رجوع إلى البحوث الفقه وأصوله والنوازل

حكم صرف الزكاة في بناء المدارس والمستشفيات: دراسة فقهية أصولية

الفقه وأصوله والنوازل٨ دقائق للقراءة١٬٢٨٦ كلمة

تُعَدُّ الزكاة ركنًا أساسيًّا من أركان الإسلام، ونظامًا فريدًا للتكافل الاجتماعي يهدف إلى تحقيق العدالة وسدِّ حاجة المحتاجين. وقد حدَّد القرآن الكريم مصارفها في آية محكمة حصرتها في ثمانية أصناف، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]. ومع تطور المجتمعات وتعقُّد احتياجاتها، برزت نوازل فقهية معاصرة تتعلق بكيفية صرف هذه الأموال لتحقيق مقاصد الشريعة على الوجه الأمثل. ومن أبرز هذه النوازل مسألة صرف أموال الزكاة في بناء المشاريع ذات النفع العام، كالمستشفيات التي تعالج المرضى، والمدارس التي توفر التعليم لأبناء المسلمين.

وقد اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة بين مانع ومجيز، مما يستدعي دراسة فقهية أصولية معمقة ل

تحرير محل النزاع

، وعرض الأدلة، والوصول إلى الرأي الراجح الذي يحقق المصلحة ويتوافق مع مقاصد الشريعة الغراء. تحرير محل النزاع يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى أصلين رئيسيين:

  1. شرط التمليك: هل يُشترط في صرف الزكاة تمليكها للشخص المستحق تمليكًا فرديًّا، بحيث يتصرف فيها كيفما يشاء، أم يكفي تحقق وصول النفع إليه؟
  2. سعة مفهوم "في سبيل الله": هل يقتصر هذا المصرف على الجهاد بمعناه العسكري، أم يتسع ليشمل كل أعمال الخير والمصالح العامة للمسلمين؟ فمن اشترط التمليك وقصر مفهوم "في سبيل الله" على الجهاد، منع صرف الزكاة في بناء المستشفيات والمدارس. ومن لم يشترط التمليك، أو وسَّع في دلالة "سبيل الله"، أجاز ذلك بضوابط.

مذهب المانعين وأدلتهم

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة إلى منع صرف الزكاة في بناء المشاريع الخيرية كالمساجد والمدارس والمستشفيات، واشترطوا تمليك الزكاة لأحد الأصناف الثمانية المنصوص عليها.( ينظر:. بدائع الصنائع 2،/ 45.مغني المحتاج إلى 4،/173.المغني. 2، / 500). وعمدتهم في ذلك ما يأتي: ظاهر الآية الكريمة: استدلوا بأن اللام في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ تفيد التمليك، إذ إنها تدخل على المالك المستحق. وبما أن الأصناف الأخرى معطوفة عليها، فإنها تشترك معها في هذا الحكم. أما بناء المستشفيات والمدارس فلا يتحقق فيه تمليك المال لأشخاص بأعيانهم. تخصيص مصرف "في سبيل الله": حمل الجمهور معنى "في سبيل الله" على خصوص الجهاد والغزو، وهو المعنى المتبادر عند إطلاق هذا اللفظ في نصوص الشرع، كما في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حملت على فرس في سبيل الله" (متفق عليه)، أي أعددته للجهاد. وبناءً عليه، لا يدخل في هذا المصرف بناء المستشفيات والمدارس.

وقد لخصت دار الإفتاء المصرية هذا الموقف في إحدى فتاواها، حيث فرَّقت بين الإنفاق على علاج الفقراء وتوفير الدواء لهم من أموال الزكاة (وهو جائز لتحققه على جهة التمليك)، وبين تمويل بناء المستشفى وتجهيزه وصيانته (وهو غير جائز من الزكاة، بل من الصدقات العامة) [دار الإفتاء المصرية. "حكم صرف أموال الزكاة في الأنشطة الخيرية".].

