رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

أحكام الصلاة على الكراسي: دراسة فقهية تفصيلية

الفقه وأصوله والنوازل٣٥ دقيقة للقراءة٥٬٩٧٤ كلمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الذي شرع لعباده من الدين ما يصلح به حالهم في المعاش والمعاد، وجعل الصلاة عماد الدين وقوامه، وفرضها على المسلمين في أوقات معلومات، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين. والصلاة والسلام على خاتم النبيين، محمد بن عبد الله الأمين، الذي بيّن للأمة أحكام دينها، وأوضح لها سبل الهداية، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الصلاة من أعظم الفرائض التي افترضها الله تعالى على عباده، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام الخمسة، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله. وقد أوجب الله تعالى على المسلم أن يؤديها بأركانها وواجباتها وشروطها، ومن أركانها العظيمة: القيام في الصلاة، الذي هو ركن من أركان الصلاة في حق القادر عليه.

غير أن الشريعة الإسلامية السمحة راعت أحوال المكلفين، ورفعت الحرج عن المعذورين، فأباحت لمن عجز عن القيام أن يصلي جالساً، ولمن عجز عن الجلوس أن يصلي على جنبه، وهكذا. وفي عصرنا الحاضر، انتشرت ظاهرة الصلاة على الكراسي في المساجد، لا سيما بين كبار السن والمرضى والعاجزين عن القيام، مما استدعى بحث أحكامها الفقهية، وبيان ضوابطها الشرعية، ومعالجة ما استجد من مسائلها المعاصرة.

وقد جاءت هذه الدراسة لتسلط الضوء على أحكام الصلاة على الكراسي الفقهية بأسلوب علمي رصين، يجمع بين التأصيل الشرعي والتطبيق العملي، مع عرض أقوال المذاهب الفقهية الأربعة، والترجيح بينها بالدليل، ومعالجة المسائل المستجدة التي لم تكن معروفة في الماضي.

الفصل الأول: القيام في الصلاة - حكمه ومكانته

المبحث الأول: القيام ركن من أركان الصلاة

اتفق الفقهاء على أن القيام في الصلاة ركن من أركانها في حق القادر عليه، وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع. الأدلة من القرآن الكريم: قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. وهذا أمر صريح بالقيام في الصلاة، والأمر يقتضي الوجوب. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. قال المفسرون: المراد بذلك الصلاة، وذكر القيام أولاً يدل على أنه الأصل. الأدلة من السنة النبوية: روى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقيام أولاً، ثم رخص في الجلوس عند العجز، مما يدل على أن القيام هو الأصل، وأنه ركن لا يسقط إلا بالعجز. الإجماع:

نقل الإمام النووي رحمه الله الإجماع على أن القيام ركن في الصلاة المفروضة في حق القادر عليه، فمن تركه مع القدرة عليه بطلت صلاته.

المبحث الثاني: القيام شرط لتكبيرة الإحرام

اتفق الفقهاء على أن القيام شرط لصحة تكبيرة الإحرام في الصلاة المفروضة، فلا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام حال القيام، إلا لمن عجز عن القيام. قال الإمام النووي في المجموع: "أجمع المسلمون على أن من قدر على القيام في الفريضة لم تصح صلاته من قعود". وهذا يدل على عظم شأن القيام في الصلاة، وأنه ليس مجرد واجب يمكن تركه، بل هو ركن لا تصح الصلاة بدونه في حق القادر. وهيئة القيام لمن يصلي قائماً: هي أن ينتصب المصلي في صلاته قائماً، وشرط الفقهاء لهذا القيام أن ينصب فَقاره، والفقار بفتح الفاء خرزات الظهر، فإن وقف منحنياً أو مائلاً بحيث لا يسمى قائماً لم يصح لتركه الواجب بلا عذر. (المحيط البرهاني 2/265، وفتح القدير 2/3، والبحر الرائق 2/198، وحاشية ابن عابدين 2/683). وإذا لم يستطع المريض القيام إلا بالاتكاء على عصا، أو الاستناد أو نحوهما، فإنه يتعين عليه ذلك، ولا يجوز له والحال هذه الصلاة قاعداً، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

(ينظر: المحيط البرهاني 2/265، وفتح القدير 2/3، والبحر الرائق 2/198، وحاشية ابن عابدين 2/683.عقد الجواهر الثمينة 1/101، والذخيرة 2/161، وجامع الأمهات ص95. البيان 2/444، المجموع 4/310، ومغني المحتاج 1/154. المغني 2/571، والفروع 3/67، والإنصاف 5/5، وشرح منتهى الإرادات 1/590.)

الفصل الثاني: الرخصة في ترك القيام

المبحث الأول: الفرق بين صلاة الفرض والنافلة

حكم الجلوس في النافلة

أجمع الفقهاء على أن الجلوس في النافلة جائز وإن كان قادراً على القيام، لكن أجره على النصف من أجر القائم. روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ». وفي رواية البخاري وغيره «من صلى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد» وقد دلَّ الإجماع أيضاً على صحة صلاة المتنفل قاعداً مع قدرته على القيام، ذكره ابن عبدالبر وابن قدامة والنووي. ينظر: الاستذكار 5/408 – 409، المغني 2/567، المجموع 2/275. فالمريض في صلاة النافلة يكتفي بأدنى المشقة ليكتب له الأجر كاملاً ، بينما في الفرض لا يصح إلا بتحقق وجود المشقة ؛ وسبب الظهور أن الشارع الحكيم يتسامح في النافلة ما لا يتسامح في الفرض ، وبناء على هذا فقد قعّد الفقهاء قاعدة فقهية استنباطية من أدلة الشارع ونصوا عليها بقولهم: (النفل أوسع من الفرض) ينظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص154:

حيث دلت النصوص على جواز صلاة النافلة على الراحلة وعدم استقبال القبلة ونحو ذلك..

حكم الجلوس في الفرض

أما في الفريضة، فلا يجوز الجلوس إلا لعذر، وإلا بطلت الصلاة. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.

