بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ عَظِيمٌ في مِيزَانِ الشَّرْعِ، تَتَجَاذَبُهُ اليَوْمَ أَهْوَاءٌ وَمَذَاهِبُ؛ فَحُقَّ على طَالِبِ الحَقِّ أَنْ يَنْظُرَ فيهِ بِمِيزَانِ النَّصِّ وَالعَقْلِ، بَعِيدًا عَنِ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ. وَهٰذِهِ عَشْرُ وَقَفَاتٍ تَحْرِيرِيَّةٍ في بَيَانِ حَقِيقَتِهِ: الوَقْفَةُ الأُولَى
فَضْلُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ، سَابِقٌ لِمَوْلِدِ الإِمَامِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَهُوَ يَوْمٌ خَلَّدَ اللَّهُ فيهِ نَصْرَ الحَقِّ على البَاطِلِ، وَنَجَاةَ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِغْرَاقَ فِرْعَوْنَ وَجُنْدِهِ. ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هٰذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، فَقَالَ ﷺ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الصَّوْمِ، وَمُسْلِمٌ في كِتَابِ الصِّيَامِ). فَهُوَ يَوْمُ أُمَّةٍ جَامِعَةٍ، لَا عِيدُ طَائِفَةٍ، وَلَا قَدَاسَةُ قَبِيلَةٍ، لَا تَتَبَدَّلُ مَكَانَتُهُ بِمَوْلِدِ أَحَدٍ فيهِ أَوْ وَفَاتِهِ. وَأَمَّا مَا أُحْدِثَ فيهِ مِنَ اللَّطْمِ وَالتَّطْبِيرِ وَإِسَالَةِ الدِّمَاءِ، فَبِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ مُخَالِفَةٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إِذْ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ
عَاشَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَآلُهُ الكِرَامُ مُعَزَّزِينَ مُكَرَّمِينَ، يَنَالُونَ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالإِكْرَامِ وَالصِّلَةِ مَا يَلِيقُ بِقَرَابَتِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِمَا فَرَضَ اللَّهُ لِذَوِي القُرْبَى مِنَ المَوَدَّةِ وَالحَقِّ في بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ. وَكَانَ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ وَخُلَفَاؤُهُمْ على تَقْدِيمِهِمْ وَحِفْظِ مَنْزِلَتِهِمْ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلَا أَذًى. وَهٰذَا الإِكْرَامُ في حَيَاتِهِمْ لَا يُنْقِصُ مِنْ جَسَامَةِ مَا جَرَى عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في كَرْبَلَاءَ مِنَ المَظْلِمَةِ الكُبْرَى وَالمُصَابِ الجَلَلِ الَّذِي يَأْبَاهُ الشَّرْعُ وَيَمْقُتُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ
الثَّابِتُ مِنْ سِيَاقِ الأَحْدَاثِ أَنَّ الإِمَامَ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَزِمَ في عَامَّةِ عُمُرِهِ شَأْنَهُ الخَاصَّ، مُتَجَنِّبًا غِمَارَ السِّيَاسَةِ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ سِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ (٦٠هـ)، وَأَفْضَتِ الخِلَافَةُ إلى يَزِيدَ، امْتَنَعَ الحُسَيْنُ عَنْ بَيْعَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لِأَهْلِ الكُوفَةِ حِينَ كَاتَبُوهُ، سَاعِيًا إلى رَدِّ الأَمْرِ إلى بَيْتِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلَمْ يُكْتَبْ لِهٰذَا المَسْعَى النَّجَاحُ في الوَاقِعِ، فَكَانَ مَقْتَلُهُ الشَّرِيفُ بِكَرْبَلَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ (٦١هـ).
الوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ
لَيْسَ مَدَارُ الخِلَافِ — كَمَا يُشَاعُ — على مَبْدَأِ تَوْرِيثِ الخِلَافَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ؛ فَإِنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ سَلَّمَ مِنْ قَبْلُ بِأَخْذِ أَخِيهِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الأَمْرَ عَنْ أَبِيهِمَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ في تَعْيِينِ البَيْتِ الأَحَقِّ بِالأَمْرِ، على مُقْتَضَى مَا اسْتَقَرَّ في الأَذْهَانِ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنَّ قَرَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُوجِبَةٌ لِمَزِيدِ الحَقِّ في الإِمَامَةِ؛ فَهُوَ مَعَ تَوْرِيثِ الأَمْرِ، لٰكِنْ في بَيْتِ عَلِيٍّ لَا في غَيْرِهِ.