مذهب المجيزين وأدلتهم

في مقابل رأي الجمهور،

ذهب عدد من الفقهاء قديمًا وحديثًا إلى جواز صرف ال تعود بالنفع على المسلمين، ومنها بناء المدارس والمستشفيات، وهو ما أقرته المجامع الفقهية المعاصرة وقرارات الهيئات الشرعية المعتبرة المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، القرار السابع من الدورة التاسعة. و مجمع الفقه الإسلامي الدولي، القرار رقم 15 (3/3). ويستند هذا القول إلى أدلة قوية من النص والنظر المقاصدي:

1. من حيث دلالة النص

مناقشة دلالة "اللام": ناقش المجيزون القول بأن اللام في الآية تفيد حتمية التمليك الفردي، ورأوا أنها قد تفيد "الاختصاص" و"بيان المصرف"، أي أن هذه الأصناف هي الجهات المختصة بالزكاة. يقول الدكتور طالب الكثيري في بحثه: "أن اللام في الآية للتخصيص ولبيان المصرف؛ فتخصص الزكاة لهذه الأصناف، ولا تصرف لغيرهم، دون اشتراط تمليك المستحقين" .

عموم معنى "في سبيل الله": ذهب هؤلاء إلى أن قصر معنى "في سبيل الله" على الجهاد العسكري هو قصر للمعنى الواسع بغير مخصص قطعي. وأن اللفظ يشمل كل سبل الخير والمصالح العامة التي بها قوام الدين والدولة. وقد نقل الإمام الفخر الرازي في تفسيره عن القفال أنه حكى عن بعض الفقهاء "أنهم أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد؛ لأن قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ عامٌّ في الكل" (التفسير الكبير16 / 87). وقد تبنى هذا التوسع في المفهوم كبار العلماء المعاصرين كالشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد رشيد رضا، حيث عرَّف الأخير "سبيل الله" بأنه: "مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد"، وأدخل فيه صراحةً "إنشاء المستشفيات العسكرية، وكذا الخيرية العامة" (تفسير المنار). (10، / 435-436).

2. من حيث النظر المقاصدي والأصولي

مقاصد الزكاة: إن المقصد الأسمى للزكاة هو "سد خلة المسلمين" وإغناؤهم عن الحاجة. وهذه الكفاية لا تقتصر على المأكل والمشرب والملبس، بل تتعداها لتشمل كل ما تقوم به حياة الإنسان في عصره. وفي زماننا، أصبح العلاج والتعليم من الحاجات الأساسية التي لا تقل أهمية عن الطعام والشراب. فبناء مستشفى يعالج الفقراء بالمجان، أو مدرسة تعلمهم، هو تحقيق مباشر لمقصد "الكفاية" الذي شرعت من أجله الزكاة. حفظ الضروريات الخمس: اعتبر المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي أن المشاريع الصحية والتعليمية تدخل في ضرورات الحياة المعاصرة، وأنها من "تتمّات المحافظة على النفس والعقل وهما من الضروريات الخمس" . فبناء المستشفيات هو حفظ للنفس، وبناء المدارس هو حفظ للعقل والدين. وهذا من صميم مقاصد الشريعة العليا. مراعاة تغير الحاجات والزمان: استند المجيزون إلى أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال. وما كان كافيًا في الماضي قد لا يكون كافيًا اليوم.

