المقالة تُعالجُ مسألةً ذاتَ خطَرٍ، وتنهضُ بهمٍّ صادقٍ في الذبِّ عن جنابِ السنّةِ، وكشفِ مسالكِ التغلغلِ المذهبيِّ. والكاتبُ مشكورٌ على إثارةِ القضيّةِ، ونقلِها من حيِّزِ المجادلةِ الكلاميّةِ المحضةِ إلى التحليلِ الاجتماعيِّ والتاريخيِّ والإعلاميِّ، وهو منزعٌ محمودٌ قلَّ أن يُعنى به الباحثونَ.
غيرَ أنّ تحريرَ المسائلِ العلميّةِ يقتضي تمييزَ السديدِ من المتعقَّبِ، وردَّ كلِّ قولٍ إلى أصلِه، حتى لا ينقلبَ الردُّ على الغلوِّ غلوًّا من جنسٍ آخرَ. فإنّ الحقَّ بين طرفينِ: غلوِّ الرافضةِ في آلِ البيتِ حتى رفعوهم فوقَ منازلِهم، وجفاءِ خصومهم ؛ وكلاهما منكَرٌ عند أئمّةِ الهدى. ولذا رأيتُ أن أُتبِعَ المقالةَ بهذا التعليقِ؛ تسديدًا لمنطلقاتِها، وتقويمًا لأسبابِها، وإثراءً بما يُكمِّلُ نقصَها، التزامًا بالمنهجِ الوسطيِّ الذي قِوامُه: محبّةُ آلِ البيتِ والصحابةِ جميعًا، وتنقيةُ التراثِ بميزانِ النقدِ العادلِ، من غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ.
الموقف الأوّلُ: في القيمةِ العلميّةِ للمقالةِ وحدودِ منهجِها
أمّا محاسنُ المقالةِ فظاهرةٌ: فقد أصابت في رصدِ جملةٍ من العواملِ الواقعيّةِ التي أعانت على انتشارِ التشيُّعِ، كقوّةِ التنظيمِ، ووفرةِ التمويلِ، وحُسنِ توظيفِ العاطفةِ والفنِّ والإعلامِ، واستثمارِ خطابِ المظلوميّةِ. وهذه ملحوظاتٌ سديدةٌ في جملتِها، تشهدُ لها وقائعُ التاريخِ والعصرِ. على أنّ في المقالةِ خَلطًا بين مستوياتٍ ثلاثةٍ ينبغي فرزُها: مستوى المنطلقاتِ العَقَديّةِ (وفيها مواضعُ تحتاجُ تحريرًا)، ومستوى التحليلِ الاجتماعيِّ (وهو أمتنُ ما في المقالةِ)، ومستوى الأحكامِ التاريخيّةِ (وفيها ما يحتاجُ تثبُّتًا). كما أنّ بعضَ ما أطلقَته المقالةُ من دعاوى يفتقرُ إلى البرهانِ اليقينيِّ، ويجري على التعميمِ، والتعميمُ آفةُ التحقيقِ.
الموقف الثاني:: تقويمُ الأسبابِ المذكورةِ تفصيلًا
وبعدَ تحريرِ المنطلقِ، أعرِضُ لأبرزِ الأسبابِ التي ذكرتها المقالةُ، مُصدِّقًا ما صحَّ، ومُقوِّمًا ما تُعُقِّبَ:
السببُ الثاني (الجمودُ الفقهيُّ وإغلاقُ بابِ الاجتهادِ):
هذا من أحوجِ الأسبابِ إلى التصحيحِ. فدعوى «إغلاقِ بابِ الاجتهادِ» مقولةٌ مُتعقَّبةٌ في أصلِها؛ إذ لم يزل الفقهُ المذهبيُّ حيًّا بالترجيحِ والتخريجِ والإفتاءِ وفقهِ النوازلِ في كلِّ عصرٍ. ثم إنّ التزامَ المذاهبِ الأربعةِ ليس داءً يُعابُ، بل هو ضابطٌ مُحكَمٌ عصمَ أهلَ السنّةِ من التشظّي والفوضى، وحفظَ لهم اتّصالَ السندِ العلميِّ. فليس انتشارُ التشيُّعِ ناشئًا عن تمسُّكِ السنّةِ بمذاهبِهم؛ فإنّه لا تلازُمَ بين الأمرينِ. بل إنّ هذا الطعنَ في التقليدِ المنضبطِ هو من جنسِ ما يردِّدُه دعاةُ اللامذهبيّةِ المعاصرونَ، وهو منهجٌ لا يستقيمُ مع أصولِ أهلِ السنّةِ الراسخةِ على المذاهبِ المتبوعةِ.
