رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

حُكم اختلاف مكان الإمام والمأموم في صلاة الجماعة

الفقه وأصوله والنوازل٢١ دقيقة للقراءة٣٬٥٦٨ كلمة

تُعَدُّ صلاة الجماعة من الشعائر العظيمة في الإسلام، ومَعلَمًا من معالمه الظاهرة، وقد حَثَّ الشارع الحكيم عليها ورغَّب فيها، وجعلها تفضُل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. ولصحة الاقتداء بالإمام في صلاة الجماعة شروط وضوابط قررها الفقهاء استنباطًا من نصوص الكتاب والسنة وأصول الشريعة الغراء، ومن أهم هذه الشروط ما يتعلق بمكان وقوف الإمام والمأموم، وإمكان المتابعة، واتصال الصفوف.

وقد وقع بين أهل العلم خلاف وتفصيل في هذه المسألة، لا سيما مع تطور العمران واتساع المساجد، وظهور مسائل لم تكن في العصور الأولى. وفي هذا البحث، سنعرض لأقوال المذاهب الفقهية المعتبرة في هذه المسألة، مع بيان أدلتهم، وتحرير محل النزاع، وترجيح ما يقتضيه الدليل، سائلين الله التوفيق والسداد.

الأصل العام في المسألة ومحور الخلاف

اتفق الفقهاء على أن الاقتداء يقتضي المتابعة في أفعال الصلاة، والمتابعة لا تتحقق على وجهها الأكمل إلا بالعلم بحال الإمام، سواء كان ذلك برؤيته، أو رؤية من وراءه، أو بسماع صوته أو صوت المُبلِّغ. من هنا، اشترط جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة اتحاد مكان الإمام والمأموم كشرط لصحة الاقتداء، وإن اختلفوا في تفاصيل هذا الشرط وضوابطه. وعمدة مذهبهم أن الاقتداء يقتضي التبعية، والمكان من لوازم الصلاة، فتجب التبعية في المكان ضرورةً. واختلاف المكان يفضي إلى خفاء حال الإمام على المأموم، مما يتعذر معه تحقيق معنى المتابعة الذي هو جوهر الاقتداء.

بينما ذهب المالكية إلى أن اختلاف مكان الإمام والمأموم لا يمنع صحة الاقتداء بذاته، فالعبرة عندهم بإمكان متابعة الإمام وضبط أفعاله، سواء بالرؤية أو السماع، ولو حال بينهما حائل كنهر أو طريق أو جدار، ما لم يكن ذلك في صلاة الجمعة، حيث اشترطوا لانعقادها الجامع، فلا تصح في البيوت المجاورة للمسجد ولو أمكن الاقتداء. وفيما يلي تفصيل لأقوال المذاهب الأربعة مع أدلتهم وتفريعاتهم: المذهب الحنفي يرى فقهاء الحنفية أن اختلاف مكان الإمام والمأموم يُفسد الاقتداء على الصحيح من المذهب، سواء اشتبه حال الإمام على المأموم أم لم يشتبه. فالمناط عندهم هو اتحاد المكان حقيقةً أو حكمًا. وبناءً على هذا الأصل، فرَّعوا المسائل التالية: اختلاف المركوب: لا يصح اقتداء راجل براكب، أو راكب براكب آخر على دابة مختلفة، لاختلاف المكان حقيقةً. أما لو كانا على دابة واحدة، صح الاقتداء لاتحاد المكان.

