بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَجَبًا لِمَنابِرَ أكثَرَتْ في مَقتَلِ سيِّدِنا الحُسَينِ القِيلَ والقالَ، وأوسَعَتْ في رِوايَتِهِ الإطنابَ والإطالَ! وما دَرَتْ أنّ الصَّحيحَ مِنهُ نَزْرٌ قليلٌ، وأنّ سائِرَهُ رِكامٌ مِنَ الكَذِبِ والتَّضليلِ. فأكثَرُ مِن تِسعينَ في المِئةِ مِن أخبارِهِ مَدارُها على أمثالِ أبي مِخنَفٍ لوطِ بنِ يحيى، مَتروكِ الحديثِ ساقِطِ العَدالةِ، مَن رَوى فأوهَمَ، وحَدَّثَ فأظلَمَ. فما شِيدَ على كَذِبٍ فإلى انهيارٍ، وما نُسِجَ مِن وَهمٍ فإلى بَوارٍ. والحَزمُ كُلُّ الحَزمِ في الإعراضِ عَنِ الخَوضِ فيما لم يَثبُتْ، والكَفِّ عَن تتبُّعِ أحداثٍ في غَياهِبِ الرِّوايةِ قَدِ انطَمَستْ وخَفَتَتْ؛ فلا نَجعَلُ مِن مَوضوعاتِها مُتونًا تُتلى، ولا مِن أوهامِها مَآتِمَ تُجلى. ثُمّ إنّ اتِّخاذَ مَقتَلٍ جَهِلْنا تفاصيلَهُ مَأتَمًا يُقامُ، وذِكرى تُحيا كُلَّ عامٍ بالنُّواحِ واللِّطامِ، لَمِن قبيحِ المُحدَثاتِ، وسَمِجِ المُبتَدَعاتِ.
فهَلّا اتُّخِذَ مِثلُهُ لِمَن هُم أعلى مَقامًا وأجَلّ؟ أينَ يومٌ لِعُمَرَ شهيدِ المِحرابِ؟ أينَ مَأتَمٌ لِعُثمانَ ذي النُّورَينِ صَريعِ الكِتابِ؟ أينَ مَناحةٌ لِحَمزةَ سيِّدِ الشُّهداءِ، ولِجَعفَرٍ ذي الجَناحَينِ في جِوارِ ذي العَلاءِ؟ وأينَ لِطَلحةَ والزُّبَيرِ حَوارِيَّيِ المُختارِ ومِنَ العَشَرةِ الأطهارِ؟ بل أينَ لأبيهِ عليٍّ زوجِ البَتولِ، ولأخيهِ الحَسَنِ رَيحانةِ الرسولِ؟ مَضَوا جميعًا كِرامًا أبرارًا، وما أقَمنا لِمَصارِعِهِم مَآتِمَ ولا أوزارًا.
فما حَمَلَ القومَ على هذا التَّخصيصِ إلّا إحدى خَلَّتَينِ: إمّا ذَوَبانٌ في هُوِيّاتِ الآخَرينَ، وانسِلاخٌ إلى شَعائرِ المُخالِفينَ؛ وإمّا تَمَلُّقٌ مَمجوجٌ، وتَزَلُّفٌ عَنِ الصِّراطِ مَعوَجٌّ. وكِلاهُما عَن نَهجِ السَّلَفِ بعيدٌ، وفي ميزانِ الشَّرعِ طَريدٌ. فيا أهلَ المَنابِرِ: وَقِّروا الحُسَينَ باتِّباعِ سُنّةِ جَدِّهِ لا بابتِداعِ ما يُخالِفُها، وأنزِلوهُ مَنزِلَتَهُ الحقَّ، بلا غُلُوٍّ يَرفَعُهُ فوقَ قَدْرِهِ، ولا جَفاءٍ يَبخَسُهُ حقَّهُ. فإنّ خيرَ ما يُهدى إلى أهلِ البيتِ إحياءُ السُّنّةِ و الثبات على هدي الصحابة الكرام . واللهُ يقولُ الحقَّ، وهو يَهدي السبيلَ.
