تحرير محل النزاع قبل إصدار الحكم
من آفات الجدل العقدي أن تُدمج قضايا متعددة في قضية واحدة، ثم يُحكم عليها بحكم واحد؛ فيختلط ثبوت الحادثة التاريخية بتفسيرها، ويختلط التأثر بالسم بدعوى الاغتيال، ويختلط السبب المرضي بالفاعل الجنائي. وهذا هو موطن الاضطراب في قضية سمِّ رسول الله ﷺ بخيبر. فالتحقيق الحديثي يوجب التفريق بين أربع قضايا: الأولى: أن امرأة يهودية وضعت السم في شاة وقدمتها للنبي ﷺ بخيبر تريد قتله. وهذه ثابتة بأصح الأسانيد.
الثانية: أن الله تعالى عصم نبيه ﷺ من أن تحقق تلك المرأة غرضها يوم خيبر، فلم يمت بالسم آنذاك، بل عاش بعد الحادثة وأتم الله به الدين والرسالة. وهذا ثابت كذلك.
الثالثة: أن النبي ﷺ بقي يجد أثر أكلة خيبر، وذكر ذلك في مرض وفاته. وهذا أيضًا ثابت، ولا يصح إسقاطه من الرواية النبوية الصحيحة. الرابعة: أن يكون بعض أزواج النبي ﷺ أو بعض أصحابه قد دسوا له السم في مرضه الأخير.
وهذه دعوى مختلفة تمامًا عن قصة خيبر، لا تقوم عليها حجة صحيحة من دواوين السنة المعتمدة، ولا يجوز إقحام حديث خيبر لإثباتها. ومن هنا فإن العبارة العلمية المحررة ليست: «كل من قال إن النبي ﷺ تأثر بالسم فقد كذب»؛ لأن هذا يخالف ظاهر حديث عائشة الصحيح، وإنما الصواب:
«دعوى اغتيال النبي ﷺ على يد أزواجه أو أصحابه دعوى باطلة لا يثبتها حديث صحيح، أما تعرضه للتسميم بخيبر وبقاء أثر تلك الأكلة إلى مرض وفاته فأمر ثابت في السنة.»
وهذا التفريق هو مفتاح المسألة كلها.
أولًا: أصل حادثة الشاة المسمومة ثابت في الصحيحين
روى أنس بن مالك رضي الله عنه:«أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها... فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذاك ـ أو قال: عليَّ».» والحديث في صحيح مسلم، وفيه قول أنس:«فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ».» فالرواية تثبت أمورًا ثلاثة في آن واحد: أن المرأة أرادت قتله. وأن الله لم يمكنها من تحقيق غرضها. وأن للحادثة أثرًا محسوسًا بقي بعد وقوعها. وهذا النص وحده يمنع طرفي الإفراط والتفريط جميعًا؛ فلا يصح أن يقال إن السم قتله في خيبر ونجحت محاولة اغتياله يومئذ، كما لا يصح أن يقال إن السم لم يصبه منه شيء أصلًا. فالحديث نفسه يجمع بين العصمة من القتل ووقوع الأذى الجسدي. وهو شبيه بما وقع في أُحد؛ فقد عصمه الله من أن يقتله المشركون، مع أنه ﷺ جُرح وشُج وجهه وكسرت رباعيته. فالعصمة لا تعني استحالة كل أذى بشري.