الوَقْفَةُ الخَامِسَةُ
الإِنْصَافُ يَقْتَضِي التَّحَرُّزَ مِنْ بِنَاءِ حُكْمٍ قَاطِعٍ على إِمَامِ المُسْلِمِينَ في أَيَّامِ وِلَايَتِهِ الأُولَى، قَبْلَ اسْتِيفَاءِ سُبُلِ المُنَاصَحَةِ وَالمُنَاظَرَةِ، وَانْسِدَادِ أُفُقِ الإِصْلَاحِ؛ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ في مِيزَانِ العَقْلِ أَنْ تَنْضَجَ صُورَةُ الأَحْوَالِ وَيُقْطَعَ بِفَسَادِ الرَّاعِي قَبْلَ مُبَاشَرَتِهِ سُلْطَانَهُ. على أَنَّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ على يَزِيدَ مِنْ أَحْدَاثٍ تَالِيَةٍ — كَوَقْعَةِ الحَرَّةِ، وَمَا جَرَى في حُرْمَةِ مَكَّةَ — مَحَلُّ نَظَرٍ وَمُدَارَسَةٍ، لَا يُطْوَى ذِكْرُهُ، بَلْ يُوزَنُ بِمِيزَانِ الإِنْصَافِ، فَلَا إِفْرَاطَ في التَّبْرِئَةِ وَلَا في التَّأْثِيمِ.
الوَقْفَةُ السَّادِسَةُ
قُدْسِيَّةُ المَبَادِئِ مُقَدَّمَةٌ على مَكَانَةِ الأَشْخَاصِ، وَحُكْمُ العَقْلِ وَالشَّرْعِ حَاكِمٌ على فَيْضِ العَوَاطِفِ. وَإِنَّا لَنُقِرُّ لِآلِ البَيْتِ بِالفَضْلِ الوَهْبِيِّ السَّنِيِّ، وَنَحْفَظُ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ مِنَ المَوَدَّةِ وَالتَّقْدِيمِ وَالإِكْرَامِ، غَيْرَ أَنَّ هٰذَا الفَضْلَ لَا يُحِيلُ إلى اسْتِحْقَاقٍ سِيَاسِيٍّ مَخْصُوصٍ، وَلَا يُثْمِرُ امْتِيَازًا على سَائِرِ المُسْلِمِينَ في الحُقُوقِ العَامَّةِ؛ فَالأُمَّةُ في أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَالحَقِّ شَرَعٌ سَوَاءٌ.
الوَقْفَةُ السَّابِعَةُ
لَمْ تَجْرِ الثَّوْرَاتُ المَنْسُوبَةُ إلى آلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ في فَرَاغٍ، بَلْ تَدَاخَلَتْ مَعَهَا أَطْمَاعُ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٍ وَأَجِنْدَاتٌ مُتَنَازِعَةٌ، وَقَدِ اسْتُثْمِرَ بَعْضُهَا وَوُظِّفَ في غَيْرِ وِجْهَتِهِ الأَصْلِيَّةِ خِدْمَةً لِمَآرِبَ سِيَاسِيَّةٍ. وَالإِنْصَافُ أَلَّا يُرَدَّ ذٰلِكَ كُلُّهُ إلى عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَنْ يُحَمَّلَ قَوْمٌ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ جِنْسٌ بِذَاتِهِ تَبِعَةَ ذٰلِكَ؛ فَإِنَّ التَّعْمِيمَ في مِثْلِ هٰذَا مَزَلَّةٌ. وَإِنَّمَا المُرَادُ التَّنْبِيهُ على تَعْقِيدِ المَشْهَدِ، وَتَجَاذُبِ المَصَالِحِ فيهِ، حَتَّى تُفْهَمَ مَعْقُولِيَّةُ الصِّرَاعِ على وَجْهِهَا.