الفواصل المانعة: يمنع من صحة الاقتداء وجود فاصل بين الإمام والمأموم كطريق عام تمر فيه العربات والأوقار، أو نهر عظيم لا يمكن عبوره إلا بقنطرة ونحوها، أو فضاء واسع في الصحراء. واستدلوا على ذلك بأثر مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "من كان بينه وبين الإمام نهر، أو طريق، أو صف من النساء فلا صلاة له". الحائل غير المانع: لا يمنع الحائل كالجدار الكبير من صحة الاقتداء، شريطة ألا يشتبه حال الإمام على المأموم، وذلك بأن يتمكن من متابعته بسماع صوته مباشرة، أو سماع صوت المُبلِّغ، أو برؤية أفعاله أو رؤية أحد المقتدين، ولو كان ذلك من خلال باب مشبَّك يمنع الوصول إلى الإمام. حكم المسجد الواحد: المسجد كله، على تباعد أطرافه، جُعل في حكم المكان الواحد. فيجوز الاقتداء بالإمام وإن كان المأموم في أقصى المسجد والإمام في المحراب، أو كان المأموم على سطح المسجد والإمام في صحنه. وقد استدلوا بفعل أبي هريرة رضي الله عنه، حيث صلى على سطح المسجد مقتديًا بإمام يصلي في جوفه.

وعللوا ذلك بأن سطح المسجد تابع له، وحكم التابع حكم الأصل. وهذا كله مشروط بعدم اشتباه حال الإمام. الاقتداء من خارج المسجد: لا يصح اقتداء رجل في داره بإمام المسجد إذا كانت الدار منفصلة عن المسجد بطريق أو نحوه، وذلك لاختلاف المكان حقيقةً وحكمًا. [بدائع الصنائع، ج 1، ص 145].

المذهب الشافعي

فصَّل فقهاء الشافعية في مسألة اجتماع الإمام والمأموم في المكان، وجعلوا لها ثلاثة أحوال رئيسية، يختلف الحكم في كل منها بحسب التفاصيل والضوابط التي وضعوها: الحال الأول: أن يكونا معًا في المسجد إذا كان الإمام والمأموم كلاهما في مسجد واحد، صح الاقتداء مطلقًا، سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت لكبر المسجد، وسواء اتحد بناء المسجد أم اختلف، كأن يكون أحدهما في صحن المسجد والآخر في صُفَّة أو منارة أو سرداب تابع له. ويشمل ذلك سطح المسجد وساحته، بشرط أن يكون السطح جزءًا من المسجد. أما لو كان السطح مملوكًا لشخص، فيأخذ حكم الملك المتصل بالمسجد. والضابط في اعتبار البناءين المختلفين مسجدًا واحدًا هو وجود باب نافذ بينهما، حتى لو كان مغلقًا أو مردودًا على الأصح. وأما رحبة المسجد (ساحته الخارجية)، فعدَّها الأكثرون جزءًا منه، فيصح الاقتداء فيها دون اشتراط اتصال الصفوف. [روضة الطالبين، ج 1، ص 360].

الحال الثاني: أن يكونا معًا في غير المسجد

وهذا الحال له صورتان:

  1. في الفضاء: إذا كانا في مكان فسيح كصحراء، صح الاقتداء بشرط ألا تزيد المسافة بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبًا على القول الأصح. وهذا التقدير مبني على العرف، فلا تضر الزيادة اليسيرة. وتُحسب هذه المسافة من آخر صف للمأمومين إلى الإمام أو أول صف يليه، فلو كثرت الصفوف وبلغت المسافة بين الإمام وآخر صف فرسخًا، جاز الاقتداء ما دامت المسافة بين كل صفين لم تزد على القدر المذكور. كما لا يضر وجود شارع مطروق بينهما على الصحيح.
  2. في الأبنية: إذا كانا في بناءين منفصلين، كأن يكون الإمام في بيت والمأموم في بيت آخر، أو أحدهما في صحن دار والآخر في غرفة، فإنه يُشترط اتصال الصفوف بحيث لا تبقى فرجة تسع واقفًا. أما إذا وقف المأموم خلف الإمام في بناء آخر، فالأصح جوازه إذا اتصلت الصفوف، بحيث لا يكون بين الصف في آخر البناء الأول والصف في أول البناء الثاني أكثر من ثلاثة أذرع تقريبًا.