ثانيًا: حديث عائشة في مرض الوفاة ثابت، ولفظ «من ذلك السم» ليس زيادة واهية
وهذه من أهم نقاط البحث؛ لأن بعض الكتاب المعاصرين زعم أن جملة: ذ«من ذلك السم» زيادة غير محفوظة أدخلها بعض الرواة بالمعنى، ثم بنى على ذلك إسقاط الحديث كله. وهذا لا يثبت أمام التخريج. قال البخاري في باب مرض النبي ﷺ ووفاته:«وقال يونس عن الزهري، قال عروة، قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم».» وهذا هو نص صحيح البخاري رقم ٤٤٢٨. نعم، أورده البخاري في هذا الموضع تعليقًا بقوله: «وقال يونس»، لكن الخطأ المنهجي أن يستنتج من مجرد كونه معلقًا في موضع البخاري أنه «منقطع ضعيف». فالحديث قد وُصل من الطريق نفسه. أخرجه البزار من طريق: أحمد بن صالح، عن عنبسة، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه الحاكم بهذا الإسناد، وقال: «صحيح على شرط الشيخين». وأخرجه البيهقي كذلك. ووصل الحافظ ابن حجر طريقه في تغليق التعليق. فدعوى أن «البخاري وحده أخرج هذا الخبر معلقًا منقطعًا» غير صحيحة.
وكذلك دعوى أن عبارة «من ذلك السم» تفسير أضافه راوٍ متأخر لا أصل له؛ فإنها واقعة في الرواية المسندة من طريق يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة نفسها. وهذه نتيجة حديثية مهمة ينبغي ألا نتجاوزها بدافع الرغبة في الانتصار لرأي مسبق.
ثالثًا: هل الحديث «آحاد غريب شاذ منكر»؟
وصف بعض الناقدين الخبر بأنه: «آحاد، غريب، شاذ، منقطع، منكر». وهذه أوصاف اصطلاحية لا يجوز جمعها لمجرد استثقال مضمون الحديث. أما كونه من أخبار الآحاد
فخبر الآحاد إذا استوفى شروط الصحة حجة عند جمهور المحدثين والفقهاء والأصوليين، ولا يتحول إلى خبر ضعيف بمجرد عدم بلوغه حد التواتر. فـ«الآحاد» وصف لعدد الطرق، وليس حكمًا بالضعف. وأما الغرابة فالتفرد في طبقة من طبقات السند ليس علة بذاته، وإلا لوجب رد عدد كبير من أحاديث الصحيحين. إنما يبحث المحدث في حال المتفرد ومخالفته وعدمهما.
وأما الشذوذ فليس الشاذ عند أئمة النقد كل رواية انفرد بها راوٍ. وإنما أصل الشذوذ أن يخالف الثقة من هو أوثق منه أو أكثر عددًا على وجه لا يمكن الجمع معه. ولا توجد هنا رواية صحيحة أقوى تقول إن النبي ﷺ لم يكن يجد أثر أكلة خيبر. بل حديث أنس في صحيح مسلم يؤيد أصل بقاء أثر السم، إذ قال:
«فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ».»
وأما الانقطاع فإنما وقع التعليق في سياق البخاري، وقد وُصل الخبر من خارج الصحيح بالسند نفسه؛ فلا يصح بعد ظهور الأسانيد الموصولة وصف أصل الحديث بأنه منقطع بإطلاق. وأما نكارة المتن فليس في المتن ما يناقض القرآن ولا السنة الصحيحة. بل تتعاضد الروايات في إثبات: وقوع السم. ونجاته ﷺ من القتل يوم خيبر. وبقاء أثر الأكلة. وذكر ذلك الأثر في مرض الوفاة. ولهذا حمل الحافظ ابن حجر قول أنس على أن المرض كان يعاوده من تلك الأكلة أحيانًا، وربطه بحديث عائشة «ما أزال أجد ألم الطعام».
رابعًا: رواية أبي داود تؤيد أصل المعنى
ورد عند أبي داود من حديث أبي هريرة في قصة الشاة المسمومة أن النبي ﷺ قال في الوجع الذي توفي فيه:
«ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري».»
وفي الرواية نفسها أن بِشر بن البراء مات من الشاة، وأن المرأة قتلت بعد ذلك. وقد حُكم على الحديث في السنن بـ«حسن صحيح» في بعض تحقيقاته المعاصرة. كما جاء من حديث أم مبشر أنها ذكرت الشاة المسمومة، فقال النبي ﷺ:
«وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك، فهذا أوان قطعت أبهري».»