المبحث الثاني: الأعذار المبيحة للجلوس في الصلاة

اتفق الفقهاء على أن العجز عن القيام عذر مبيح للجلوس في الصلاة، سواء كان العجز كلياً أو جزئياً. والأعذار المبيحة للجلوس تشمل:

  1. المرض الذي يمنع من القيام أو يشق معه القيام مشقة شديدة
  2. الكبر والشيخوخة التي تضعف البدن عن القيام
  3. الخوف من زيادة المرض أو تأخر الشفاء بسبب القيام
  4. الخوف من السقوط أو الدوار الشديد
  5. الألم الشديد في الظهر أو الركبتين أو القدمين
  6. الضعف الشديد الذي لا يستطيع معه الإنسان القيام وقد دل على ذلك حديث عمران بن حصين المتقدم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فإن لم تستطع فعلى جنب »(البخاري وابوداود والترمذي). حكى ابن المنذر بقوله: (وأجمع أهل العلم على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي جالساً) فقد قال ابن رشد: (أجمع العلماء على أن المريض مخاطب بأداء الصلاة، وأنه يسقط عنه فرض القيام إذا لم يستطع ) بداية المجتهد 1/343.

والمقصود بالمرض الذي يبيح للمسلم تغيير هيئة الصلاة معه، هو عجزه عن أداء الأركان العملية، كالقيام والركوع والرفع منه والسجود والاعتدال منه، أو الجلوس بين السجدتين، أو الجلوس للتشهد، أما الأركان القولية فالإتيان بها على العموم متيسر لكل مصلٍ. وضابط جواز الصلاة قاعداً: (إذا كان المريض إذا صلى قائماً ازداد المرض أو اشتد عليه، أو تأخر البرء –أي شفاء المرض- صلى قاعداً، وبيان هذا الضابط: أنه من كان عاجزاً عن القيام، أو تلحقه مشقة فادحة لو صلى قائماً فإنه يشرع له القعود) ينظر: الإشراف على مذاهب العلماء 2/212. وزاد بعض الشافعية ضابطاً فقالوا: (إن من المشقة التي تلحق المريض أن تذهب بخشوعه) ينظر: المجموع 4/310، 311، والنجم الوهاج 2/100. وهيئة القعود لمن يصلي قاعداً:

إذا صلى المريض قاعداً لعدم تمكنه من القيام للصلاة، أي إذا كان القعود بدلاً عن القيام أي في حال القراءة، وكذا في حال ركوعه وسجوده وقعوده وتشهده فلا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يشترط للقعود في الصلاة هيئة معينة، بل يجلس من يصلي من قعود كيفما شاء متربعاً أو مفترشاً رجليه، وأن ذلك يجزئه . ينظر: بدائع الصنائع 1/506، وعقد الجواهر الثمينة 1/101، والنجم الوهاج 2/100، وكشاف القناع 3/250. إلا أن جمهور الفقهاء من المالكية، والحنابلة، ورواية عن أبي حنيفة قال بها صاحباه، وهو قول للشافعييرون أن الأفضل له الصلاة متربعاً. ينظر: الشرح الصغير 1/360، والفروع 3/67، وحاشية ابن عابدين 2/683، ومغني المحتاج 1/154.

المبحث الثالث: ضابط العجز المبيح للجلوس

اختلف الفقهاء في ضابط العجز المبيح للجلوس على قولين: القول الأول: يكفي مطلق المشقة ذهب بعض الفقهاء إلى أن مطلق المشقة يبيح الجلوس، ولو كان قادراً على القيام مع مشقة. واستدلوا بأن الشريعة جاءت برفع الحرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].

القول الثاني: لا بد من العجز الحقيقي أو المشقة الشديدة

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز الجلوس إلا عند العجز الحقيقي عن القيام، أو المشقة الشديدة التي لا تحتمل عادة. واستدلوا بأن القيام ركن من أركان الصلاة، والأركان لا تسقط إلا بالعجز الحقيقي، لا بمجرد المشقة اليسيرة. الترجيح: الراجح هو القول الثاني، وهو أن الجلوس لا يباح إلا عند العجز الحقيقي أو المشقة الشديدة، وذلك لقوة أدلته، ولأن القيام ركن عظيم لا يسقط بمجرد المشقة اليسيرة.

غير أن المشقة الشديدة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فما يشق على شخص قد لا يشق على آخر، والمرجع في ذلك إلى غالب ظن المصلي نفسه، فإن غلب على ظنه أنه لا يستطيع القيام، أو أن القيام يضره، جاز له الجلوس. فإذا كان المريض قادراً على القيام مع العجز عن الركوع والسجود، فإنه في هذه الحال يلزمه القيام، ويركع ويسجد على حسب قدرته وطاقته، وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة. ينظر: عقد الجواهر الثمينة 1/101، المُذْهَب في ضبط مسائل المَذْهب 1/253، المجموع 4/3، تحفة المحتاج 2/182، المغني 2/572، الفروع 3/78، كشاف القناع 3/255.

الفصل الثالث: أحوال أداء الصلاة على الكرسي

المحور الأول: أحوال المصلي على الكرسي

الصلاة على الكرسي، يتناول سبعة أحوال: الحالة الأولى: أن المصلي لا يستطيع القيام على هيئته ولا الركوع ولا السجود على هيئتهما، أي لا يستطيع أن يباشر الأرض بوجهه، كالمرضى الذين يعانون من آلام في الرجلين أو الركبتين أو فقرات الظهر، أو من كبار السن ونحو ذلك من الأمراض. ففي هذه الحال يشرع له الصلاة على الكرسي في جميع أحوال الصلاة؛ لأنه غير مستطيع لما جاء في حديث عمران بن حصين –رضي الله عنهما-، حيث قال له النبي صلى الله عيه وسلم: «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً»، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وأحوال صلاته كصلاة القاعد الذي يركع ويسجد بالإيماء. الحال الثانية: أنه يستطيع القيام لكنه لا يستطيع الركوع والسجود على هيئتهما، أي لا يستطيع مباشرة الأرض في حال سجوده، فيجب في حقه القيام. أما في حال الركوع والسجود فإنه يشرع له الجلوس على الكرسي، كما سبق بيان ذلك . وعلى هذا يفهم من السياق أن من صلى على الكرسي قاعداً في حال القيام وهو يستطيع القيام فصلاته باطلة.

