بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ دِرَاسَةٌ تَارِيخِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ
المُقَدِّمَةُ
الحمدُ لله الذي رفعَ أقدارَ أهلِ بيت نبيِّه، وأوجبَ مَحبَّتَهم على عباده، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبِه الغُرِّ الميامين. أمّا بعدُ: فإنّ شخصيةَ سِبطِ رسول الله ﷺ، أبي عبد الله الحُسَينِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما، ممّا كَثُرَ فيه القولُ، واضطربَ فيه النقلُ، وتجاذبَها طرفان مذمومان: غُلوٌّ أفرطَ حتى بَنى على الأخبار الواهية عقائدَ وشعائرَ، وجفاءٌ فرَّطَ حتى أغفلَ حقَّه وغَمَطَ فضلَه. والحقُّ وسطٌ بينهما: إنزالُه منزلتَه التي أنزلَه اللهُ ورسولُه، من غير بَخسٍ ولا إطراءٍ.
وقد نَهَجْنا في هذه المقالة منهجَ التحقيق والتمحيص، فلا نُثبِتُ من الفضائل والأخبار إلا ما قامَ عليه إسنادٌ صحيحٌ أو حسَنٌ يُحتَجُّ به أو يُعتَبَر، ونَزِنُ الرواياتِ بميزان نقد الرجال والأسانيد؛ إذ العِبرةُ بصحة الطريق لا بشهرة المتن ولا كثرة النَّقَلة. ومدارُ البحث على ثلاث وقفاتٍ: أُولاها في ترجمته ومنزلته، والثانية في تمحيص أخبار خروجه ومقتله، والثالثة في كشف توظيف قضيته والمتاجَرةِ بها لتفريق الأمة.
الوَقْفَةُ الأُولَى: فِي تَرْجَمَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ أوّلًا: نسبُه ومولدُه ومكانتُه في أهل البيت
هو أبو عبد الله الحُسَينُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبِ بنِ عبد المطَّلب الهاشميُّ القُرَشيُّ، وأمُّه فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها؛ فهو سِبطُ النبيِّ ﷺ ورَيحانتُه. وُلِدَ بالمدينة في شعبانَ سنةَ أربعٍ للهجرة على الأصحِّ، وقيل سنةَ ثلاثٍ . وهو من صِغار الصحابة؛ إذ قُبِضَ النبيُّ ﷺ ولـمّا يَبلُغْ سبعَ سنين، فصُحبتُه ثابتةٌ، وروايتُه عن جدِّه ﷺ قليلةٌ لِصِغَره.
وهو من أهل البيت الذين خصَّهم النبيُّ ﷺ بدعائه؛ فقد صحَّ أنه ﷺ جلَّلَ عليًّا وفاطمةَ والحسَنَ والحُسَينَ بكِسائه وقال: “اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا” ؛ فمحبَّتُهم وتوقيرُهم من الدين، وهي محبةٌ تقومُ على الاتباع لا على الغُلوِّ.
ثانيًا: محبةُ النبيِّ ﷺ له، وما صحَّ من فضائله
ثبتَ في الصحيح من محبة النبيِّ ﷺ له ولأخيه ما تَقَرُّ به العينُ؛ فمن ذلك قولُه ﷺ فيهما: “هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا” . على أنّ كثيرًا ممّا رُوِيَ في فضائله المخصوصة بين ضعيف و واهٍ أو موضوعٌ، اختلقَه الغُلاةُ وأربابُ الأهواء؛ والميزانُ في قَبوله ورَدِّه صحةُ الإسناد لا انتشارُ المتن على الألسنة . فمَن أرادَ تعظيمَه فليُعظِّمْه بالثابت، فإنّ في الثابت غُنيةً وكفايةً.
ثالثًا: جهادُه ومشاركتُه في الفتوح
وجاءَ عند المؤرخين أنه شَهِدَ بعضَ الفتوح في خلافة عثمانَ ومعاويةَ رضي الله عنهما، كبعض مغازي المشرق، وما ذُكِرَ من حضوره غزوَ القُسطنطينية في الجيش الذي أُمِّرَ عليه يزيدُ بنُ معاوية . وهي أخبارٌ تاريخيةٌ يَتفاوتُ ثبوتُها في تفاصيلها، والمقصودُ ثبوتُ مشاركته في الجهاد في ذلك العهد في الجملة، مما يدلُّ على بُعده عن مظنّة الخلاف يومئذٍ ودخولِه في جماعة المسلمين.