وقد نقل أبو داود نفسه اختلاف معمر في وصله وإرساله، وهو لون معروف من ألوان اختلاف الرواية، ولا يُسقط حديث عائشة المستقل.
إذن نحن لسنا أمام جملة غريبة لا تعرف إلا من تعليق منفرد في البخاري، بل أمام أصل روائي له أكثر من شاهد وطريق.
خامسًا: ماذا تعني الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟
قال تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].»
دلالة السياق شديدة الوضوح؛ فالعصمة مرتبطة بتبليغ الرسالة.
وقد فسر الطبري الآية بأن الله كافيه من أراد به سوءًا، حتى يقوم بأمر الله ويبلغ ما أنزل إليه.
ولهذا فإن أخطر تفسير غير منضبط للآية هو جعلها وعدًا بأن جسده ﷺ لن يصيبه من البشر أدنى أذى.
فهذا يخالف الوقائع المتواترة من سيرته.
لقد أُوذي.
وجُرح.
وكُسرت رباعيته.
وألقي عليه السلا.
وحُوصر.
وسُحر على قول جمهور شراح الحديث في حديث لبيد بن الأعصم.
فالعصمة ليست نفيًا لكل أذى، وإنما حماية للرسول بحيث لا يتمكن الناس من إبطال رسالته أو القضاء عليه قبل تمام البلاغ الذي أراده الله.
ولهذا قال النووي في حديث الشاة إن قوله ﷺ:
«ما كان الله ليسلطك على ذاك»
من دلائل عصمة الله له، ومن معجزاته في سلامته من السم الذي كان مهلكًا لغيره.
فاليهودية أرادت قتله.
لكنها لم تحقق إرادتها.
وعاش ﷺ بعدها حتى فُتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وحج حجة الوداع، وأكمل الله الدين.
فأين نقض العصمة؟
بل هذه هي العصمة بعينها.
سادسًا: قوله ﷺ «ما كان الله ليسلطك علي» لا يعني استحالة بقاء أثر السم
من الخطأ تحميل هذه العبارة ما لا تحتمله.
قول النبي ﷺ للمرأة:
«ما كان الله ليسلطك على ذاك».»
صدر جوابًا عن قولها:
«أردت لأقتلك».»
أي إن مقصدها وهو قتله في تلك المؤامرة لن يتحقق.
وقد تحقق ذلك بالفعل.
فلم يمت يوم خيبر.
ولم تتوقف الرسالة.
ولم يختل شيء من تبليغ الوحي.
ولا يلزم من عدم تسليطها عليه بالقتل أن يصبح السم بلا أي أثر جسدي.
فالنجاة من الموت لا تساوي انعدام الإصابة.
وهذا واضح حتى في الأسباب العادية؛ فقد يطعن المرء طعنة قاتلة في الأصل فينجيه الله منها، مع بقاء أثر الجرح سنوات.
سابعًا: حديث «ذات الجنب» لا ينفي أثر سم خيبر
استدل بعض النافين بما روي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن أهل البيت ظنوا بمرض النبي ﷺ ذات الجنب، فقال:
«إن ذلك لداء ما كان الله ليقذفني به».»
وأصل الخبر مروي بإسناد عن أسماء بنت عميس.
لكن الاستدلال به على استحالة أثر السم غير صحيح.
فالنبي ﷺ ينفي تشخيصًا بعينه: ذات الجنب.
ولا يقول:
«لن يصيبني مرض».
ولا يقول:
«لن يكون في جسدي أثر سم».
ولا يقول:
«كل مرض يؤدي إلى وفاتي ينافي العصمة».
فالتعميم من مرض مخصوص إلى جميع أسباب المرض والوفاة انتقال لا دليل عليه.
بل مرض النبي ﷺ الأخير نفسه كان شديدًا، وأصابته الحمى والصداع والإغماء.
فتخصيص «ذات الجنب» بالنفي لا يمكن تحويله إلى قاعدة مفادها أن كل داء يؤدي إلى وفاته ممتنع عليه.