الحال الثالثة: أن لا يستطيع القيام لكنه يستطيع أن يأتي بالركوع والسجود، أي يستطيع أن يأتي بالركوع على هيئته وبالسجود على هيئته بمباشرة الأرض. ففي هذه الحال يشرع له الجلوس على الكرسي في حال القيام، أما في حال الركوع والسجود فإنه يجب عليه أن يأتي بهما على هيئتهما، لأنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا يشرع له الإيماء بالركوع والسجود كما سبق ذكره. قال ابن هبيرة: (واتفقوا على أن الانحناء حتى تبلغ كفاه ركبتيه مشروع في الركوع) ثم قال: (واتفقوا على أن السجود على سبعة أعضاء مشروع، وهي: بوادر الوجه واليدان والركبتان وأطراف أصابع الرجلين) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح 1/131.. وعلى هذا يفهم من السياق أن من صلى على الكرسي قاعداً في حال القيام كما هو مشروع له؛ لأنه غير مستطيع، ثم جعل ركوعه وسجوده قعوداً على الكرسي. –بمعنى أنه لم يأتِ بالركوع والسجود على هيئتهما وإنما أتى بهما إيماء- فإن صلاته باطلة وتجب عليه الإعادة لتركه ركني الركوع والسجود على هيئتهما.

الحال الرابعة: أن لا يستطيع القيام والسجود على هيئتهما ولكنه يستطيع أن يأتي بالركوع على هيئته، فإن في هذه الحال يشرع له الجلوس على الكرسي في حال القيام والسجود، ويكون سجوده إيماءً، أما في حال الركوع فإنه يأتي به على هيئته، وعلى هذا يفهم من السياق أن من ركع وهو جالس على الكرسي إيماء وهو قادر على الركوع على هيئته فإن صلاته باطلة لتركه ركناً من أركان الصلاة. الحال الخامسة: أن يستطيع القيام والركوع على هيئتهما، لكنه لا يستطيع السجود على هيئته فإنه في هذه الحال يشرع له الجلوس على الكرسي عند السجود فقط، أما في حال القيام والركوع، فينبغي أن يأتي بهما على هيئتهما، فيصلي قائماً، ويركع من قيام ، فإذا حان وقت السجود شرع له الجلوس على الكرسي؛ لعدم استطاعته مباشرة الأرض، وعلى هذا فمن جلس على الكرسي في حال القيام أو الركوع أو فيهما معاً فإن صلاته باطلة ؛ لكونه ترك ركناً من أركان الصلاة.

الحال السادسة: أن لا يستطيع القيام ولا الركوع ولكنه يستطيع السجود على هيئته أي أن يباشر الأرض بسجوده، ففي هذه الحال يشرع له الجلوس على الكرسي في حال القيام والركوع، لكنه في حال السجود يجب عليه أن يباشر الأرض بسجوده، وإن كان الأفضل له في هذه الحال أن يصلي قاعداً على الأرض بدلاً من الكرسي؛ لأن في هذا إعانة على خشوعه في صلاته وأقرب إلى الأرض في حال مباشرة السجود، وعلى هذا يفهم من السياق أن من صلى قاعداً على الكرسي في حال القيام والقعود كما هو مشروع له لأنه غير مستطيع، ثم جعل سجوده إيماء في حال جلوسه على الكرسي، فإن صلاته باطلة؛ لتركه ركن السجود على هيئته، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: »أمرت أن أسجد على سبعة أعظم«(الشيخان).

الحال السابعة: أن يكون المصلي على الكرسي عاجزاً عن الجلوس للتشهد الأول والأخير، والجلوس بين السجدتين، قادراً على غيره من الأركان؛ فيجب عليه أن يأتي بالأركان على هيئاتها من القيام والركوع والسجود، فإذا حان وقت الجلوس للتشهد أو الجلوس بين السجدتين جلس على الكرسي. وعلى هذا يفهم من السياق أنه إذا أدى الصلاة في جميع هيئاتها على الكرسي، فصلاته باطلة لعدم الإتيان بأركان الصلاة على وجهها المشروع. وخلاصة الكلام: أن من كان معذوراً في ترك القيام، فلا يبيح له عذره هذا الجلوس على الكرسي لركوعه وسجوده. وإذا كان معذوراً في ترك الركوع والسجود على هيئتهما فلا يبيح له عذره هذا عدم الإتيان بالقيام على هيئته المشروعة. فالقاعدة في واجبات الصلاة: أن ما استطاع المصلي فعله، وجب عليه فعله، وما عجز من فعله سقط عنه. ومن عجز عن القيام والركوع والسجود وصلى على الكرسي فلا حرج في ذلك لقول الله سبحانه وتعالى: ﭽ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﭼ سورة التغابن، الآية: 16.، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

ويضع المصلي يديه على ركبتيه في حال الركوع، أما في حال السجود فالواجب أن يجعلهما على الأرض إن استطاع، فإن لم يستطع جعلهما على ركبتيه، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة وأشار إلى أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين»(الشيخان).

المحور الثاني: مسائل متفرقة

المبحث الأول: أداء المنفرد صلاته على الكرسي

إذا صلى المنفرد على الكرسي لعذر شرعي، فصلاته صحيحة بإجماع الفقهاء، سواء كان في بيته أو في المسجد. ويشترط لصحة صلاته على الكرسي:

  1. وجود العذر الشرعي الذي يبيح له الجلوس
  2. أن يأتي بأركان الصلاة بقدر استطاعته
  3. أن يحاول الركوع والسجود ولو بالإيماء إن لم يستطع

المبحث الثاني: تعوّد المأموم في صلاة الفريضة على الكرسي

هذه مسألة مستجدة، وهي: ما حكم من تعود على الصلاة على الكرسي في صلاة الفريضة، مع أنه قد يكون قادراً على القيام في بعض الأحيان؟

القول الأول: لا يجوز التعود على الكرسي إلا لعذر دائم

ذهب بعض المعاصرين إلى أن التعود على الصلاة على الكرسي لا يجوز إلا لمن كان عذره دائماً أو غالباً، أما من كان عذره عارضاً فلا يجوز له أن يتعود على الكرسي. واستدلوا بأن القيام ركن، والأركان لا تسقط إلا بالعجز، فإذا زال العجز وجب القيام.