رابعًا: منزلتُه في التفاضل
وهو رضي الله عنه من سادات المسلمين وأهل الجنة، ومن أشرف الناس نسَبًا. غيرَ أنّ منزلتَه في عموم التفاضل لا تَبلُغُ منزلةَ أبيه عليٍّ، ولا منزلةَ كبار الصحابة من السابقين الأوّلين؛ فإنّ المقرَّرَ عند أهل السنة أنّ أفضلَ الأمة بعد نبيِّها أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ، ثم بقيةُ العشرة وأهلُ بدرٍ وبيعةِ الرضوان، وأنّ لسابقة السابقين وجهادِهم في فجر الإسلام فضلًا لا يُلحَقُ .
الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَمْحِيصِ أَخْبَارِ خُرُوجِهِ وَمَقْتَلِهِ
أوّلًا: القَدْرُ الثابتُ من الخبر
ينبغي أن يُفرَّقَ في هذا الباب بين قَدْرٍ ثابتٍ لا رَيبَ فيه، وتفاصيلَ واهيةٍ لا تَثبُت. فأمّا الثابتُ المتواترُ عند أهل التاريخ فهو أصلُ الواقعة: أنّ الحُسَينَ رضي الله عنه قُتِلَ مظلومًا شهيدًا بأرض كربلاءَ من العراق، يومَ عاشوراءَ العاشرِ من المحرَّم سنةَ إحدى وستين للهجرة، ومعه عددٌ من أهل بيته وأصحابه؛ وعده بعضهم أنّ قتلَه مُصيبةٌ عُظمى وجنايةٌ كبرى .
ثانيًا: مَكْمَنُ الضعف في تفاصيل المقتل والخروج
وأمّا تفاصيلُ الخبر — من كيفية خروجه ومُراسلاته، وتفاصيلِ الوقعة وخُطَبِها، وعددِ الجراح وصفة القتل، وما يُروى من أمر الرأس ومسيره، وأخبارِ سَبيِ آله وما جرى عليهم، وبخاصةٍ ما حُشِيَتْ به الكتبُ من العلامات الكونية كاحمرار الأفق وانكساف الشمس ومطرِ الدم وخروجِ الدم من تحت كلِّ حجَرٍ — فجُلُّ ذلك مرويٌّ بأسانيدَ واهيةٍ أو منقطعةٍ، ومدارُ كثيرٍ منها على رجلٍ واحدٍ هو أبو مِخنَفٍ لوطُ بنُ يحيى.
وأصلٌ ينبغي تقريرُه ههنا: أنّ كتب التاريخ ليست كدواوين السنة في الاحتجاج؛ فإنّ الإخباريِّين يَجمَعون ما رُوِيَ في الباب صحيحَه وسقيمَه، ولا يَلتزِمون نقدَ الأسانيد على طريقة المحدِّثين، فلا يَلزَمُ من إيراد الخبر في كتب التاريخ ثبوتُه حتى يُنظَرَ في سنده ورجاله . وبهذا يَسقُطُ الاحتجاجُ بمجرّد ورود رواية المقتل في كتب الأخبار، حتى يَصِحَّ طريقُها.
ثالثًا: في أبي مِخنَفٍ لوطِ بنِ يحيى والحكمِ عليه
وأبو مِخنَفٍ لوطُ بنُ يحيى الأزديُّ الكوفيُّ — المتوفَّى نحوَ سنةِ سبعٍ وخمسين ومئةٍ — إخباريٌّ من رؤوس نَقَلة أخبار الفِتَن، وإليه يَرجِعُ معظمُ ما رُوِيَ في مقتل الحُسَين؛ وهو ضعيفٌ متروكٌ بإجماع نُقّاد الرجال: قال يحيى بنُ مَعينٍ: «ليس بثقةٍ»، وقال أبو حاتمٍ الرازيُّ: «متروكُ الحديث»، وقال الذهبيُّ: «إخباريٌّ تالفٌ لا يُوثَقُ به»، وعدَّه في الشيعة المحترقين، وضعَّفه الدارقطنيُّ وغيرُه .