في هذا تفصيلٌ. فالكفُّ عن الخوضِ في تفاصيلِ ما شجرَ بين الصحابةِ بالسبِّ والتنقُّصِ أصلٌ صحيحٌ، أُثِرَ معناه عن جماعةٍ من السلفِ، ونُسبَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. لكنّ الكفَّ عن السبِّ شيءٌ، ومنعَ الدراسةِ التاريخيّةِ المنصفةِ شيءٌ آخرُ؛ وقد خلطت المقالةُ بينهما. على أنّ التحذيرَ قائمٌ من جهةٍ أخرى: فإنّ فتحَ بابِ «التنقيبِ» في خلافاتِ الصحابةِ بلا ضابطٍ هو عينُ الثغرةِ التي تنفُذُ منها مطاعنُ الرافضةِ.
فالمنهجُ الوسطيُّ: دراسةُ التاريخِ بموضوعيّةٍ، مع حملِ أفعالِ الصحابةِ على أحسنِ المحاملِ، وحفظِ أقدارِهم؛ ولا تعارضَ بين الأمرينِ. السببُ الرابعُ (عباراتُ القداسةِ): والعمدةُ فيه التمييزُ لا الرفضُ الجمليُّ. السببانِ الخامسُ والسادسَ عشرَ (التدوينُ في ظلِّ الدولةِ العباسيّةِ، وأثرُ المستشرقينَ): هذانِ سببانِ وجيهانِ في الجملةِ؛ فقد جرى تدوينُ بعضِ الأخبارِ في سياقاتٍ سياسيّةٍ مؤثّرةٍ، وأسهمَ بعضُ المستشرقينَ في ترسيخِ روايةِ المظلوميّةِ. غيرَ أنّ إنصافَ البحثِ يقتضي ألّا يُعمَّمَ ذلك على جمهرةِ المؤرّخينَ المسلمينَ، فمنهم النقّادُ المحرِّرونَ، وعلمُ الجرحِ والتعديلِ شاهدٌ على يقظةِ الأمّةِ. السببُ التاسعُ (التقيّةُ): صحيحٌ أنّ التقيّةَ مكّنت من التغلغلِ؛ بل هي في أصلِها قاعدةٌ مذهبيّةٌ عندهم محلُّ نقدٍ عَقَديٍّ، إذ جعلت الكتمانَ والمداراةَ دينًا، وهذا مخالفٌ لصراحةِ منهجِ السنّةِ في البيانِ.
السببانِ العاشرُ والثامنَ عشرَ (التنظيمُ الدوليُّ والتمويلُ والنفوذُ)
هذه من أمتنِ ما رصدته المقالةُ، وهي واقعٌ مشهودٌ، له أثرُه البالغُ في الطباعةِ والنشرِ وبناءِ المؤسّساتِ.
السببُ التاسعَ عشرَ (التأثيرُ العاطفيُّ لمظلوميّةِ الحسينِ)
هنا يجبُ التنبيهُ على دقيقةٍ وسطيّةٍ: فإنّ مصرعَ الحسينِ رضي اللهُ عنه مصابٌ جَلَلٌ، يَرزَأُ كلَّ مسلمٍ،. فالعيبُ ليس في الحزنِ المشروعِ عليه، ولا في إجلالِه، وإنّما العيبُ في توظيفِ المأساةِ توظيفًا مذهبيًّا، وفي إحداثِ شعائرِ النَّدبِ واللطمِ التي لم يشرعها اللهُ. فمقابلةُ غلوِّهم لا تكونُ بإنكارِ المصيبةِ، بل بردِّها إلى وجهِها الشرعيِّ: استرجاعٌ وترحُّمٌ، لا جزعٌ ولا ابتداعٌ.