القول الثاني: يجوز إذا كان العذر متكرراً

ذهب آخرون إلى أنه يجوز التعود على الكرسي إذا كان العذر متكرراً، ولو لم يكن دائماً، وذلك تيسيراً على المصلي. الترجيح: الراجح أن المصلي يرجع إلى حاله في كل صلاة، فإن كان قادراً على القيام وجب عليه القيام، وإن كان عاجزاً جاز له الجلوس، ولا يجوز له أن يتعود على الكرسي مع القدرة على القيام.

المبحث الثالث: الضابط فيما يلزم المصلي على الكرسي من أركان الصلاة وواجباتها

اتفق الفقهاء على أن المصلي على الكرسي يلزمه أن يأتي بما يستطيعه من أركان الصلاة وواجباتها، وما عجز عنه سقط عنه. والضابط في ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». فإذا كان المصلي قادراً على القيام في تكبيرة الإحرام فقط، ثم يجلس، وجب عليه ذلك. وإذا كان قادراً على الركوع دون السجود، وجب عليه الركوع وأومأ بالسجود. وهكذا.

المبحث الرابع: قرب المصلّي على كرسيّ من الإمام، إذا كان من أولي الأحلام والنهى

اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم تقديم المصلي على الكرسي إلى الصف الأول، إذا كان من أهل العلم والفضل: القول الأول: يُقدم إلى الصف الأول ذهب بعض الفقهاء إلى أن المصلي على الكرسي من أهل العلم والفضل يُقدم إلى الصف الأول، لأن السنة تقديم أولي الأحلام والنهى إلى الصفوف الأولى، كما في حديث: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى».

القول الثاني: لا يُقدم، بل يبقى في مكانه

ذهب آخرون إلى أن المصلي على الكرسي لا يُقدم إلى الصف الأول لمجرد كونه من أهل العلم، بل يبقى في المكان المناسب له، لأن تقديمه قد يؤدي إلى إزعاج المصلين أو قطع الصف. الترجيح: الراجح أن الأمر يرجع إلى المصلحة، فإن كان تقديمه لا يؤدي إلى إزعاج أو قطع صف، فلا بأس بتقديمه، وإلا فالأولى أن يبقى في مكان مناسب.

المبحث الخامس: حكم جعل المصلّين على الكراسي في صفّ واحد

اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم جعل المصلين على الكراسي في صف مستقل: القول الأول: يجوز جعلهم في صف واحد ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين إلى أنه يجوز جعل المصلين على الكراسي في صف واحد، وأن صلاتهم صحيحة كاملة، وهو الظاهر من عموم أدلة الشريعة، ولم يأتِ على نزاع في ذلك، ولا على نصّ من كتاب أو سنّة يفيد تحريم أو كراهة إفراد المصلّين على الكراسي ونحوها في صفّ واحد، أو صفّين. واستدلوا بما يلي:

  1. عدم وجود دليل على المنع: لا يوجد نص شرعي يمنع من جعل المصلين على الكراسي في صف واحد.
  2. التيسير على المصلين: جعلهم في صف واحد يسهل عليهم الدخول والخروج، ويمنع إزعاج المصلين القائمين.
  3. عدم قطع الصف: إذا كانوا في صف مستقل، لم يقطعوا صفوف القائمين.

القول الثاني: الأولى دمجهم مع القائمين

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأولى دمج المصلين على الكراسي مع القائمين في الصفوف، لأن ذلك أقرب إلى تحقيق معنى الجماعة. الترجيح:

الراجح هو القول الأول، وهو جواز جعل المصلين على الكراسي في صف واحد، لقوة أدلته، ولما فيه من التيسير على المصلين.

أما إن كانوا في الصفّ الأول الذي يلي الإمام، فالأولوية لمن اتصف بـ(أولي الأحلام والنهى) دون غيره، سواء كان المتصف بهما من المصلّين على الكراسي أو غيرهم، لأن المتصف بتينيك الصفتين أنفع للإمام والمأمومين، وإن تساووا في وجود الصفتين، أو عدمهما، فالأولوية حينئذٍ للذين يصلون قياماً، لأنهم يرجحون على العاجزين عن القيام ونحوه بإمكانية استخلاف الإمام لبعضهم عند ضرورته للخروج من الصلاة.

المبحث السادس: حكم إمامة المصلّي على الكرسي

اختلف الفقهاء في حكم إمامة المصلي على الكرسي على قولين: القول الأول: تصح إمامته مطلقاً ذهب الشافعية وبعض الحنابلة إلى أن إمامة المصلي على الكرسي صحيحة سواء كان المأمومون قادرين على القيام أم لا.

واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه، أنهم أذنوه بالصلاة مراراً، وهو يقول: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ»، إلى أن قالت: وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يُهادى بين رجلين كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض، فلمّا رأى أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه: أن صَلِّ، فتأخر أبو بكر رضي الله عنه وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، وأبو بكر يسمع الناس التكبير.

ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى بأصحابه جالساً حينما أقعده المرض، فدلّ الحديث على صحّة إمامة العاجز عن القيام والركوع والسجود بغيره من الأصحّاء، وعلى صحّة إمامة من كان عاجزاً عن بعضها من باب أولى.

القول الثاني: لا تصح إمامته بالقادرين على القيام

ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا تصح إمامة المصلي على الكرسي بمن يقدر على القيام، وإنما تصح إمامته بمثله من العاجزين. واستدلوا بأن الإمامة فرع عن صحّة الصَّلاة، ولا ريب في صحّة صلاة القاعد على الأرض، أو الكرسي متى اقتضى حال المصلّي ذلك، فيلزم من صحّة صلاته: صحّة إمامته، ولا يستثنى من هذه القاعدة إلاّ المرأة، فإنّه لا يصحّ أن تكون إماماً للرّجُل، مع صحّة صلاتها لنفسها؛ لأنّها من جنس آخر. الترجيح: الراجح هو القول الأول، وهو صحة إمامة المصلي على الكرسي مطلقاً، لقوة أدلته.