وأكثرُ ما وصلَنا من هذه الأخبار إنما جاءَ من طريق الطبريِّ في تاريخه، رواه عن هشام بن محمدٍ الكَلبيِّ، عن أبي مِخنَفٍ؛ وهشامٌ الكَلبيُّ نفسُه متكلَّمٌ فيه ضعيفٌ في الحديث . فالطريقُ الغالبُ على هذه الروايات معلولٌ من وجهين. على أنّ الطبريَّ رحمه الله قد أبرأَ عُهدتَه في مقدمة تاريخه، فنبَّه على أنه يَنقُلُ الأخبارَ بأسانيدها، وأنّ ما كان منها مُستنكَرًا فعُهدتُه على ناقليه لا عليه؛ فإيرادُه إيّاها ليس تصحيحًا لها .
رابعًا: موقفُ الإمام ابن كثيرٍ ونقدُه
وقد أكثرَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ في «البداية والنهاية» من سَوق روايات المقتل، مع التنبيه على ضعف غالبها وأنّ مدارَها على أبي مِخنَفٍ ونحوِه، ونصَّ على نكارة كثيرٍ ممّا رُوِيَ، وردَّ ما حُشِيَتْ به من العلامات والخوارق وبيَّن أنه لا يَصِحُّ، وحذَّرَ من مُختلَقات الرافضة في الباب .
خامسًا: المنهجُ الراجحُ — الإعراضُ عن التفاصيل والبِدَع لا عن أصل المصاب
وبهذا يَتبيَّنُ أنّ الراجحَ في معاملة هذه الأخبار أمران: الأوّلُ: الإعراضُ عن تفاصيلها الواهية، فلا تُبنى عليها روايةٌ تُجزَمُ بها، ولا تُتَّخَذُ سُلَّمًا إلى عقيدةٍ أو حُكمٍ؛ والجهلُ بهذه التفاصيل لا يَضُرُّ في الدين شيئًا، وإيكالُ ما خَفِيَ منها إلى الله تعالى هو سبيلُ السلامة. والثاني: ردُّ ما بُنِيَ عليها من الشعائر المُحدَثة؛ فإنّ ما أحدثَه الغُلاةُ من النِّياحة واللَّطم وضرب الصدور وشَقِّ الجيوب واتخاذِ عاشوراءَ مأتمًا، بِدعةٌ مُنكرةٌ مُصادِمةٌ للسُّنة؛ فقد صحَّ عنه ﷺ: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ” . وكما يُنكَرُ مأتمُ الغُلاة، يُنكَرُ ضِدُّه من صنيع النواصب الذين جعلوا عاشوراءَ يومَ فرحٍ وتوسعةٍ شماتةً بأهل البيت؛ وقد بيَّنَ المحققون أنّ الطرفين مُبتدِعان، وأنّ السُّنةَ وسطٌ بينهما: فعاشوراءُ يومُ صيامٍ على ما سَنَّه النبيُّ ﷺ، لا يومُ مأتمٍ ولا يومُ عيدٍ متعلِّقٍ بالمقتل .