وقد نقل قرار المجمع الفقهي عن الإمام النووي قوله في بيان حد الكفاية: "المعتبر في الكفاية: المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لابد له منه". وعلّق القرار بأن عبارة "سائر ما لابد له منه" هي "كلمة عامة مرنة تتسع للحاجات المتجددة والمتغيرة بتغير الزمان والمكان والحال" . الترجيح والخاتمة: بعد عرض القولين وأدلتهما، يظهر - والله أعلم - أن القول بجواز صرف أموال الزكاة في بناء المدارس والمستشفيات المخصصة لخدمة الفقراء والمحتاجين هو الأقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة وروحها، والأكثر ملاءمة لواقع المسلمين اليوم، وذلك لقوة أدلته وتعددها، وللأسباب الآتية: 1.تحقيق المقصد الأعظم: هذا القول يحقق مقصد الزكاة في "سد الخلة" و"تحقيق الكفاية" بصورة أعمق وأكثر استدامة من مجرد التمليك الفردي الذي قد يُستهلك في الحاجات الآنية. فالمستشفى الذي يُبنى من الزكاة يستمر في خدمة الفقراء أجيالاً متعاقبة، بينما المال الذي يُعطى للفقير قد يُنفق في يوم أو أسبوع ثم تعود الحاجة.

  1. التوافق مع فقه المصالح: بناء هذه المشاريع هو من المصالح المرسلة التي لم يأت نص معين بإلغائها أو اعتبارها، ولكنها تحقق نفعًا عامًا للمسلمين، وتتوافق مع مقاصد الشرع في حفظ النفس والعقل. وقد قرر الأصوليون أن "المصلحة المرسلة" حجة معتبرة في الاستنباط الفقهي، لا سيما في المسائل المستجدة.
  2. قوة الإجماع المعاصر: تبني كبرى الهيئات والمجامع الفقهية المعاصرة لهذا القول، يمثل اجتهادًا جماعيًّا له وزنه وثقله، وهو مبني على دراسة مستفيضة لواقع العصر وحاجاته. وقد شارك في هذه القرارات علماء من مختلف المذاهب والبلدان، مما يكسبها قوة إضافية.
  3. رفع الحرج عن الأمة: في كثير من البلدان الإسلامية الفقيرة، لا تستطيع الدولة توفير الخدمات الصحية والتعليمية الكافية. فإذا مُنعت الزكاة من هذا المصرف، وقع الفقراء في حرج شديد، وهذا ينافي قاعدة "رفع الحرج" التي هي من أصول الشريعة.
  4. التمليك الجماعي: يمكن القول بأن بناء المستشفى أو المدرسة من الزكاة هو نوع من "التمليك الجماعي" للفقراء، حيث يملكون الانتفاع بهذه المرافق، وإن لم يملكوا رقبتها. وهذا يحقق المقصود من التمليك، وهو وصول النفع إلى المستحق.

الضوابط الشرعية للجواز

وحتى يكون صرف الزكاة في هذه المشاريع موافقًا للشرع، لا بد من مراعاة الضوابط الآتية:

  1. التخصيص للفقراء: أن تكون المستشفيات والمدارس مخصصة لخدمة الفقراء والمساكين بالمجان أو بتكلفة رمزية، ولا تُستخدم لتحقيق أرباح تجارية.
  2. الأولوية للحاجات الماسة: أن يُراعى في الصرف تلبية الحاجات الماسة الفورية للمستحقين أولاً، كما نص على ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
  3. الإدارة الموثوقة: أن تُدار هذه المشاريع من قبل جهات موثوقة ذات كفاءة، تضمن وصول النفع إلى مستحقيه، وتحفظ أموال الزكاة من الضياع أو سوء الاستخدام.
  4. بقاء الصفة الزكوية: أن يُسجل المشروع بوصفه مالاً زكويًّا أو خيريًّا، وإذا صُفّي أو أُغلق لأي سبب، يعود ناتجه مالاً زكويًّا يُصرف لفقراء المنطقة.
  5. عدم المنافسة غير العادلة: ألا يؤدي إنشاء هذه المشاريع إلى الإضرار بالمرافق الخيرية القائمة أو المنافسة غير العادلة معها. وعليه، فالراجح - والله تعالى أعلم - هو جواز صرف جزء من أموال الزكاة، تحت مصرف "في سبيل الله"، في إنشاء وتجهيز المستشفيات والمدارس والمراكز التعليمية، بالضوابط المذكورة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك المقالة

Scroll to Top