الحال الثالث: أن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه

إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، كما لو وقف في فضاء متصل بالمسجد، فيجوز الاقتداء بالشروط التالية: ألا يوجد حائل يمنع الرؤية أو الاستطراق. ألا تزيد المسافة على ثلاثمائة ذراع، وتُحسب من آخر المسجد على الأصح. إذا حال بينهما جدار المسجد، فيُشترط وجود باب مفتوح، وأن يقف المأموم بحذاء الباب بحيث يرى الإمام أو من وراءه. فإذا وقف بعيدًا عن محاذاة الباب، لم يصح الاقتداء على الصحيح. أما لو كان الباب مغلقًا أو مردودًا، فيمنع الاقتداء لأنه يمنع المشاهدة والاستطراق. وقد ذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن جدار المسجد لا يمنع الاقتداء مطلقًا، وهو قول مرجوح في المذهب. أما إذا كان الحائل من غير جدار المسجد، فإنه يمنع الاقتداء بلا خلاف. [روضة الطالبين، ج 1، ص 360 وما بعدها]. أما إذا وقف المأموم في دار مملوكة متصلة بالمسجد، فيشترط اتصال الصفوف بأن يقف شخص في آخر المسجد وآخر في أول الدار بحيث لا يكون بينهما فاصل يسع رجلاً.

المذهب المالكي

يتميز المذهب المالكي بتيسيره في مسألة اختلاف مكان الإمام والمأموم، فلا يشترطون اتحاد المكان لصحة الاقتداء، بل المناط عندهم هو إمكان متابعة الإمام وضبط أفعاله، سواء بالرؤية أو السماع، حتى لو حال بينهما حائل كجدار أو نهر أو طريق. وهذا التيسير يظهر في عدة جوانب: عدم اشتراط اتحاد المكان: لا يرى المالكية أن اختلاف مكان الإمام والمأموم يمنع صحة الاقتداء، فلو صلى المأموم في بيت مجاور للمسجد مقتديًا بإمام المسجد، صحت صلاته إذا أمكنه متابعة الإمام. الحائل لا يمنع: وجود حائل مادي كجدار أو نهر أو طريق لا يمنع الاقتداء، ما دام المأموم قادرًا على متابعة الإمام. استثناء صلاة الجمعة: يستثنى من هذا الحكم صلاة الجمعة، حيث يشترط المالكية الجامع لصحتها، فلا تصح صلاة المأموم في بيت مجاور للمسجد مقتديًا بإمام الجمعة، لأن الجامع شرط في صحة الجمعة. [الخرشي على خليل، ج 2، ص 36]. عدم اشتراط اتصال الصفوف:

لا يشترط المالكية اتصال الصفوف خارج المسجد، بل يكفي عندهم إمكان المتابعة بالرؤية أو السماع. [الذخيرة، ج 2، ص 259]. ويستدلون على مذهبهم بأن مقصود الجماعة هو المتابعة، فإذا تحققت المتابعة، صحت الصلاة، ولا دليل صريح يمنع الاقتداء لمجرد اختلاف المكان أو وجود حائل ما دام المتابعة ممكنة.

المذهب الحنبلي

يُفصِّل الحنابلة في حكم اختلاف مكان الإمام والمأموم، ويجعلون الرؤية شرطًا أساسيًا لصحة الاقتداء خارج المسجد، ولهم في ذلك تفصيل على النحو التالي: في المسجد: إذا كان الإمام والمأموم كلاهما في المسجد، صح الاقتداء مطلقًا، حتى لو وجد حائل أو لم تتصل الصفوف، بشرط سماع تكبيرة الإحرام. وعلتهم في ذلك أن المسجد كله بني للجماعة، فكل من كان فيه فهو في محل الجماعة، فيأخذ حكم المكان الواحد. خارج المسجد: إذا كان المأموم خارج المسجد، فيشترط لصحة اقتدائه رؤية الإمام أو رؤية من وراءه من المأمومين، ولو في بعض أحوال الصلاة (كحال القيام أو الركوع)، وحتى لو كانت الرؤية من خلال شباك ونحوه. فإن لم تتحقق الرؤية، لم يصح الاقتداء ولو سمع التكبير. الفواصل المانعة: لا يصح الاقتداء إذا كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، أو طريق لم تتصل فيه الصفوف عرفًا، وذلك في الصلوات التي لا تصح في الطريق أصلًا (كالجمعة والعيدين). أما إن اتصلت الصفوف في الطريق، صحت القدوة. [كشاف القناع، ج 1، ص 579-580].