المبحث السابع: مدى اعتبار العجز عن القيام ونحوه عذراً مسقطاً لحضور الجمعة والجماعة

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: صحّة صلاة القادر على القيام والركوع والسجود خلف العاجز عن تلك الأركان ذهب الشافعية إلى صحة صلاة القادر على القيام والركوع والسجود خلف العاجز عن تلك الأركان أو عن بعضها، سواء صلّى الإمام جالساً على الأرض، أو على كرسيّ ونحوه، وهذا قال الشافعية، وهو اختيار كثير من فقهاء العصر. واستدلوا على ذلك بما يلي:

الدليل الأول: حديث عائشة رضي الله عنها في مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه، أنهم أذنوه بالصلاة مراراً، وهو يقول: «مروا أبا بكر فليصلّ»، إلى أن قالت: وخرج النبي صلى الله عليه وسلم يُهادى بين رجلين كأني أنظر إليه يخط برجليه الأرض، فلمّا رأى أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه: أن صَلِّ، فتأخر أبو بكر رضي الله عنه وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، وأبو بكر يسمع الناس التكبير.

الدليل الثاني: حديث أنس رضي الله عنه قال: «سَقَطَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا... إلى أن قال: وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ». ووجه الاستدلال: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر الأئمّة بوجوب متابعة الإمام في هيئة الصلاة كيفيّا فعلها الإمام، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: وإذا صلّى قاعداً فاستخلفوا غيره من يقدر على القيام، فدلّ على صحّة الصلاة خلف الجالس؛ لعجزه عن القيام ونحوه؛ لوجود البدل الذي يقوم مقام المبدل حال قيام العذر. الدليل الثالث: أنّ مَنْ صحّتْ صلاتُهُ صحّتْ إمامتُهُ، فالإمامةُ فَرْعٌ عن صحّة الصَّلاة، ولا ريب في صحّة صلاة القاعد على الأرض، أو الكرسي متى اقتضى حال المصلّي ذلك.

القول الثاني: بطلان صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه

ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى بطلان صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه، أو عن غيره من الأركان إلاّ بعذله؛ لتساويهما في العلّة، واستثنوا صحّة إمامة العاجز عن القيام بقادر عليه بشرطين: الشرط الأول: أن يكون العاجز عن القيام إمام الحيّ؛ أي: الإمام الراتب الدائم لمسجد حيّة. الشرط الثاني: أن تكون عليه مرجوة الزوال، كالذي يطرأ عليه وجع يرجى زواله في ظهره أو ركبتيه، فعندما يصح أن يؤمّ أهل الحيّ وإن كان عاجزاً عن القيام. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واستدلوا لقولهم بدليلين: الدليل الأول: أنّ العاجز عن القيام ونحوه: معذور في نفسه، وغيره ليس معذوراً، فعذر المعذور لا يتعدّى إلى غيره، وإذا فلا يؤمّ العاجز عن القيام ونحوه من ليس بعاجز عن شيء منها. الترجيح: بعد عرض القولين، وأدلّة كلّ منهما ظهر لي: رجحان القول بصحّة الصلاة في الأرض المغصوبة؛ وذلك لقوة أدلّته وتعليلاته، وضعف أدلّة القول المقابل، والله أعلم.

وبناءً على ما تقدّم بحثه ورجحانه في هاتين المسألتين: فإنّ ما جرى فيهما من الخلاف فإنه يجري في مسألة الصلاة على الكرسيّ المصنوع من أحد النقدين، أو الموه بهما، وما رُجّح فيهما يكون هو الراجح في مسألة الصلاة على الكرسيّ المذكور؛ للأدلّة التعليلات ذاتها؛ والله تعالى أعلم.

المبحث الثامن: المصافة على الكرسي

كيفية مصافة من يؤدي الصلاة كاملة على الكرسي

المطلب الأول: حكم المصافة وضابطها

إذا كان المصلي يؤدي صلاته كاملة على الكرسي، من تكبيرة الإحرام إلى التسليم، فإن العبرة في مصافته بموضع جلوسه، أي بمقعدته، لا بقدميه ولا برأسه. وقد اتفق الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على: أن العبرة في المصافة للمأمومين حال القيام: بالعَقِب، الذي هو مؤخر القدم، وليس بالكعب، وقالوا: لا يضرّ تقدم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، والمعتبر: التساوي بالعَقِب. بناءً على ما تقدم، فإن كيفية وضع الكرسي في هذه الحال هي: أن توضع أرجل الكرسي الخلفية مصافة لأرجل القائمين في الصف، بحيث يحاذي الصف بموضع جلوسه، فلا يتقدم ولا يتأخر بمقعدته عن الصف؛ لأن المقعدة هي الموضع الذي يستقر عليه البدن حال الجلوس، كما تستقر الأقدام حال القيام. وعلى هذا الوضع، فلن يؤثر المصلي على الكرسي على من يصلي خلفه، لأن الكرسي لا يتأخر عن الصف، فلا يعيق من خلفه في الركوع والسجود.

التأصيل الفقهي لهذه المسألة

استدل الفقهاء على أن العبرة بالمقعدة في حال الجلوس بما يلي:

الدليل الأول: أن المقعدة هي الموضع الذي يستقرّ عليه البدن في حال إبدال القيام بالجلوس عند وجود العذر، كما يستقرّ على الأقدام حال القيام في الصلاة، عند عدم العذر.

الدليل الثاني: أن القاعدة الفقهية تقول: "البدل له حكم المُبدل"، فهي شاملة للصلاة وغيرها. فلما كان الجلوس بدلاً عن القيام، أخذ حكمه في المصافة، فكما أن العبرة بالعَقِب حال القيام، فالعبرة بالمقعدة حال الجلوس. ينظر:.فتح القدير لكمال ابن الهمام (22/ 111).الجوهرة النيرة (1/ 176-175).المحيط البرهاني (1/ 176-175).اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الغنيمي الميداني (1/ 163).الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية (1/ 86)الفواكه الدواني (1/ 591-594)كفاية الأخيار (1/ 136).شرح منتهى الإرادات (1/ 279).الروض المربع (1/ 257)حاشية الروض لابن قاسم (3/ 317)

المطلب الثاني: كيفية مصافة من يجلس على الكرسي محل الركوع والسجود

بيان الحال المقصودة

المراد بهذا المطلب: بيان كيفية المصافة في الحال التي يكون فيها المصلي قادراً على القيام في صلاة الجماعة، لكنه عاجز عن الركوع، أو السجود، أو عنهما معاً، فيضطرّ للجلوس على الكرسي مكانها، أو مكان أحدهما، ويومئ بما عجز عنه منهما إيماءً، وهو جالس على كرسيه.