ثامنًا: هل يستحيل علميًا بقاء أثر السم سنوات؟
من أكثر الاعتراضات تداولًا قول بعضهم:
«لا يوجد سم في العالم يظل ثلاث سنوات ثم يقتل صاحبه».
وهذه العبارة ـ حتى قبل البحث الطبي ـ لا تطابق متن الحديث أصلًا.
فالحديث لم يقل:
«دخل السم جسده وبقي ساكنًا ثلاث سنوات ثم بدأ عمله فجأة».
بل قال النبي ﷺ:
«ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر».»
وتعبير «ما أزال» يدل على استمرار الإحساس بالأثر، لا على سم خامل بدأ مفعوله بعد سنوات.
وقد شرح ابن حجر قوله «أجد ألم الطعام» بأنه الألم الناشئ عن ذلك الأكل، لا بقاء نفس الطعام في بدنه إلى تلك المدة.
ومن الناحية المنهجية لا نعرف من الروايات على وجه القطع نوع السم ولا مقداره ولا الآفة العضوية التي أحدثها.
فلا يجوز علميًا أن يأتي باحث بعد أربعة عشر قرنًا فيحدد مادة السم، ثم يقرر مدة بقائها، ثم يرد الحديث بناءً على هذا التحديد الافتراضي.
الخبر التاريخي يثبت وجود علاقة ذكرها النبي ﷺ بين أكلة خيبر وبين الألم الذي بقي يجده.
أما الآلية الطبية الدقيقة فمسألة أخرى لا تسمح لنا المصادر المتوفرة بالجزم بها.
تاسعًا: شبهة عدم القصاص من اليهودية
قيل:
لو كان النبي ﷺ قد مات بسبب السم، لاقتص الصحابة من المرأة اليهودية، وعدم وقوع ذلك دليل على بطلان الرواية.
وهذا الاستدلال غير سليم من جهتين.
أولًا: لم يمت النبي ﷺ عقب الحادثة حتى تكون المرأة موقوفة سنوات تنتظر نتيجة إصابته.
وثانيًا: ليست الأخبار خالية من ذكر العقوبة أصلًا.
ففي حديث أبي داود أن بِشر بن البراء مات بسبب الشاة، ثم أمر النبي ﷺ بالمرأة فقتلت.
وفي حديث أنس في صحيح مسلم أنه لما سئل أولًا:
«ألا نقتلها؟»
قال:
«لا».»
وقد جمع أهل العلم بين الروايات بأن العفو كان أولًا في حقه ﷺ، ثم وقع القصاص بعد موت بشر بن البراء، مع بقاء خلاف المحدثين والفقهاء في بعض تفاصيل القصة.
وابن حجر نفسه ذكر اختلاف الروايات في قتلها، وربط المسألة بباب القصاص ممن قتل بالسم.
وعليه فلا يصح بناء رد حديث عائشة على دعوى أنه «لم يذكر قط أن المرأة عوقبت».
عاشرًا: هل قول «انقطاع أبهري» يحقق وعيد سورة الحاقة؟
استدل بعض المنصرين والملاحدة بقوله تعالى:
«﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦].»
ثم قارنوا ذلك بحديث:
«انقطاع أبهري من ذلك السم».»
وقالوا: تحققت فيه العقوبة المذكورة في القرآن!
وهذه شبهة ساقطة من جهة السياق والدلالة.
فالآيات تتحدث عن فرضية أن النبي ﷺ لو اختلق على الله شيئًا ونسبه إلى الوحي؛ فحينئذ يعاجله الله بالعقوبة.
وقد نص الطبري على أن المراد أنه لو فعل ذلك لعاجله الله بالعقوبة ولم يؤخره.
وقال ابن كثير بالمعنى نفسه: لو زاد في الرسالة أو نقص منها ونسب ذلك إلى الله لعاجله بالعقوبة.
والواقع التاريخي هو النقيض تمامًا.
عاش النبي ﷺ بعد نزول القرآن أعوامًا.
