الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: لقد استجدت في عصرنا نوازل ومعاملات لم تكن معروفة في العصور الفقهية المتقدمة، مما يوجب على أهل العلم والاجتهاد بحثها وبيان حكمها الشرعي. ومن هذه النوازل ما يُعرف بـ "البوفيه المفتوح" (Open Buffet)، وهو أن يدفع الشخص مبلغاً مالياً محدداً لمطعم أو فندق، مقابل أن يأكل ما يشاء من الأصناف المعروضة حتى الشبع، دون تحديد لكمية الطعام أو أنواعه. وقد أثارت هذه المعاملة جدلاً فقهياً بين العلماء المعاصرين، نظراً لما يبدو فيها من جهالة في المبيع (الطعام)، وهو ما قد يدخلها في باب "بيع الغرر" المنهي عنه شرعاً.
حقيقة الغرر وضوابطه المؤثرة.
قبل الخوض في أقوال الفقهاء في مسألة البوفيه المفتوح، لا بد من تأصيل المفهوم الذي يدور حوله الخلاف، وهو الغرر. الغرر في اللغة: اسم مصدر من "غرّر"، ويدل على الخطر، والجهل، والتعرض للهلكة. وفي الاصطلاح، عرفه الفقهاء بتعريفات متقاربة، منها تعريف ابن القيم بأنه: "ما لا يعلم حصوله، أو لا تعرف حقيقته ومقداره" . والأصل في تحريم الغرر هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر" (رواه مسلم). والعلة في النهي هي أن الجهالة في المعقود عليه قد تفضي إلى النزاع والخصومة بين المتعاقدين. ولكن، ليس كل غرر أو جهالة تؤثر في صحة العقد. فقد أجمع الفقهاء على أن الغرر لا يكون مؤثراً ومفسداً للعقد إلا بشروط محددة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية كما ذكرها علماء الفقه :
- أن يكون الغرر كثيراً: أما الغرر اليسير فإنه مغتفر بالإجماع، لأنه مما لا يمكن التحرز منه غالباً، ولا يفضي إلى نزاع. قال القرافي: "الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا... وقليل جائز إجماعا... ومتوسط اختلف فيه"
- .ألا تدعو إليه حاجة عامة: فإذا وجدت حاجة عامة تدعو إلى التعامل الذي فيه غرر، فإنه يُغتفر من أجل رفع الحرج عن الناس.
- أن يكون في عقود المعاوضات المالية: حيث يُشدد في عقود البيع والإجارة ما لا يُشدد في عقود التبرعات كالهبة والصدقة.
مثال حكمه نوع الغرر بيع السمك في الماء أو الطير في الهواء محرم ومفسد للعقد الغرر الكثير : بيع أساس الدار أو الجبة المحشوة قطناً جائز ومعفو عنه الغرر اليسير بيع الثمار بعد بدو صلاح بعضها دون بعض مختلف فيه الغرر المتوسط أقوال الفقهاء في حكم البوفيه المفتوح بناءً على ما سبق، انقسم الفقهاء المعاصرون في حكم البوفيه المفتوح إلى قولين رئيسيين: القول الأول: الجوازوهو قول جمهور من العلماء المعاصرين، وبه أفتت العديد من الهيئات الإفتائية كدار الإفتاء الأردنية . وممن قال به الشيخ ابن عثيمين، والدكتور محمد سعيد البوطي رحمهم الله . ويستند أصحاب هذا القول إلى أن الجهالة في كمية الطعام المأكول في البوفيه المفتوح من قبيل الغرر اليسير الذي يُتسامح فيه شرعاً، وذلك لعدة اعتبارات:
- القياس على نظائر أجمع العلماء على جوازها: قاسوا هذه المسألة على صور تاريخية أجمع العلماء على جوازها مع ما فيها من جهالة يسيرة، وقد نقل هذا الإجماع الإمام النووي بقوله
- ."أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها... جواز دخول الحمام بالأجرة، مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين" .فحال الداخل إلى البوفيه كحال الداخل إلى الحمام، كلاهما يدفع أجرة معلومة مقابل منفعة أو عين مجهولة القدر، ولكنها محددة بالعرف والعادة (الشبع في البوفيه، والتنظف في الحمام).