عدم اشتراط اتصال الصفوف (مع الرؤية): في رواية المذهب المعتمدة، لا يُشترط اتصال الصفوف خارج المسجد إذا تحققت الرؤية، لعدم وجود فارق مؤثر بين داخل المسجد وخارجه ما دامت المتابعة ممكنة بالرؤية. [المغني، ج 2، ص 206-209].

مقارنة وترجيح في مسألة الاقتداء من خارج المسجد

بعد عرض أقوال المذاهب، يتبين أن نقطة الخلاف الجوهرية عند عدم اتصال الصفوف بين المسجد وخارجه تدور حول الضابط المعتبر لصحة الاقتداء. ويمكن تلخيص الأقوال في الآتي: الترجيح: لكل قول من هذه الأقوال وجاهته وقوة دليله، والمسألة من مسائل الاجتهاد التي تتسع فيها الأنظار. ولعل الأقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة في اجتماع المسلمين وعدم تفريق جماعتهم هو القول الرابع الذي يجمع بين اتصال الصفوف وإمكان المتابعة. فاتصال الصفوف يحقق صورة الاجتماع المطلوبة شرعًا، والمتابعة (بالرؤية أو السماع عند الحاجة) تحقق حقيقة الاقتداء. فالأصل أن تكون الصفوف متصلة، وأن يتمكن المأموم من رؤية الإمام أو من خلفه.

فإن حالت ضرورة أو حاجة دون الرؤية (كازدحام شديد أو إغلاق أبواب المسجد)، فيُكتفى بسماع التكبير مع اتصال الصفوف، تحقيقًا لروح الجماعة وتيسيرًا على المصلين. وهذا يجمع بين الأدلة ويراعي مقاصد الشريعة. والله أعلم بالصواب. والتفصيل ينظر: الحالة الأولى: أن يكون الإمام والمأموم في المسجد ففي هذه الحال يصح اقتداء المأموم بالإمام سواءٌ أبعدت المسافة بينهما أم قربت، حال بينهما حائل أم لا (ينظر: البحر الرائق (1/ 385)، حاشية ابن عابدين (1/ 585)،المجموع (4/ 259)، نهاية المحتاج (2/ 192)، المغني (3/ 44). وهذا الأمر مجمعٌ عليه، قال النووي: (ونقل فيه أصحابنا إجماع المسلمين) ، وحكاه أيضاً بعض الحنابلة (المجموع (4/ 260)،وينظر: حاشية ابن عابدين (1/ 585). حاشية ابن قندس على الفروع (3/ 49).

وعللوا لذلك: بأن المسجدَ على تَبَاعُدِ أطْرَافِه، جُعل في الحكم كمكان واحد، فكلُّ من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة . ينظر: بدائع الصنائع (1/ 145)، المجموع (4/ 259)، المغني (3/ 44). ولكن يقال إن المسافة لو كانت بعيدة، بحيث صلى المأموم في مؤخر المسجد مع خلو ما يلي الإمام، كانت صلاته مكروهة . ينظر: مجموع الفتاوى (23/ 408). والدليل على الكراهة: أن هذا الفعلَ خلافُ السنة الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك حديث: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» قالوا وكيف تصف عند ربها؟ قال: «يكملون الأول فالأول ويتراصون في الصف» رواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة 00 وإتمام الصفوف الأُول والتراصّ فيها والأمر بالاجتماع، رقم الحديث (968).

الحالة الثانية: أن يكون الإمامُ داخلَ المسجدِ والمأمومُ خارجَهُ

ففي هذا الحال لا يخلو الأمر من حالين: الأولى: أن تكون الصفوفُ متّصلةً: فهنا يصح اقتداء المأموم بالإمام باتفاق الأئمة) . ينظر: بدائع الصنائع (1/ 145)، المغني (3/ 44).

