أو إشراق النور الأعظم في ليل الدهر الأظلم
الحمدُ لله الذي جعل في ميلاد المصطفى عيدًا للأكوان وفرحة، وبهجة للإنس والجان ومسرة، ونورًا يضيء في كل زمان ومكان وضياء، وبشرى تتردد على مر الأحقاب والأزمان وصداء. والصلاةُ والسلامُ على من أشرق بميلاده فجر الهداية وانبلج، وانبلج بطلعته صبح الرحمة والعناية وتألق، محمدٍ خير البرية وسيدها، وسيد الأنبياء والمرسلين وقائدها، وإمام المتقين ومرشدها، ورحمة الله للعالمين ومنقذها.
إشراق النور الأعظم: في ليلةٍ مباركةٍ من ربيع الأنوار، حين كانت الدنيا تتخبط في دياجير الأكدار، أشرق على الوجود نورٌ لا كالأنوار، وولد للبشرية بشيرٌ ونذيرٌ من خير الأبرار. فكان ميلاده صلى الله عليه وسلم فجر الهداية بعد ليلٍ دامس، وشمس الرحمة بعد ظلامٍ قاتم، وقمر الحق بعد دجىً باهت.
نعم في ليلة مباركة من ليالي ربيع الأول المنير، حين كانت الدنيا غارقة في ظلمات الجهل والضلال المرير، وحين كان الناس تائهين في متاهات الكفر والإشراك والأوهام والتضليل، أشرق على الوجود نور لا كالأنوار وضياء، وولد للبشرية بشير ونذير لا كالأبرار وصفاء. فكان ميلاده صلى الله عليه وسلم بزوغ شمس الهداية بعد ليل دامس وظلام، وإشراق قمر الرحمة بعد ظلام قاتم وأوهام، وانبثاق فجر الحق بعد دجى باهت وأحلام.
لقد كان ميلاده الشريف نقطة تحول في تاريخ البشرية وعلامة، وعلامة فارقة في مسيرة الإنسانية وإمامة، ولحظة مفصلية قسمت التاريخ إلى ما قبل النور وما بعد النور وإشراق، إلى ما قبل الهداية وما بعد الهداية وإطراق، إلى ما قبل الرحمة وما بعد الرحمة وإغداق. البشارات والعلامات: ولقد سبق ميلاده الشريف بشارات الأنبياء وإرهاصات الأولياء، فبشّر به موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام، وانتظرته الأمم والأقوام على مر الأعوام. وانتظرته الأمم والأقوام وترقبت، وترقبته القلوب والأفهام وتشوقت. وحين أطل على الدنيا بنوره الوهاج وضيائه، وضيائه البهاج وسنائه، فرحت الأرض والسماء وابتهجت، وابتهجت الملائكة الأطهار وسبحت، وسجدت الأشجار والأحجار وخشعت، وسبحت الطيور والأنهار ورقصت. فكان ميلاده معجزة في ذاته وآية، وآية في صفاته وغاية، وبرهانًا على عظمة الله وقدرته ورحمة، ودليلاً على رحمته وحكمته ونعمة.
فقد ولد يتيمًا ليكون أبًا لليتامى ورحمة، وولد فقيرًا ليكون غنيًا بالله وبالله مُغنيًا ونعمة، وولد في أمة أمية ليخرجها من الأمية إلى العلم والحكمة، ومن الجهالة إلى الحكمة والرحمة. الرحمة المهداة والنعمة المسداة: وما كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم إلا رحمة من الله للعالمين وهداية، ونعمة على الخلق أجمعين وعناية، وهدية من السماء للأرضين وغاية. فقد جاء رحمة للصغير والكبير والقريب والبعيد، وللمؤمن والكافر والحاضر والشهيد، وللإنسان والحيوان والماضي والمستقبل المأمول. كان ميلاده بداية عهد جديد من الرحمة والرأفة والحنان، والعدل والإنصاف والإحسان، والحب والوئام والأمان، والسلام والأمان والاطمئنان. فبه رُفعت الأغلال عن الأعناق وكُسرت، وكُسرت القيود عن الأرواح وتحررت، وحُررت العقول من الأوهام وتطهرت، وطُهرت القلوب من الأدران وتنورت.
تغيير مجرى التاريخ
ومن عجائب ميلاده الشريف أنه غير مجرى التاريخ وقلب موازين القوى، فأصبحت الأمة الأمية أمة قارئة، والقبائل المتناحرة أمة متآخية، والشعوب المتفرقة أمة موحدة. وانتشر بميلاده نور العلم بعد ظلمة الجهل، وضياء الحق بعد غبش الباطل، وشعاع العدل بعد ظلام الظلم. فكان ميلاده نهاية عصر وبداية عصر، وختام حقبة وافتتاح حقبة، وانقضاء زمان وإطلالة زمان. به انتهت عبادة الأصنام وبدأت عبادة الواحد القهار، وانقضت سيادة الظلم وأشرقت شمس العدل والإقرار. الهداية والنور: وبميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أشرق على البشرية نور الهداية الذي لا ينطفئ، وضياء الحق الذي لا يخبو، ومشعل الإيمان الذي لا يخمد. فكان نوره يهدي الحائر إلى طريقه، والتائه إلى سبيله، والضال إلى منهجه، والغافل إلى ربه. لقد ولد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، ومن الخوف إلى الأمان، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكراهية إلى المحبة.
خاتمة المسك
فاللهم كما أكرمتنا بميلاد هذا النبي الكريم وأنعمت، وأنعمت علينا بطلعة هذا الرسول العظيم وأكرمت، فاجعلنا من أتباعه المخلصين الصادقين، ومن أحبابه الصادقين المتقين، ومن أمته المهتدين الراشدين. واجعل حبه في قلوبنا راسخًا ثابتًا، واتباعه في أعمالنا ظاهرًا باهتًا، وذكره على ألسنتنا دائمًا خالدًا، وشفاعته لنا يوم الدين حاصلة واصلة. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، النبي الأمي الأمين الطاهر، وعلى آله الأبرار، وصحابته الغر الميامين الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.
"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم"
