رجوع إلى البحوث السيرة والشمائل النبوية

تاريخ مولد النبي ﷺ: تحرير محل الخلاف

السيرة والشمائل النبوية٣ دقائق للقراءة٥٧٧ كلمة

الأقوال التاريخية في تحديد اليوم

9 ربيع الأول: هو الراجح علمياً وفلكياً لدى المحققين المعاصرين (مثل الفلكي محمود باشا الفلكي، والشيخ صفي الرحمن المباركفوري في الرحيق المختوم، ومحمد الخضري بك). استند هذا التحقيق إلى مطابقة التقويم القمري مع يوم ولادته الثابت قطعاً (يوم الاثنين)، حيث وافق يوم الاثنين التاسع من ربيع الأول لعام الفيل (الموافق 20 أو 22 أبريل 571م)، بينما لم يتوافق يوم 12 ربيع الأول مع يوم الاثنين في تلك السنة فلكياً.

12 ربيع الأول: القول الأكثر شهرة وشيوعاً عند جمهور المؤرخين المتقدمين (وهو ما نقله ابن إسحاق، وابن أبي شيبة في مصنفه، واعتمدته معظم الدول الإسلامية مناسبةً للمولد)، ورواه ابن إسحاق بلاغاً بدون إسناد متصل تام.

8 ربيع الأول: هو الأصح سنداً عند طائفة من أئمة الحديث والأثر؛ فقد اختاره ابن عبد البر، والزبير بن بكار، ومحمد بن جبير بن مطعم، ورجحه الإمام القطب القسطلاني وأبو بكر بن العربي.

أقوال أخرى: رُويت أقوال أخرى مثل الثاني من ربيع الأول (رجحه ابن عبد البر كاحتمال قوي)، والعاشر منه (روي عن الباقر والشعبي).

التحقيق الزمني المقابل للميلادي

اليوم: الاثنين.

التاريخ الهجري الأقوى تحقيقاً: 9 ربيع الأول (عام الفيل).

التاريخ الهجري الأوسع شهرة: 12 ربيع الأول.

التاريخ الميلادي المقابل: يوافق فلكياً 20 أو 22 نيسان (أبريل) سنة 571م.

السبب الأساسي في هذا التباين التاريخي يعود إلى أن ولادته الشريفة ﷺ لم تكن في وقتها حدثاً تدونه الدواوين الرسمية لعدم معرفة الناس بما سيكونه هذا المولود، واكتفى العرب بالتوثيق الشفهي المرتبط بحدث "عام الفيل" ويوم الاثنين من شهر ربيع الأول. اعتمد الفلكي المصري محمود باشا الفلكي (1815–1885م) في بحثه التاريخي والفلكي الشهير "نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام وفي تحقيق مولد النبي وهجرته" (المنشور في باريس عام 1858م) على منهجية فلكية تراجعية تربط النصوص الشرعية بالحسابات المدارية الدقيقة للأجرام السماوية:

1. نقطة الارتكاز الفلكية المطلقة (كسوف وفاة إبراهيم)

انطلق الفلكي من حدث كوني قطعي ومسند في الصحيحين؛ وهو كسوف الشمس يوم وفاة «إبراهيم» ابن النبي ﷺ وقوله: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته». بالحساب الفلكي الرجعي، ثبت وقوع كسوف شمسي جزئي/حلقي رُئي في المدينة المنورة صباح يوم الاثنين 29 شوال سنة 10 هـ، الموافق بدقة 27 كانون الثاني (يناير) 632م (في الساعة 8:30 صباحاً تقريباً). أمّنت هذه الحادثة "نقطة ارتكاز زمنية صفرية" لربط التقويم القمري الإسلامي بالتقويم الشمسي اليولياني بصورة لا تقبل الشك.

2. حساب فارق العمر والرجوع لسنة الولادة

ثبت تاريخياً أن النبي ﷺ توفي في ربيع الأول سنة 11 هـ وله من العمر نحو 63 سنة قمرية (تساوي تقريباً 61 سنة شمسية ونحو 84 يوماً). بالرجوع التراجعي 61 سنة شمسية من تاريخ 632م، يتحدد عام الولادة بسنة 571 ميلادية (الموافقة لعام 53 قبل الهجرة النبوية وعام الفيل).

3. فحص أهلة ربيع الأول لسنة 571م

درس محمود باشا منازل القمر واقتران الهلال لشهر ربيع الأول لسنة 571م مع الأخذ بعين الاعتبار أثر "النسيء" (نظام كبس الشهور الذي مارسته قريش لربط الشهور القمرية بالمواسم الزراعية). أظهر الحساب الفلكي أن اقتران هلال ربيع الأول لعام الفيل قد تم في منتصف نيسان (أبريل)، فكان: 9 ربيع الأول موافقاً ليوم الاثنين 20 نيسان (أبريل) 571م.

4. إبطال موافقة يوم 12 ربيع الأول ليوم الاثنين

أثبت الحساب الفلكي المقارن أن يوم 12 ربيع الأول من سنة 571م لم يكن يوم اثنين قط، بل وافق يوم الخميس (23 نيسان/أبريل). لما كان الحديث الصحيح في صحيح مسلم يقطع بأن الولادة كانت يوم الاثنين (حين سُئل ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ»)، فإن الرواية التاريخية ليوم 12 تسقط حسابياً لامتناع اجتماع 12 ربيع الأول مع يوم الاثنين في تلك السنة فلكياً، مما جعل يوم 9 ربيع الأول هو التاريخ الوحيد المنسجم فلكياً وحديثياً.

شارك المقالة

Scroll to Top