وعلى هذا: (فإذا امتلأ المسجد بالصفوف صفوا خارج المسجد، فإذا اتصلت ١الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم) مجموع الفتاوى (23/ 407). وعللوا لذلك: بأن ذلك الموضع - الخارج - عند اتصال الصفوف، يُلحق بالمسجد . ينظر: بدائع الصنائع (1/ 145).

الحال الثانية: أن تكون الصفوفُ غيرَ متصلة. وفي هذه الحال وقع خلاف كبير بين أهل العلم في شرط صحة الاقتداء، هل يضبط بمسافة محددة أو أن المناط غير ذلك من الرؤية أو السماع ؟؟ وينبه في هذه المسألة إلى أنّ للفقهاء تفصيلات في وجود الحائل بين الإمام والمأموم، وتحديد الحائل الذي يمنع صحة الاقتداء، ينظر: حاشية ابن عابدين (584 - 586)، المجموع (4/ 260 - 261)، المغني (3/ 45 - 47).

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال كثيرة، أشهرها أربعة أقوال: القول الأول: ذهب الشافعية في المشهور عنهم إلى صحة الاقتداء؛ بشرط ألا تكون المسافةُ بينهما-أي الإمام والمأموم- تزيدُ على ثلاثمائة ذراعٍ تقريباً، وتحتسب هذه المسافة من آخر المسجد، لأن المسجد مبني للصلاة، فلا يدخل في الحد الفاصل. ينظر: الحاوي (2/ 344 - 345)، الوسيط للغزالي (2/ 231 - 232)، المجموع (4/ 260 - 261) نهاية المحتاج (2/ 192 - 193)، كفاية الأخيار (1/ 135). الدليل على هذا التقدير: هو العرف، وذلك أن العرف يعدهما مجتمعين في هذا دون ما زاد عليه، وعلى هذا فالمسافة تقريبية وليست تحديدية، فلا تضر زيادة غير متفاحشة كثلاثة أذرع وما قاربها ينظر: المجموع (4/ 260 - 261)، نهاية المحتاج (2/ 192 - 193)..

ويناقش هذا التقدير: بأن يقال: إن (التحديدات بابها التوقيف، والمرجع فيها إلى النصوص والإجماع، ولا نعلم في هذا نصاً نرجع إليه ولا إجماعاً نعتمد عليه) . المغني (3/ 45)، وينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب المالكي (1/ 302).

القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى عدم التقدير بالمسافة، بل جعلوا الضابط لصحة الاقتداء رؤية المأموم للإمام أو من وراءه، ولوكان بينهما أكثر من ثلاثمائة ذراع، ويكتفى بالرؤية في بعض الصلاة لاجميعها، ولايكتفى بسماع التكبير. ينظر: المغني (3/ 45 - 46)، الفروع (3/ 53)، شرح منتهى الإرادات (1/ 580 - 581). أدلة هذا القول: استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس رسول الله، فقام ناس يصلون بصلاته .. الحديث (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائطٌ أو سترة، رقم الحديث ... (729). وجه الدلالة منه: أنهم كانوا يرونه حال القيام فصح اقتداؤهم به، ولم ينكر عليهم فالحديث ظاهر في صحة الصلاة إذا كانت المشاهدة تحصل في بعض أحوال الصلاة (ينظر: المغني (3/ 46).

القول الثالث: ذهب المالكية والحنابلة في رواية إلى اشتراط سماع الإمام أو من وراءه، أو رؤية الإمام أو من وراءه، ولا يمنع الفاصل من صحة الاقتداء، وعلى هذا فلا يشترط اتصال الصفوف، والفرق بينهم وبين القول الثاني هو اشتراطهم السماع مع الرؤية. ينظر: الخرشي على خليل (2/ 36)،الإشراف (1/ 302)، الذخيرة (2/ 259)، جواهر الإكليل (1/ 81). المغني (2/ 20 - 21).