حكم المصافة في هذه الحال

اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على: أن الاعتبار في المصافة للمأمومين حال القيام: بالعَقِب، الذي هو مؤخر القدم، وليس بالكعب. وقالوا: لا يضرّ تقدم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، والمعتبر: التساوي بالعَقِب. وبناءً على ذلك، فإن العبرة بالمصافة في هذه الحال هي القيام، فيحاذي الصف عند قيامه، وعليه فيجوز له التأخر عن الصف حين جلوسه على الكرسي لأجل الركوع أو السجود أو الجلوس بين السجدتين أو التشهد.

كيفية وضع الكرسي في هذه الحال

فأمّا كيفية المصافة وحكمها حال القدرة على القيام، فقد اتفق الفقهاء على: أن الاعتبار في المصافة للمأمومين حال القيام: بالعَقِب، الذي هو مؤخر القدم، وليس بالكعب، وقالوا: لا يضرّ تقدم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، والمعتبر: التساوي بالعَقِب. وعليه، فإن كيفية وضع الكرسي في هذه الحال تختلف باختلاف الأحوال: الحال الأولى: إذا كان الكرسي لا يؤثر على من يصلي في الصف الخلفي إذا كان الكرسي لا يؤثر على من يصلي في الصف الخلفي، إما لعدم تقارب الصفوف من بعضها، وإما لكونه يصلي في الصف الأخير أو نحو ذلك، فإنه: توضع أرجل الكرسي الأمامية محاذية لأرجل المصلين، لأن العبرة بالمصافة هي القيام –كما سبق بيانه-.

الحال الثانية: إذا كان تأخير الكرسي يضر بالمصلي في الصف الخلفي

أما إذا كان تأخير الكرسي يضر بالمصلي في الصف الخلفي، فالذي يظهر -والله أعلم- أن: يقدم الكرسي وتجعل أرجله الخلفية محاذية لأرجل القائمين في الصف الذي هو فيه، ولا بأس بتقدمه عن الصف حال القيام.

التعليل الفقهي لتقديم الكرسي عند الضرورة

وذلك لأن الضرر المترتب على تأخيره للكرسي أعظم من عدم محاذاته للصف الذي هو فيه، وذلك لما يلي:

أولاً: أن من يصلي خلفه سيجد صعوبة بالغة في الركوع والسجود، مما يضطره للتأخر عن الصف، كما يؤثر على من خلفه كذلك.

ثانياً: أن بعض المصلين قد يترك المكان خالياً كما هو مشاهد في بعض المساجد، لأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلف صاحب الكرسي المتأخر لأنهم يتأذون بذلك، وهذا فيه قطع للصفوف، وعدم تسوية لها.

ثالثاً: أن الضرر يجب إزالته لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وتقديم الكرسي يزيل هذا الضرر.

رابعاً: أن القاعدة الفقهية تقول: "البدل له حكم المُبدل"، فهي شاملة للصلاة وغيرها.

ينظر:.المحيط البرهاني (1/ 176-175).الجوهرة النيرة (ص: 294).المدونة الكبرى (1/ 278-282)4.كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (1/ 136).وأسنى المطالب (1/ 222)ارشاد السالِكِ (ص: 41)تحفة المُحْتَاجِ (2/ 157)المُغْنِي لابن قُدَامَة المَقْدِسِيِّ (1/ 444)مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (8/ 437)شَرْحُ مُنْتَهَى الإِرَادَاتِ (1/ 279)المَوْسُوعَةُ الفِقْهِيَّةُ الكُوَيْتِيَّةُ (6/ 21)الخُلاَصَةُ فِي فِقْهِ الأَقْلِيَّاتِ (4/ 30) شرح منتهى الارادات.للشيخ منصور البهوتي (1/ 279) الفواكه الدواني (2/ 592)نهاية الأخيار في حل غاية الاختصار (1/ 136).الروض المربع (1/ 257).حاشية الروض المربع لابن قاسم (3/ 317).الشرح الكبير لابن قدامة (2/ 43)

المطلب الثالث: كيفية مصافة المأموم على الكرسي في صلاة الفريضة - تفصيل وتطبيق

اولا: كيفية مصافة المأموم إذا صلى قاعداً محل القيام في صلاته كلها

اتفق فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على: أن من جاز له الجلوس على القيام من صلاته كلها: فإن العبرة في مصافته خلف الإمام: أن يحاذي الصفّ بمقعدته، لا بأقدامه. قال في شرح منتهى الإرادات: «فإن صلّى قاعداً فالاعتبار بالأليَة؛ لأنها محلُّ القعود، حتى لو مدَّ رجليه وقدَّمهما على إمامه لم يضرَّ ....؛ لعدم اعتداده عليها». واستدلوا: بأنَّ المقعدة هي الموضع الذي يستقرُّ عليه البدن في حال إبدال القيام بالجلوس عند وجود العذر، كما يستقرُّ على الأقدام حال القيام في الصلاة، عند عدم العذر. وبناءً على ذلك، فإن كيفية وضع الكرسي في هذه الحال: أن توضع أرجل الكرسي الخلفية مصافة لأرجل القائمين في الصف، وهو على هذا الحال فلن يؤثر على من يصلي خلفه.