الموقف الثالث: إثراءُ البحثِ بأسبابٍ أُخَرَ
وممّا يُكمَّلُ به البحثُ أسبابٌ أُخَرُ لها أثرٌ بيّنٌ، أُجمِلُها فيما يأتي: ١ — الفراغُ العَقَديُّ التربويُّ: فضعفُ تعليمِ العقيدةِ الصحيحةِ تعليمًا منهجيًّا تركَ كثيرًا من العامّةِ بلا حصانةٍ علميّةٍ، فصاروا لُقمةً سائغةً للشبهاتِ.
- ضعفُ التكوينِ في مناهجِ النقدِ التاريخيِّ: فقلّةُ التدريبِ على نقدِ الأسانيدِ والمتونِ التاريخيّةِ جعلت كثيرًا من المتلقّينَ عاجزينَ عن تمييزِ الروايةِ المعتبرةِ من الساقطةِ.
- الإعلامُ الرقميُّ والخوارزميّاتُ: فقد هيّأت منصّاتُ التواصلِ بيئةً خصبةً لانتشارِ المضامينِ العاطفيّةِ القصيرةِ، وعزّزت «الغُرَفَ الصدّاحةَ» التي تُحكِمُ على المتلقّي حصارَ روايةٍ واحدةٍ.
- التوظيفُ السياسيُّ المعاصرُ: إذ غدا الانتماءُ المذهبيُّ أداةَ تعبئةٍ سياسيّةٍ في غيرِ ما قُطرٍ، فاختلطَ الدينيُّ بالسياسيِّ، وصارَ المذهبُ عنوانَ ولاءٍ ونفوذٍ..
- أزمةُ الهُويّةِ وخطابُ المظلوميّةِ: فإنّ خطابَ المظلوميّةِ يجدُ في النفوسِ المتعطّشةِ للانتماءِ أرضًا قابلةً، لا سيّما عند ضعفِ البديلِ السنّيِّ الجاذبِ.
- ضعفُ المؤسّسةِ العلميّةِ السنّيّةِ المنظّمةِ: فبإزاءِ الحوزاتِ المنظّمةِ الموجّهةِ، يعاني كثيرٌ من المؤسّساتِ السنّيّةِ تشتُّتًا في الجهدِ، وضعفًا في التنسيقِ والتمويلِ.
- الخلطُ بين تعظيمِ الصحابةِ وتعطيلِ النظرِ النقديِّ: فحين يُجعَلُ الدفاعُ عن الصحابةِ بكبتِ كلِّ سؤالٍ بدلًا من العلمِ الراسخِ، ينقلبُ ذلك على عَقِبِه، ويُوهِمُ الناشئةَ أنّ في المنهجِ السنّيِّ ما يُخشى من كشفِه.
الموقف الرابع: في المعالجاتِ والبدائلِ العمليّةِ
ولا يكفي تشخيصُ الداءِ دون وصفِ الدواءِ؛ فإليكَ جملةً من المعالجاتِ، مرتّبةً على قواعدِ المنهجِ الوسطيِّ:
- تأصيلُ المحبّةِ المتوازنةِ لأهل البيتِ والصحابةِ معًا: وهذا هو المفتاحُ الأعظمُ. فإنّ خيرَ ردٍّ على غلوِّ الرافضةِ أن نُظهِرَ المحبّةَ النبويّةَ المتوازنةَ: نحبُّ أهل البيتِ وتبين أن المعني أصالة هم أزواجه كما أُمِرنا، ونحبُّ الصحابةَ كما أُمِرنا، ولا نُفرِّقُ بينهم تفريقَ المبطلينَ. فمن جمعَ قلبَه على الفريقينِ فقد أصابَ سنّةَ نبيِّه ﷺ.
- إحياءُ التعليمِ العَقَديِّ المنهجيِّ: ببناءِ مناهجَ راسخةٍ في العقيدةِ على طريقةِ الأشاعرةِ والماتريديّةِ، تُحصِّنُ الناشئةَ، وتُجيبُ عن الشبهاتِ بعلمٍ لا بانفعالٍ.