فالإعراضُ المرادُ إنما هو عن التفاصيل الواهية وعن البِدَع المبنية عليها، لا عن أصل المصاب الثابت؛ فإنّ المؤمنَ يَعرِفُ للحُسَين قدرَه، ويَترحَّمُ عليه، ويَعلَمُ أنه قُتِلَ مظلومًا شهيدًا، ويَسأَلُ اللهَ أن يُجازيَ مَن ظلمَه بما يَستحِقُّ، من غير أن يَخوضَ في تفصيل التَّبِعات على الأعيان بما لم يَثبُت، فأمرُ البواطن إلى الله. وفي الخوض في تلك المُختلَقات واعتقادِ آثارِها تَبِعاتٌ شرعيةٌ ظاهرةٌ: من فتح باب البدعة، والوقيعةِ في الصحابة، وإثارةِ الفتنة، وتأسيسِ عقائدَ باطلةٍ على رواياتٍ ساقطةٍ. فالكَفُّ عن ذلك دِينٌ وورَعٌ وعقلٌ. الوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَوْظِيفِ القَضِيَّةِ وَكَشْفِ زَيْفِ المُتاجَرَةِ بِها
وبعدَ تقرير منزلته وتمحيصِ أخباره، يَبقى أمرٌ يَقتضي منهجُ الحقِّ كشفَه: وهو ما جرى — وما زال يَجري على أشدِّه اليومَ — من توظيف مقتل الحُسَين رضي الله عنه، واتخاذِه رايةً دائمةً لإثارة الفِتنة في الأمة والنَّيلِ من أهل السُّنة بدعوى الأخذِ بالثأر؛ وكلُّ ذلك يُكذِّبُه صحيحُ التاريخ وعدلُ الشريعة معًا.
أوّلًا: مَن قَتَلَ الحُسَينَ؟
شهادةُ التاريخ
القَدْرُ الثابتُ أنّ الحُسَينَ رضي الله عنه ما خرجَ إلى العراق إلا بعدَ إلحاحِ أهلِ الكوفة في استقدامه، وقد كاتبوه كتابًا بعدَ كتابٍ، وأعطَوه المواثيقَ والعهودَ على النصرة؛ فبعثَ إليهم ابنَ عمِّه مسلمَ بنَ عقيلٍ، فبايعوه بالألوف. فلمّا قَدِمَ عليهم عُبيدُ الله بنُ زيادٍ وشدَّ عليهم خَذَلوا مسلمًا ونكثوا بَيعتَه، فقُتِلَ وحيدًا غريبًا. ثم مضى الحُسَينُ، فكان جُلُّ الجيش الذي خرجَ لقتاله بكربلاءَ من أولئك الكوفيِّين أنفسِهم الذين استقدموه .
فالذين قتلوه — في حقيقة الأمر — هم شيعتُه الذين دَعَوه، والذين خَذَلوه هم الناكثون لبَيعته؛ فهم أولى الناس بالنقمة والذمِّ، لا مَن لا صِلةَ له بالجناية أصلًا. وهذه شهادةٌ تَنطِقُ بها كتبُ التاريخ نفسُها التي يَحتجُّ بها المُتاجِرون، فهي حُجةٌ عليهم لا لهم.
ثانيًا: المُفارَقةُ العجيبةُ — الجنايةُ ثم النِّياحة
ومن أعجب ما يُسجَّلُ في هذا الباب أنّ كثيرًا ممن قتلوه أو خَذَلوه كانوا يَدَّعون محبَّتَه؛ ثم لمّا وقعَتِ الجنايةُ اتخذوا المأتمَ والنِّياحةَ واللَّطمَ، كأنّما يُكفِّرون بها عن جناية خِذلانهم! فجمعوا بين أمرين متناقضين: الجنايةِ في حقِّه، وإحداثِ بدعةٍ في الدين باسمه. وقد نبَّه الإمامُ ابنُ تيمية على هذه المفارقة، وأنّ هدي أهل العلم والإيمان غيرُ هذا وذاك .
ثالثًا: بُطلانُ الرَّبط — ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾
وأمّا تحميلُ أهل السُّنة تَبِعةَ هذه الجناية، أو جعلُها ذريعةً للطعن فيهم، فرَبطٌ باطلٌ في الشرع والعقل جميعًا، يَتبيَّنُ بطلانُه من وجوهٍ: الوجهُ الأوّلُ: أنّ الأصلَ الشرعيَّ المُحكَمَ أنه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ ؛ فمؤاخذةُ الأحياء، أو طائفةٍ بأكملها، بجريمةٍ ارتكبَها أقوامٌ مُعيَّنون بادوا قبل أربعةَ عشرَ قرنًا، عقوبةٌ جماعيةٌ يَرفُضُها الشرعُ والعقلُ. الوجهُ الثاني: أنّ الجنايةَ وقعَتْ من أعيانٍ مُعيَّنين معروفين — كعُبيد الله بن زيادٍ وعمرَ بنِ سعدٍ ومَن أطاعهم من جند الكوفة — وأهلُ السُّنة يَتبرَّؤون منهم ولا يُحامون عنهم، بل يَلعَنون الظُّلمَ وأهلَه؛ وكِبارُ الصحابة كانوا قد ماتوا قبل ذلك، فلا يدَ لهم فيه. ومذهبُ أهل السُّنة في توقير آل النبي وذمِّ قَتَلة الحُسَين معلومٌ مُقرَّرٌ في كتبهم.