ثانيا: كيفية مصافة المأموم إذا جلس على الكرسي محل الركوع والسجود

المراد بهذا المطلب: بيان كيفية المصافة في الحال التي يكون فيها المصلي قادراً على القيام في صلاة الجماعة، لكنه عاجز عن الركوع، أو السجود، أو عنهما معاً على هيئتهما حال الصحّة، فيضطرُّ للجلوس على الكرسي مكانها، أو مكان أحدهما، ويومئ بما عجز عنه منهما إيماءً، وهو جالس على كرسيه. فاتّضح من خلال هذا التصوير: أنَّ الحاجة داعية في هذا المطلب إلى إيضاح أمرين: الأمر الأول: بيان كيفية مصافة المأموم في هذه الحال. الأمر الثاني: بيان كيفية ركوعه وسجوده حال جلوسه على كرسيّ أو غيره. فأمّا كيفية المصافة وحكمها حال القدرة على القيام فقد اتفق الفقهاء: على أنَّ الاعتبار في المصافة للمأمومين حال القيام: بالعَقِب، الذي هو مؤخر القدم، وليس بالكعب، وقالوا: لا يضرُّ تقدم أصابع المأموم لطول قدمه، ولا تقدم رأسه في السجود لطوله، والمعتبر: التساوي بالعَقِب. وعليه، فإن كيفية وضع الكرسي في هذه الحال: أن توضع أرجل الكرسي الأمامية محاذية لأرجل المصلين، لأن العبرة بالمصافة هي القيام –كما سبق بيانه-.

هذا إذا كان الكرسي لا يؤثر على من يصلي في الصف الخلفي، إما لعدم تقارب الصفوف من بعضها، وإما لكونه يصلي في الصف الأخير أو نحو ذلك.

أما إذا كان تأخير الكرسي يضر بالمصلي في الصف الخلفي فالذي يظهر لي أن يقدم الكرسي وتجعل أرجله الخلفية محاذية لأرجل القائمين في الصف الذي هو فيه، ولا بأس بتقدمه عن الصف حال القيام، وذلك لأن الضرر المترتب على تأخيره للكرسي أعظم من عدم محاذاته للصف الذي هو فيه، وذلك لأن من يصلي خلفه سيجد صعوبة بالغة في الركوع والسجود، مما يضطره للتأخر عن الصف، كما يؤثر على من خلفه كذلك، وأحياناً قد يترك المكان خالياً كما هو مشاهد في بعض المساجد، لأن الناس لا يرغبون في الصلاة خلف صاحب الكرسي المتأخر لأنهم يتأذون بذلك، وهذا فيه قطع للصفوف، وعدم تسوية لها، والضرر يجب إزالته لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

وأما كيفية الركوع والسجود حال جلوسه وعجزه عنها فهو جائز، وقد تقدّم الضابط والأدلّة المؤيدة له في المبحث الثاني من هذا الفصل بما يغني عن إعادتها مرَّةً أخرى.

المبحث التاسع: مقدار أجر المصلّي على الكرسي

اختلف الفقهاء في مقدار أجر المصلي على الكرسي: القول الأول: له الأجر كاملاً ذهب بعض الفقهاء إلى أن المصلي على الكرسي لعذر له الأجر كاملاً، لأنه معذور، والمعذور لا ينقص أجره. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».

القول الثاني: أجره على قدر عمله

ذهب آخرون إلى أن أجر المصلي على الكرسي على قدر عمله، فإن كان يصلي قاعداً فأجره على النصف، وإن كان يومئ فأجره أقل. واستدلوا بحديث: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ». الترجيح: الراجح هو القول الأول، وهو أن المصلي على الكرسي لعذر له الأجر كاملاً، لأن الحديث الثاني محمول على من جلس مع القدرة على القيام، أما المعذور فله الأجر كاملاً.

الفصل الرابع: النوازل المتعلقة بالصلاة على الكرسي

المبحث الأول: حكم وضع كراسي ثابتة في مكانات المساجد

هذه مسألة مستجدة، وهي: ما حكم وضع كراسي ثابتة في أماكن معينة من المسجد، بحيث تكون مخصصة للمصلين على الكراسي؟

القول الأول: يجوز

ذهب بعض المعاصرين إلى أنه يجوز وضع كراسي ثابتة في أماكن معينة من المسجد، إذا كان ذلك لمصلحة راجحة، ولم يؤدِّ إلى تضييق على المصلين. واستدلوا بأن ذلك من باب التيسير على المصلين، ولا مانع منه شرعاً.

القول الثاني: لا يجوز

ذهب آخرون إلى أنه لا يجوز وضع كراسي ثابتة في المسجد، لأن ذلك يؤدي إلى تخصيص أماكن معينة، وقد يمنع غيرهم من الصلاة فيها. الترجيح: الراجح أن الأمر يرجع إلى المصلحة، فإن كان وضع الكراسي الثابتة لمصلحة راجحة، ولم يؤدِّ إلى تضييق أو إزعاج، فلا بأس به، وإلا فلا يجوز.

المبحث الثاني: حكم وقف الكراسي على المساجد، أو الأفراد

الوقف في اللغة: الحبس والمنع. وشرعاً: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة. وقد اتفق الفقهاء على أن وقف الكراسي على المساجد جائز، بل هو من القربات، لأنه من باب التيسير على المصلين. كما يجوز وقف الكراسي على أفراد معينين، كالفقراء أو المرضى، إذا كان ذلك لمصلحة شرعية.

المبحث الثالث: تحريك المصلّي للكرسي في الصلاة بطريقة آلية أو يدوية

هذه مسألة مستجدة، وهي: ما حكم تحريك المصلي للكرسي في الصلاة، سواء بطريقة آلية (كالكرسي الكهربائي) أو يدوية؟

القول الأول: يجوز إذا كان لحاجة

ذهب بعض المعاصرين إلى أنه يجوز تحريك الكرسي في الصلاة إذا كان لحاجة، كأن يحتاج إلى تعديل وضعه، أو الاقتراب من الصف. واستدلوا بأن الحركة اليسيرة لا تبطل الصلاة، وهذا من باب الحركة اليسيرة.

القول الثاني: لا يجوز

ذهب آخرون إلى أنه لا يجوز تحريك الكرسي في الصلاة، لأن ذلك من الحركة الكثيرة التي تبطل الصلاة. والفقهاء قديما اختلفوا فمذهب الجمهور أن الحركة المبطلة مرجعها الى العرف خلافا لبعض الحنفية وبعض الشافعية. (ينظر: المبسوط 1/385، البدائع 2/349، المهذب 1/88، نهاية المحتاج 2/307، التاج والإكليل 1/410، الفوكه 1/520، المغني 1/463، الفروع 3/59، تحفة الحبيب 1/112،اعانة الطالبين 1/147) الترجيح: الراجح أن الحركة اليسيرة لتعديل الكرسي لا تبطل الصلاة؛ لأنها لمصلحة الصلاة قياسا على فعله عليه الصلاة والسلام في إزالة النجاسة وأره بتحويل الوجهة نحو القبلة .