- تنقيةُ كتبِ الحديثِ والتاريخِ بالنقدِ العلميِّ العادلِ: فيُنقَّى التراثُ من الموضوعاتِ عدلًا واستقامةً؛ فكما تُردُّ الموضوعاتُ المؤيِّدةُ للتشيُّعِ، تُردُّ كذلك الموضوعاتُ ؛ فالميزانُ واحدٌ.
- تأسيسُ منهجٍ تاريخيٍّ موضوعيٍّ: يجمعُ بين التحقيقِ العلميِّ في الأخبارِ، وحفظِ مقاماتِ الصحابةِ، وحملِ أفعالِهم على أحسنِ المحاملِ؛ فلا تعطيلَ للعقلِ، ولا قدحَ في الأصحابِ.
- العدلُ مع المخالفِ: فيُردُّ على الشيعةِ بتنظيم صفوفنا و القاء الحجّةِ والبرهانِ، ؛ فإنّ العدلَ مع المخالفِ أبلغُ في إقامةِ الحجّةِ، وأقربُ إلى الشرعِ، وأنفى للتطرّفِ. ومن أنفعِ ما صُنِّفَ في تحريرِ مذهبِهم ونقضِه «منهاجُ السنّةِ النبويّةِ» للإمامِ ابنِ تيميةَ،وكتب إحسان الهي ظهير مع لزومِ ميزانِ الإنصافِ والاعتدالِ في النقلِ عنه.
- مقابلةُ الخطابِ العاطفيِّ بخطابٍ وجدانيٍّ مشروعٍ: فإنّ الرافضةَ غلبوا بالشعرِ والإنشادِ والمديحِ؛ فحريٌّ بأهلِ السنّةِ أن يُحيوا فنونَ المديحِ النبويِّ، والاحتفاءِ بأزواج النبي والصحابةِ في قوالبَ أدبيّةٍ رفيعةٍ مشروعةٍ، تُخاطبُ الوجدانَ من غيرِ غلوٍّ ولا ابتداعٍ.
- بناءُ المؤسّساتِ والإعلامِ: بإنشاءِ مؤسّساتٍ علميّةٍ منظّمةٍ، وإعلامٍ راقٍ متينٍ، ينهضُ بعبءِ النشرِ والبيانِ بكفاءةٍ.
- تكوينُ العلماءِ في فقهِ المقارنةِ والمناظرةِ: بإعدادِ علماءَ متمكّنينَ من مقارنةِ المذاهبِ، وأدبِ الحوارِ، يردّونَ الشبهاتِ بعلمٍ وحلمٍ.
- لزومُ الوسطيّةِ بين الإفراطِ والتفريطِ: وهي القاعدةُ الحاكمةُ لما تقدّمَ؛ فلا غلوَّ الرافضةِ، ولا جفاءَ النواصبِ، بل صراطُ أهلِ السنّةِ والجماعةِ المستقيمُ.
خاتمةٌ
وجِماعُ القولِ: أنّ المقالةَ أثارت قضيّةً حقيقيّةً، وأصابت في كثيرٍ من تحليلِها الاجتماعيِّ، وتحتاجُ في منطلقِها العَقَديِّ إلى تحريرٍ يصونُها من مزالقِ الجفاءِ. فإنّ علاجَ الغلوِّ لا يكونُ بغلوٍّ مضادٍّ، وإنّما بالعودةِ إلى المنهجِ النبويِّ الوسطيِّ: محبّةً لأهل بيته وازواجه خاصة والصحابةِ، وتنقيةً للتراثِ بالنقدِ العادلِ، ومقابلةً للعاطفةِ بخطابٍ وجدانيٍّ مشروعٍ. وبهذا وحدَه نُحرِزُ الحقَّ، ونسدُّ منافذَ التغلغلِ، ونحفظُ على الأمّةِ وسطيّتَها التي بها كانت خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناسِ. واللهُ أعلمُ، وصلّى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.