أدلة هذا القول: أما دليلهم على الرؤية: فاستدلوا بحديث عائشة المتقدم. وأما دليلهم على السماع: فقالوا: بالقياس على صحة الاقتداء بالرؤية، وذلك لأن المشاهدة تراد للعلم بحال الإمام، والعلم يحصل بسماع التكبير فجرى مجرى الرؤية. (ينظر: المغني (3/ 45)،الفروع (3/ 53). ونوقش: بأن القول بالعلم بحال الإمام بالسماع يجري مجرى الرؤية، غير مسلّمٍ، وذلك لأن السماع لا يقوم مقام الرؤية من كل وجه، فقد يكبر الإمام ويريد ركناً، ويعتقد المأموم أنه يريد واجباً، أو العكس، مما يؤدي إلى الاختلاف على الإمام (ينظر: الأحكام الفقهية المتعلقة بالمكان في العبادات، للشيخ فؤاد الغنيم (1/ 275 - 276).

أنه -أي السامع- أمكنه الاقتداء بالإمام، فيصح اقتداؤه به من غير مشاهدة كالأعمى (ينظر: المغني (3/ 45). ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق، وذلك لأن الأعمى موجودٌ في حقه المانع، وهذا بخلاف ما نحن فيه، إذ لا مانع في حقه، فيبقى على الأصل، وهو اعتبار الرؤية.

القول الرابع: ذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى اشتراط اتصال الصفوف، ويضاف له رؤية الإمام أو من وراءه، ولا عبرة بالرؤية إذا لم تتصل الصفوف. يلاحظ أن هذا القول لا يدخل فيما إذا لم تتصل الصفوف، وقد سبق بيان أنه إذا اتصلت الصفوف فلا خلاف.. ينظر: بدائع الصنائع (1/ 145)، حاشية ابن عابدين (1/ 584 - 588).المغني (2/ 20 - 21). قال في بدائع الصنائع: (ولو اقتدى خارج المسجد بإمام في المسجد؛ إن كانت الصفوف متصلة جاز وإلا فلا) (1/ 145). إذا تبين هذا فما ضابط اتصال الصف عند أصحاب هذا القول؟ لم أجد من ضبط الاتصال في هذه الحال إلا الحنابلة، قال ابن قدامة (معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بُعدٌ لم تَجْرِ العادةُ به، ولا يمنع إمكان الاقتداء) (المغني (3/ 45). وقيل: ألا يكون بين الصفين مكان يقوم به صف آخر (ينظر: حاشية ابن قندس على الفروع (3/ 51)، ولعل القولين متقاربان.

أدلة القول الرابع: أما دليلهم على الرؤية: فاستدلوا بحديث عائشة، وقد تقدم ذكره ووجه الدلالة منه. وأما الدليل على اشتراط اتصال الصفوف: فيقال بأن الواجب في الجماعة أن تكون مجتمعةً في الأفعال-وهي متابعة المأموم للإمام- والمكان، وإلا لقلنا بأنه يصح أن يكون إمامٌ ومأمومٌ واحدٌ في المسجد، ومأمومان آخران في حجرة بينها وبين المسجد مسافة، ولا شك أن في هذا تفريقاً للجماعة، وهذا خلاف المقصود الشرعي من الجماعة. الترجيح: لا شك أن الترجيح في هذه المسألة مما يصعب على الباحث، وذلك لأن لهذه المسألة تفصيلاتٍ وتفريعاتٍ، وهي كما قال الحافظ ابن حجر: (والمسألة ذات خلاف شهير) فتح الباري (2/ 451)،

ولعل الذي يترجح من الأقوال هو القول الرابع، وعلى هذا فلا بد من اتصال الصفوف؛ لأن الواجب في الجماعة أن تكون مجتمعةً في الأفعال والمكان، وهذا الاتصال هو الذي يتحقق به مقصود الشارع من الجماعة ، إِلاَّ أنه يقال بأن الرؤية تسقط عند الحاجة، وذلك كأن تكون أبواب المسجد مغلقة فلا يُتَمَكَّن من مشاهدة الإمام أو المأمومين ، وفي هذه الحال يشترط مع اتصال الصفوف سماعُ التكبير، حتى يكون الاقتداء بالإمام صحيحاً، ولعل هذا التفصيل هو الراجح في هذه المسألة، والعلم عند الله.