- جريان العرف: أصبح هذا النوع من البيع متعارفاً عليه بين الناس، ويتم التعامل به دون أن يؤدي إلى منازعات أو خصومات، والعرف له اعتبار في الشريعة الإسلامية إذا لم يصادم نصاً صريحاً. قال الدكتور البوطي: "هذا مما درج عليه العرف... ونص الفقهاء على أن العرف قد حلّ فيه محلّ التعاقد"
- .تحقق التراضي: الأصل في العقود هو التراضي بين الطرفين، وفي البوفيه المفتوح، يكون كل من صاحب المطعم والزبون قد دخلا في العقد على بصيرة، وتسامح كل منهما في حقه المحتمل، فصاحب المطعم يراعي في تحديد السعر متوسط استهلاك الناس، والزبون يقبل السعر مقابل حقه في الأكل حتى الشبع.
القول الثاني: التحريم
وهو قول بعض العلماء المعاصرين، ومن أبرزهم الشيخ الدكتور صالح الفوزان والشيخ محمد المختار الشنقيطي . وحجتهم: أن الجهالة في كمية الطعام المأكول جهالة كبيرة ومؤثرة، وليست يسيرة، وذلك لأن الناس يتفاوتون تفاوتاً كبيراً في مقدار أكلهم، فقد يأكل أحدهم أضعاف ما يدفعه، بينما يأكل آخر أقل بكثير، وهذا غرر كثير يفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل. يقول الشيخ الفوزان:"الغذاء حتى الإشباع بيعٌ مجهول، لأن الذي يشبع ليس له ضابط في الناس محدد... لا يصح أن تشتري شيئاً إلا إذا كان معلوماً، معلوم الصفة، معلوم القدر" . ويرى أصحاب هذا القول أن هذه المعاملة لم تكن معروفة في بيوع المسلمين قديماً، وأنها من العادات الوافدة التي تخالف أصول البيوع في الشريعة.
الترجيح والمناقشة
بعد عرض القولين وأدلتهما، يبدو أن القول بجواز الأكل من البوفيه المفتوح هو الأقرب للصواب والأرجح، وذلك لقوة أدلته وانسجامها مع مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج، وللأسباب التالية:
- إن الجهالة في البوفيه المفتوح وإن كانت موجودة، إلا أنها لا تفضي إلى نزاع في الغالب، لأنها محددة بالشبع، وهو أمر وإن اختلف بين الناس، إلا أنه محدود بقدرة الإنسان على الأكل. فهي أشبه بجهالة مدة بقاء الشخص في الحمام أو كمية الماء التي يستعملها، وهي جهالة اغتفرها الشرع للحاجة.•
- تطبيق ضوابط الغرر المؤثر على مسألتنا يوضح أن الغرر هنا ليس من النوع المفسد للعقد، فهو وإن كان في عقد معاوضة، إلا أنه ليس غرراً كثيراً، وتدعو إليه الحاجة، ويمكن القول بأنه لا يمكن التحرز منه إلا بمشقة كبيرة.
- •القول بالمنع فيه تضييق على الناس في أمر جرى به العرف وتسامحوا فيه، ولم يثبت أنه أدى إلى خصومات تستدعي منعه.•
طبيعة العقد في البوفيه المفتوح
من المهم التنبيه على أن العقد في البوفيه المفتوح هو عقد إباحة للأكل وليس عقد تمليك للطعام.
بمعنى أن الزبون يدفع المال مقابل أن يُباح له الأكل من الطعام المعروض في نفس المكان حتى يشبع. وبناءً على هذا التكييف الفقهي، يترتب ما يلي: لا يجوز للزبون أن يأخذ معه شيئاً من الطعام إلى خارج المطعم، لأن الإذن مقتصر على الأكل في المكان فقط. لا يجوز له أن يطعم شخصاً آخر لم يدفع قيمة البوفيه، ما لم تأذن إدارة المطعم بذلك صراحة أو عرفاً (كما في حالة الأطفال الصغار جداً). من أخذ طعاماً معه خلسة، فقد تعدى على مال غيره بغير حق، ويجب عليه رد قيمة ما أخذ أو طلب المسامحة من صاحب المطعم
خاتمة
خلاصة القول أن معاملة "البوفيه المفتوح" جائزة شرعاً على القول الراجح، وأن الجهالة فيها من قبيل الغرر اليسير المعفو عنه للحاجة وجريان العرف. ومع ذلك، يجب على المسلم الالتزام بضوابط هذا العقد، فلا يأخذ طعاماً خارج المطعم، ولا يسرف في الأكل إسرافاً يخرج عن المعتاد بقصد الإضرار بصاحب المطعم، عملاً بقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].والله تعالى أعلى وأعلم.