وبلغ الرسالة كاملة.
واجتمعت به الأمة في حجة الوداع.
وشهد الصحابة له أنه بلغ وأدى ونصح.
ونزل قول الله:
«﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.»
ثم توفي ﷺ بعد تمام البلاغ.
فكيف تحول الوعيد الإلهي بالمعاجلة عند افتراء الوحي إلى دليل على الكذب بسبب مرض وقع بعد إكمال الرسالة؟
ثم إن مجرد وجود تقارب لغوي بين «الأبهر» و«الوتين» لا يحول كل مرض أو ألم في هذا الموضع إلى تنفيذ لوعيد سورة الحاقة.
وإلا لزم أن يكون كل إنسان مات بانقطاع وعاء كبير قريب من القلب «متقولًا على الله»، وهو استدلال ظاهر الفساد.
الحادي عشر: هل القول بالشهادة خاص بالشيعة؟
من الإنصاف العلمي التنبيه إلى أن القول بأن النبي ﷺ نال الشهادة بسبب أثر سم خيبر ليس قولًا شيعيًا محضًا.
فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
«لأن أحلف بالله تسعًا أن رسول الله ﷺ قتل قتلًا أحب إلي من أن أحلف واحدة... وذلك بأن الله عز وجل اتخذه نبيًا وجعله شهيدًا».»
ورواه الحاكم، وقال إنه صحيح على شرط الشيخين.
فإطلاق عبارة:
«من جهل الشيعة أنهم يقولون إن النبي مات بالسم»
ليس دقيقًا؛ لأن أصل القول بأن له ﷺ حظ الشهادة بسبب ذلك معروف أيضًا عند عدد من علماء أهل السنة.
وإنما موضع الإنكار الحقيقي هو شيء آخر:
نسبة تسميمه إلى عائشة أو حفصة رضي الله عنهما أو إلى أبي بكر أو عمر أو غيرهم من أصحابه من غير إسناد صحيح صريح.
فهذا هو الذي ينبغي تفنيده.
الثاني عشر: لا دليل في أحاديث مرض الوفاة على تسميم أزواجه له
الأحاديث الصحيحة في مرض النبي ﷺ الأخير كثيرة ومفصلة.
روتها عائشة.
وروتها أم سلمة.
وروى بعضها ابن عباس.
وروى أنس.
وروى أبو سعيد.
وروى العباس وغيره.
وتحدثت عن:
الحمى.
والصداع.
والإغماء.
والاغتسال.
واللدود.
وخروجه إلى الصلاة.
وأمره أبا بكر أن يصلي بالناس.
وتخييره بين الدنيا والآخرة.
وقوله: «بل الرفيق الأعلى».
ولا يوجد في الحديث الصحيح المسند خبر يقول إن عائشة أو حفصة رضي الله عنهما وضعتا له السم.
وحتى حديث اللَّدود ـ وهو الدواء الذي صُب في جانب فمه وهو مغمى عليه ـ لا يقول إنه سم، بل كان علاجًا ظنه أهل البيت نافعًا، فلما أفاق أنكر عليهم إكراهه عليه.
وجعل هذه الواقعة «عملية تسميم» قفزة من الرواية إلى الاتهام بلا برهان.
والقاعدة الشرعية والعلمية واحدة:
الاتهام في الدماء لا يثبت بالظنون ولا بالمجادلات المذهبية، وإنما بالبينة الصحيحة الصريحة.
ولا بينة هنا.
الثالث عشر: أمهات المؤمنين وبراءة مقام النبوة من الروايات الاتهامية
قال تعالى:
«﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].»
ولا ريب أن مقام أمهات المؤمنين عظيم.
لكن الدفاع العلمي عنهن لا يحتاج إلى إطلاق التكفير أو السباب على المخالف.
بل أقوى دفاع هو التحقيق:
أين الإسناد؟
من رواته؟
هل اتصل؟
هل صح؟
هل لفظه صريح في القتل؟
هل ثبت تعيين الفاعل؟
وهذه الأسئلة كافية وحدها لإسقاط كثير من المواد الطائفية الشائعة.