الوجهُ الثالثُ: أنّ توجيهَ الخصومة إلى أهل السُّنة رَبطٌ غيرُ منطقيٍّ لا يَستقيمُ على تاريخٍ ولا عقلٍ؛ بل إنّ الذين باشروا قتلَه هم سَلَفُ أشدِّ الطوائف اليومَ ادّعاءً لمَأتمه والبكاءِ عليه، كما تقدَّم؛ فأنّى يَصِحُّ أن يُطالَبَ بدمِه مَن هو أبعدُ الناس عنه؟
رابعًا: الغايةُ من التوظيف — تفريقُ الأمة
فإذا تقرَّرَ هذا، عُلِمَ أنّ الذين يُبقون هذا الجُرحَ نازفًا قرنًا بعدَ قرنٍ لا يَصنعون ذلك حبًّا في الحُسَين — فإنّ المحبةَ الصادقةَ اتباعٌ لا نُواحٌ — وإنما لغايةٍ في نفوسهم: إدامةِ الفُرقة المذهبية، وتمزيقِ صفِّ المسلمين، وإضعافِهم أمام عدوِّهم الحقيقيِّ. ولذلك يَستثمِرُ أعداءُ الإسلام — على اختلاف مَشاربهم — هذه القضيةَ، ويُذكون نارَها، ويُموِّلون خطابَ الثأرِ والانتقام. فهو عبثٌ ظاهرٌ إذا قِيسَ بميزان الشريعة، وحِقدٌ دفينٌ في حقيقته، ورَبطٌ غيرُ منطقيٍّ في بنائه؛ وما أُريدَ به وجهُ الحُسَين، وإنما أُريدَ به الكيدُ لأمته من ورائه.
خامسًا: الموقفُ الوسطُ العَدلُ
والموقفُ الحقُّ في هذا كلِّه وسطٌ بين الغالي والجافي: توقيرُ الحُسَين وآلِ بيته كما أمرَ الشرعُ، وذمُّ قاتليه المعيَّنين وإيكالُ سرائرِهم إلى الله، ورفضُ ثأرِ الغُلاة الدائم وشَماتةِ النواصب جميعًا، وأن لا نَجعَلَ مصابًا قد انقضى وَقودًا لتفريق الأمة، بل نَجمَعُ كلمةَ المسلمين على الحقِّ الذي مثَّلَه الصحابةُ الكرامُ والأئمةُ الكبارُ. وبهذا تَنطفئُ نارُ المُتاجِرين، ويَعودُ للحُسَين قدرُه في القلوب من غير غُلوٍّ ولا جفاءٍ.
الخَاتِمَةُ: خُلَاصَةُ التَّحْقِيقِ
يُمكِنُ تلخيصُ ما تقدَّمَ في أمورٍ: أوّلًا: الحُسَينُ رضي الله عنه سِبطُ النبيِّ ﷺ ورَيحانتُه، من صِغار الصحابة ومن أهل بيت النبوة، ثبتَتْ محبةُ النبيِّ ﷺ له.
ثانيًا: منزلتُه عاليةٌ في سادات الأمة وأهل الجنة، وهو أرفعُ الناس نسَبًا، ولكنه في عموم التفاضل دونَ أبيه ودونَ كبار الصحابة السابقين؛ مع التفريق بين شرف النسَب وفضل السابقة.