أما الحركة الكثيرة العبثية المتوالية فتبطلها.

المبحث الرابع: حكم كون الكرسي نجساً، أو معلّقاً عليه نجاسة

من المعلوم شرعاً أن الطهارة من النجاسة شرط من شروط صحة الصلاة، فلا تصح الصلاة مع وجود النجاسة على البدن أو الثوب أو المكان. فإذا كان الكرسي نجساً، أو معلقاً عليه نجاسة، فهل تصح الصلاة عليه؟

القول الأول: لا تصح الصلاة

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تصح الصلاة على الكرسي النجس، لأن الطهارة شرط من شروط الصلاة.

القول الثاني: تصح مع الكراهة

ذهب بعض الفقهاء واليه ذهب بعض الحنفية وهو قول بعض الشافعية وبض الحنابلة إلى أن الصلاة تصح مع الكراهة، إذا كانت النجاسة يسيرة معفواً عنها.(ينظر: المجموع 3/132،الانصاف3/279، تبيين الحقائق 1/456،المحيط البرهاني1/397) الترجيح: الراجح هو القول الأول، وهو أن الصلاة لا تصح على الكرسي النجس، إلا إذا كانت النجاسة يسيرة معفواً عنها شرعاً.

المبحث الخامس: حكم الصلاة على كرسيّ من القدمين أو نحوّها بهما

هذه مسألة غريبة، وهي: ما حكم الصلاة على كرسي مصنوع من الذهب أو الفضة، أو مموّه بهما؟ من المعلوم شرعاً أنّ استعمال الشيء المسروق أو المغصوب حرام على السارق وغيره، من علم ذلك، ولا يجوز تملّكه، ولا الانتفاع به بأيّ أمر من الأمور. فإذا كان المسروق أو المغصوب كرسيّاً فإنه يحرم سائر أنواع استعمالاته من كلّ ما ينتفع به في الصلاة وغيرها؛ لأنّ الكرسيّ المذكور ملك للغير، ولا يحلّ استعمال مال الغير والانتفاع به إلاّ بسبب يبيح ذلك، من بيع، أو إجارة، أو تبرّع دائم أو مؤقّت، أو غير ذلك من الأسباب. وبناءً على ذلك: فإنّ الصلاة على الكرسيّ- متى كان مسروقاً، أو مغصوباً- أمر حرام، وإذا حرم الجلوس عليه فهل تبطل الصلاة باستعماله فيها؟ الظاهر: أنّ حكم هذه المسألة يشبه -تماماً- حكم الصلاة في الأرض المغصوبة ونحوها، التي تقدّم بحثها مفصّلاً، فما قيل في تلك المسألة من الخلاف، والأدلّة والتعليلات لكلّ من القولين يُقال هنا، وما ورد من المناقشات يردّ هنا، وما رُجّح هناك يكون هو الراجح هنا، والله أعلم.

المبحث السادس: حكم الصلاة على كرسيّ مسروق أو مغصوب

المبحث السابع: الصلاة على كراسي ووسائل النقل الحديثة

هذه من المسائل المستجدة، وهي: ما حكم الصلاة على كراسي وسائل النقل الحديثة، كالطائرة والقطار والسيارة ونحوها؟

المطلب الأول: حكم استقبال القبلة للمصلي على كراسي وسائل النقل الحديثة

الاستقبال في اللغة: مصدر استقبل الشيء إذا واجهه. والقبلة شرعاً: الاتجاه إلى موضع الكعبة، وعلى هذا: فلو نقل بناؤها إلى موضع آخر لم يجز الاتجاه إليه؛ لأنّ المقصود استقبال المكان الذي بُنيت عليه، وجعل البناء علامة على المكان. اتّفق الفقهاء على: أنّ استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة اتفاقاً؛ وذلك للأدلّة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150] وشبهها من الآيات.

الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ».

ووجه الاستدلال: أنّ هذه النصوص وما ورد بمعناها دلّت على وجوب استقبال القبلة، وكونها شرطاً لصحّة الصلاة حال قدرة المصلّي عليها. الدليل الثالث: الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب استقبال القبلة في الصلاة. وعليه: فمن صلّى الفريضة إلى غير القبلة فلا تصحّ صلاته مع قدرته على استقبالها؛ لتخلّف شرطها؛ لأنّ القاعدة: أنه إذا تخلّف الشرط تخلّف المشروط، ولقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، والمردود باطل، ولا يسقط شرط الاستقبال في الفريضة إلاّ بالعجز عنه، فإذا تحقّق العجز صحّت إلى أيّ جهة، ويتّضح ذلك بالمثالين التاليين: المثال الأول: أن يكون المصلّي مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجّهه إلى القبلة، فعندها يتّجه حيث كان وجهه، وتصحّ صلاته؛ لأنه عاجز عن الاستقبال. خلاصة الأحكام:

  1. القيام في الصلاة ركن من أركانها في حق القادر عليه، ولا يسقط إلا بالعجز.
  2. يجوز الجلوس في الصلاة لمن عجز عن القيام، أو شق عليه مشقة شديدة.
  3. يجوز جعل المصلين على الكراسي في صف واحد، ولا حرج في ذلك.
  4. تصح إمامة المصلي على الكرسي بالقادرين على القيام، اذا كان اماما راتبا.
  5. المصلي على الكرسي لعذر له الأجر كاملاً، لأنه معذور.
  6. يجوز وقف الكراسي على المساجد، بل هو من القربات.
  7. لا تصح الصلاة على الكرسي النجس، إلا إذا كانت النجاسة يسيرة معفواً عنها.
  8. لا يجوز الصلاة على كرسي مسروق أو مغصوب، وإن صحت الصلاة فالإثم على المصلي. وفي الختام، أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين، إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك المقالة

Scroll to Top