الوَقْفَةُ الثَّامِنَةُ
التَّارِيخُ الرِّوَائِيُّ لِلْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ الأُولَى تَعْتَرِيهِ نَزَعَاتٌ تَعْبَوِيَّةٌ، وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّعَاطُفُ مَعَ مَنْ قُتِلَ على يَدِ السُّلْطَانِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ القَتِيلُ مِنْ سُلَالَةِ النُّبُوَّةِ؟ وَلِذٰلِكَ وَجَبَ على النَّاظِرِ تَحْلِيلٌ عَمِيقٌ لِمَرَاكِزِ القُوَّةِ وَالنُّفُوذِ في ذٰلِكَ العَصْرِ، وَوَعْيٌ بِمَظَانِّ التَّحَيُّزِ في المَرْوِيَّاتِ، وَبِقِلَّةِ أَدَوَاتِ تَدَاوُلِ السُّلْطَةِ يَوْمَئِذٍ، حَتَّى يُمَيَّزَ الثَّابِتُ مِنَ المَنْحُولِ، وَالوَقَائِعُ مِنَ الأَهْوَاءِ.
الوَقْفَةُ التَّاسِعَةُ
يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَا غَالِبَ فيهِ وَلَا مَغْلُوبَ على الحَقِيقَةِ؛ فَالمُتَقَاتِلُونَ فيهِ يَنْتَسِبُونَ إلى دِينٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ القِتَالُ يَوْمَئِذٍ قِتَالَ مُعَارَضَةٍ لَهَا أَسْبَابُهَا، مَعَ سُلْطَةٍ لَهَا مُبَرِّرَاتُهَا. وَالصَّوَابُ مُحَاكَمَةُ الفَرِيقَيْنِ مُحَاكَمَةً مُعَلَّلَةً مُنْصِفَةً، بَعِيدَةً عَنِ اخْتِصَاصِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِقَدَاسَةٍ أَوْ حَصَانَةٍ أَوِ امْتِيَازٍ وَهْبِيٍّ يُخْرِجُهُ عَنْ سُنَنِ النَّقْدِ وَالمُوَازَنَةِ.
الوَقْفَةُ العَاشِرَةُ
لَيْسَ المُعَوَّلُ في تَجْلِيَةِ هٰذَا الأَمْرِ على أَهْلِ السُّنَّةِ وَحْدَهُمْ، فَقَدْ جُعِلُوا في هٰذَا البَابِ طَرَفًا وَخَصْمًا؛ وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ كَذٰلِكَ على المُنْصِفِينَ وَالمُتَنَوِّرِينَ، أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ في وَجْهِ مَا أُحْدِثَ مِنَ الغُلُوِّ وَالشَّطَطِ: مِنَ التَّطْبِيرِ وَإِسَالَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا مُحَقِّقُو العُلَمَاءِ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَمِنْ تَوْظِيفِ المَأْسَاةِ في إِذْكَاءِ نَارِ الفِتْنَةِ وَالصِّرَاعِ. فَالعَوْدَةُ بِعَاشُورَاءَ إلى مَعْنَاهُ الجَامِعِ — مَعْنَى العِبْرَةِ وَالِاتِّعَاظِ — أَحْرَى مِنَ اتِّخَاذِهِ مَيْدَانًا لِلتَّعْبِئَةِ وَإِيقَادِ الأَحْقَادِ.
المُسْتَنَدُ وَالتَّخْرِيجُ
حَدِيثُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ وَنَجَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الصَّوْمِ، وَمُسْلِمٌ في كِتَابِ الصِّيَامِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
النَّهْيُ عَنْ لَطْمِ الخُدُودِ وَشَقِّ الجُيُوبِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عِنْدَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَهُوَ أَصْلٌ في إِنْكَارِ مَا أُحْدِثَ مِنَ النِّيَاحَةِ وَالتَّطْبِيرِ.
كَوْنُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ كَانَ مُتَأَكِّدًا ثُمَّ صَارَ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ: حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاسْتِحْبَابُ صَوْمِ التَّاسِعِ مَعَ العَاشِرِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ».
مَوَاقِيتُ الأَحْدَاثِ (وَفَاةُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ٦٠هـ، وَاسْتِشْهَادُ الحُسَيْنِ سَنَةَ ٦١هـ): مِنَ المُقَرَّرِ في كُتُبِ التَّارِيخِ المُعْتَمَدَةِ، كَتَارِيخِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ مِنْ بَابِ النَّقْلِ التَّارِيخِيِّ لَا الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