ثالثًا: أصلُ مقتله — أنه قُتِلَ مظلومًا بكربلاءَ يومَ عاشوراءَ سنةَ إحدى وستين — ثابتٌ متواترٌ؛ وأمّا تفاصيلُ المقتل والخروج فجُلُّها واهٍ، مدارُه على أبي مِخنَفٍ المتروك، من طريق هشامٍ الكَلبيِّ الضعيف، في تاريخ الطبريِّ الذي لم يَلتزِمْ صحةَ ما رواه؛ وقد نقدَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ ذلك ورَدَّ خوارقَه. رابعًا: الراجحُ الإعراضُ عن تلك التفاصيل الواهية وعن البِدَع المبنية عليها — مأتمِ الرافضة وعيدِ النواصب جميعًا — مع إثبات المصاب، وإنزال الحُسَين منزلتَه، وإيكال ما خَفِيَ إلى الله؛ فإنّ الخوض في المُختلَقات واعتقادَ آثارِها لا يَخلو من تَبِعاتٍ شرعيةٍ.
خامسًا: إنّ توظيفَ قضية الحُسَين اليومَ لإثارة الفتنة والنَّيلِ من أهل السُّنة بدعوى الثأر عبثٌ ظاهرٌ وحِقدٌ دفينٌ ورَبطٌ غيرُ منطقيٍّ؛ فإنّ الذين استقدموه ثم خَذَلوه وقاتلوه هم شيعتُه من أهل الكوفة الناكثين لبَيعته، وهم أولى بالنقمة والذمِّ، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾؛ فمحاسبةُ الأحياء بجناية أقوامٍ بادوا ظلمٌ ولؤمٌ. والموقفُ الحقُّ: توقيرُ الحُسَين، وذمُّ قاتليه المعيَّنين، وجمعُ كلمة الأمة على الحقِّ.
واللهُ تعالى أعلمُ، وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ
اعتمدَتْ هذه المقالةُ في أصولها على أمَّهات الكتب المُعتبَرة، وفيما يلي ثَبَتٌ بأبرزها؛
أوّلًا: كتبُ الحديث ودواوينُه
ـ «صحيح البخاري»، للإمام محمد بن إسماعيل البخاريِّ. ـ «صحيح مسلم»، للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوريِّ. ـ «الجامع» (السنن)، للإمام محمد بن عيسى الترمذيِّ. ـ «السنن»، للإمام ابن ماجه القزوينيِّ. ـ «المسند»، للإمام أحمد بن حنبلٍ الشيبانيِّ. ـ «الصحيح»، للإمام ابن حبان البُستيِّ. ـ «المستدرك على الصحيحين»، للإمام الحاكم النيسابوريِّ، ومعه تلخيصُ الذهبيِّ. ـ «المعجم»، للإمام سليمان بن أحمد الطبرانيِّ.
ثانيًا: كتبُ الرجال والجرح والتعديل والتراجم
ـ «الجرح والتعديل»، للإمام ابن أبي حاتمٍ الرازيِّ. ـ «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، للإمام شمس الدين الذهبيِّ. ـ «لسان الميزان»، للحافظ ابن حجرٍ العسقلانيِّ. ـ «تهذيب التهذيب»، للحافظ ابن حجرٍ العسقلانيِّ. ـ «سير أعلام النبلاء»، للإمام الذهبيِّ. ـ «الطبقات الكبرى»، للإمام محمد بن سعدٍ. ـ «الإصابة في تمييز الصحابة»، للحافظ ابن حجرٍ العسقلانيِّ. ـ «أُسد الغابة في معرفة الصحابة»، للإمام ابن الأثير الجَزَريِّ.
ثالثًا: كتبُ التاريخ
ـ «تاريخ الرسل والملوك»، للإمام محمد بن جرير الطبريِّ. ـ «البداية والنهاية»، للإمام إسماعيل بن عمر بن كثيرٍ الدمشقيِّ. ـ «الكامل في التاريخ»، للإمام ابن الأثير الجَزَريِّ.
رابعًا: كتبُ الاعتقاد وعامّةِ العلم
ـ «العقيدة الطحاوية» (بيان عقيدة أهل السنة والجماعة)، للإمام أبي جعفرٍ الطحاويِّ، وشروحُها. ـ «منهاج السنة النبوية»، للإمام تقيِّ الدين ابن تيمية. ـ «مجموع الفتاوى»، للإمام تقيِّ الدين ابن تيمية.