الحالة الثالثة: أن يكونا خارج المسجد

لا يختلف كلام الفقهاء ههنا عن كلامهم في المسألة السابقة، إلا أن الحنفية ذهبوا إلى أنه إذا كانت المسافة بينهما قدرَ ما يَسَعُ صفين، فإنها تمنع من صحة الاقتداء. (ينظر: بدائع الصنائع (1/ 146)،حاشية ابن عابدين (1/ 585 - 586). وعللوا لهذا التقدير: بأن الصفين بمنزلة الطريق العام، وهو مانع من صحة الاقتداء. (ينظر: بدائع الصنائع (1/ 146). الترجيح: يقال في هذه المسألة ما قيل في الترجيح في المسألة السابقة، وعلى هذا فالاتصال بينهما يضبط بما سبق ذكره، وهو أن لا يكون بينهما بُعدٌ لم تَجْرِ العادةُ به، ولا يمنع إمكان الاقتداء، وهذا مع الرؤية كما تقدم، ولا يضر الفاصل اليسير بينهما. وهذا الضابط قريبٌ مما ذكره الحنفية من اشتراط الصفين.

المسافة المعتبرة لاتصال صفوف المأمومين

يقال في هذه المسألة ما قيل في المسألة السابقة، وذلك لأن الصف الثاني يكون بالنسبة للصف الأول كمقام الصف الأول من الإمام، فالصف الأول في هذه الحال كالإمام للصف الثاني، وهكذا إلى نهاية الصفوف.

قال الإمام النووي:(ولو وقف خلفَ الإمام شخصان أو صفان، أحدهما وراء الآخر، اعتبرت هذه المسافة بين الصف الأخير والصف الأول، أو الشخص الأخير والأول، حتى لو كثرت الصفوف وبلغ ما بين الإمام والصف الأخير أميالا جاز؛ بشرط أن لا يزيد ما بين كلِّ صف أو شخص وبين من قدامه على ثلاثمائة ذراع) (المجموع (4/ 261). وقد تقدم ذكر أن الراجح في هذه المسألة هو غير ما ذكره الشافعية، وهو الاتصال مع الرؤية، وعليه فيشترط في الصف الثاني ما يشترط في الصف الأول مع الإمام، وفي هذه المسألة يكون المُشترط مع الاتصال رؤية الصف الثاني للصف الأول، وهكذا يقال بالنسبة لما بعد ذلك من الصفوف. حكم الفاصل بين صفوف المأمومين وسد الفرج:

تتصل بهذه المسألة مسألتان فرعيتان تتعلقان بالمسافة بين المصلين أنفسهم، وهما مقدار الفاصل المسموح به بين صف وآخر، ومقدار الفرجة التي ينبغي سدها داخل الصف الواحد.

أولًا: المسافة المعتبرة لاتصال الصفوف

إذا تعددت صفوف المأمومين، فإن حكم الصف الثاني مع الصف الأول، كحكم الصف الأول مع الإمام. وعلى هذا، فما اشترطه كل مذهب في المسافة أو الفاصل بين الإمام والمأموم، يُشترط مثله بين كل صفين متتاليين. فعند الشافعية، يجب ألا تزيد المسافة بين كل صفين على ثلاثمائة ذراع تقريبًا. وعند الحنابلة، يشترط أن يرى أهل الصف اللاحق أهل الصف السابق. وعند الحنفية، يجب اتصال الصفوف بحيث لا يفصل بينها طريق أو نهر، إلا أن يكون عليه صف متصل. وعند المالكية، العبرة بإمكان المتابعة، فلا يضر البعد ما لم يمنع من ضبط أفعال الصف الذي يسبقه. والراجح - كما تقدم - هو اشتراط الاتصال العرفي مع إمكان المتابعة بالرؤية، فلا يكون بين الصفين بُعدٌ فاحش لم تجرِ به العادة، بحيث يخرجان عن كونهما جماعة واحدة مجتمعة.

