداته باسمه المجرد، بل بألقاب التشريف والتكريم.

الحق السادس: النصرة والدفاع

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، نصرته والدفاع عنه، في حياته وبعد مماته، ضد كل من يتعرض له بسوء، أو يطعن في شخصه الكريم، أو يشكك في رسالته العظيمة.

فالنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم واجب على كل مسلم، في كل زمان ومكان، بالقول والفعل، بالقلم واللسان، بالمال والنفس، حسب الاستطاعة والإمكان.

وفي زماننا هذا، حيث كثرت الهجمات على شخص النبي الكريم، وتعددت أساليب الطعن في سنته الشريفة، يصبح واجب النصرة أكثر إلحاحاً، وأشد وجوباً، وأعظم ضرورة.

الحق السابع: الصلاة والسلام عليه

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، الصلاة عليه والسلام، كلما ذكر اسمه، أو سمعت سيرته، أو قرئ حديثه، أو تليت سنته.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فإذا كان الله وملائكته يصلون على النبي، فكيف بنا نحن المؤمنين؟

والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لها فضائل عظيمة، وثمرات جليلة، منها: أن من صلى عليه صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً، ورفع له عشر درجات، وحط عنه عشر خطيئات.

الحق الثامن: محبة آل بيته وأصحابه

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، محبة آل بيته الطاهرين، وأصحابه المكرمين، وتوقيرهم واحترامهم، والدعاء لهم والترضي عنهم.

فآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم حق المحبة والتوقير، لقرابتهم من النبي الكريم، ولما لهم من فضل ومكانة. وأصحابه الكرام لهم حق المحبة والاحترام، لصحبتهم للنبي، ونصرتهم له، وجهادهم معه، ونشرهم لدينه.

الحق التاسع: تعلم سيرته ونشر سنته

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، تعلم سيرته العطرة، ودراسة سنته الشريفة، ونشر هديه القويم، وتعليمه للناس، والدعوة إليه.

فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم مدرسة في الأخلاق، وجامعة في التربية، ومنهج في الحياة. وسنته الشريفة مصدر للتشريع، ومرجع للأحكام، ودليل للسلوك.

الحق العاشر: التحاكم إلى شريعته

ومن حقوق النبي الكريم على أمته، التحاكم إلى شريعته، والرضا بحكمه، والتسليم لأمره، في كل شؤون الحياة، الصغيرة والكبيرة، الخاصة والعامة.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فالتحاكم إلى شريعة النبي صلى الله عليه وسلم علامة على صدق الإيمان، ودليل على كمال التسليم، وبرهان على حسن الاتباع.

خاتمة: في ظلال هذه الحقوق

هذه بعض حقوق النبي الكريم على أمته، وهي حقوق عظيمة، وواجبات جليلة، ومسؤوليات كبيرة. فمن أداها كما ينبغي، فقد أدى ما عليه، ووفى بما التزم به، وحقق ما طلب منه. ومن قصر فيها، فقد ظلم نفسه، وخسر آخرته، وفوت على نفسه خيراً كثيراً.

فاللهم اجعلنا من الذين يحبون نبيك محمداً صلى الله عليه وسلم، ويتبعون هديه، ويقتدون بسنته، ويدافعون عن شريعته، ويصلون عليه في كل وقت وحين.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

شارك المقالة

Scroll to Top