ثانيًا: المسافة المعتبرة لسد الفرج بين المأمومين في الصف الواحد

من السنة المؤكدة في صلاة الجماعة تسوية الصفوف والتراص فيها وسد الخلل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «أَقيموا صفوفَكم وتراصُّوا» [رواه البخاري]. ومن تمام ذلك، كراهة الصلاة بين السواري (الأعمدة) إذا كانت تقطع الصفوف، لما جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "قد كنا نَتَّقِي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".(أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي).

وهذه الكراهية إنّما هي في حق الجماعة، لا في حق المنفرد والإمام . ينظر: نيل الأوطار (3/ 235 - 236)، وأيضاً محل الكراهة عند اتساع المسجد، وعدم الحاجة للصلاة بين السواري (ينظر: التاج والإكليل (2/ 106)، كشاف القناع (1/ 494)، فتح الباري (2/ 159). وعلى هذا فيكون محل الكراهة؛ إنّما هو في حق المأمومين وعند عدم الحاجة، وسبب الكراهة كما قال الإمام أحمد: (لأنه يقطع الصف) يعني: الصلاة بين السواري. (ينظر: المبدع (2/ 93)، كشاف القناع (1/ 494) وقد اختلف الفقهاء في تقدير الفرجة التي تقطع الصف وتُخلُّ بكمال الجماعة: ذهب بعض الحنابلة إلى تقديرها بما يسع ثلاثة أذرع، وإلا فلا يثبت لها حكم القطع ولا حكم الخلل. قياسًا على أن السارية التي تقطع الصف تُقدَّر بثلاثة أذرع. وهو قول فيه نظر لعدم وجود دليل صريح على هذا التقدير. وهذا القول هو معنى قول من قال من الحنابلة: إن من وقف عن يسار الإمام، وكان بينه وبين الإمام ما يقوم فيه ثلاثة رجال، لا تصح صلاته؛ لأن الرجل يقوم في مقاربة ذراع .

(ينظر: المبدع (2/ 93)، كشاف القناع (1/ 494)، الإنصاف (4/ 459). وذهب آخرون إلى أن المرجع في ذلك هو العرف، فما عدَّه العرف فرجة واسعة تقطع الصف، ثبت له حكم القطع، وما لم يعده كذلك فلا. وهذا القول هو الأرجح، لأن التحديدات الشرعية بابها التوقيف، وما لم يرد فيه توقيف يُرجع فيه إلى عرف الناس. [المبدع، ج 2، ص كشاف القناع (1/ 494)، الإنصاف (4/ 459)93]. فالمقصود الشرعي هو تحقيق التراص والاتصال في الصف الواحد، وكل فرجة تنافي هذا المقصود عرفًا، فهي التي يُؤمر بسدها وتُكره الصلاة مع وجودها.

خاتمة

يتضح مما سبق أن مسألة اختلاف مكان الإمام والمأموم من المسائل التي فصل فيها الفقهاء تفصيلًا دقيقًا، وراعوا فيها تحقيق مقصود الشارع من إقامة صلاة الجماعة، وهو اجتماع المسلمين على هيئة واحدة، متابعين لإمام واحد. ورغم اختلاف أنظارهم في بعض التفاصيل والضوابط، إلا أنهم يتفقون على جوهر المسألة، وهو ضرورة تمكُّن المأموم من متابعة إمامه متابعة صحيحة لا لبس فيها.

والذي ينبغي للمسلم الحرص عليه هو السعي للوقوف في الصفوف الأولى المتصلة خلف الإمام، خروجًا من الخلاف، وتحصيلًا لفضيلة القرب من الإمام وإتمام الصفوف، فإن دعت حاجة للصلاة في مكان بعيد عن الإمام أو خارج المسجد، فينبغي مراعاة الضوابط التي ذكرها أهل العلم لضمان صحة الصلاة والجماعة. نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يتقبل منا صالح الأعمال.

شارك المقالة

Scroll to Top