فمجرد أن يوجد في بعض المصنفات المتأخرة قول «قُبض مسمومًا» لا يعني بحال أن فلانًا أو فلانة من أهل بيته هو الذي سممه.
فإثبات السبب شيء، وإثبات الفاعل شيء آخر تمامًا.
الرابع عشر: إشارات قرب الأجل لا تعارض أثر السم
ثبتت عن النبي ﷺ إشارات متعددة إلى قرب أجله.
ومنها ما فهمه أبو بكر رضي الله عنه حين قال النبي ﷺ:
«إن عبدًا خيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده».»
فبكى أبو بكر، وعرف أنه رسول الله ﷺ.
وثبت في حجة الوداع ما يشعر بقرب الرحيل.
وثبتت مراجعة جبريل له القرآن مرتين في العام الذي توفي فيه.
وثبت قوله عند الموت:
«بل الرفيق الأعلى».»
وكل ذلك يدل على أن وفاته كانت بأجل الله واختياره وتقديره.
لكنه لا ينفي وجود سبب مرضي.
فالقول بأن إنسانًا مات بسبب مرض أو إصابة لا يعني أن أجله خرج عن قضاء الله.
قال تعالى:
«﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.»
فليس هناك في العقيدة الإسلامية تعارض بين:
الموت بالأجل،
ووجود سبب للموت.
وإلا لما صح أن يقال إن فلانًا مات بالحمى، أو بالطاعون، أو بالسيف، أو في المعركة.
الخامس عشر: الصياغة الحديثية الدقيقة في المسألة
بعد جمع الروايات والنظر في أسانيدها، فالصياغة الأكثر ضبطًا هي:
ثبت أن النبي ﷺ تعرض لمحاولة تسميم بخيبر من امرأة يهودية، وأن الله عصمه من أن تحقق مقصدها في قتله يومئذ، فأخبر بوجود السم وعاش بعد الحادثة حتى أتم الله به الدين. وثبت كذلك أنه بقي يجد ألم أكلة خيبر، وذكر في مرض وفاته انقطاع أبهره «من ذلك السم» في حديث عائشة الذي علّقه البخاري ووصل إسناده غيره. ولذلك لا يصح حديثيًا نفي كل أثر للسم في مرض وفاته نفيًا قاطعًا.
وفي المقابل:
لا يوجد في السنة الصحيحة دليل على أن عائشة أو حفصة أو أبا بكر أو عمر أو أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم دس إليه السم في مرضه الأخير، ولا يجوز نقل حادثة خيبر من فاعلتها المعروفة في الروايات إلى أزواج النبي ﷺ أو أصحابه بغير برهان.
الخاتمة
يمكن تلخيص نتيجة البحث في خمس قضايا:
- محاولة تسميم النبي ﷺ بخيبر ثابتة قطعًا من جهة ثبوت الخبر الصحيح، وكانت الفاعلة امرأة يهودية.
- الله عصم رسوله ﷺ من تحقق مقصدها في قتله يوم خيبر؛ فعاش حتى تم البلاغ واكتمل الدين، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
- بقاء أثر أكلة خيبر إلى مرض الوفاة ثابت بحديث عائشة، ولفظ «من ذلك السم» ليس زيادة راوٍ مجهولة، بل جاء في الإسناد الموصول أيضًا عند البزار والحاكم والبيهقي.
- دعوى أن حديث عائشة «آحاد غريب شاذ منقطع منكر» دعوى غير محررة بحسب اصطلاح المحدثين؛ فالتعليق قد وُصل، والمتن تؤيده شواهد أخرى، ولا توجد مخالفة صحيحة توجب الحكم عليه بالشذوذ.
- دعوى تسميم النبي ﷺ على يد أزواجه أو أصحابه باطلة لا ينهض عليها دليل صحيح، ولا يجوز الخلط بينها وبين حادثة الشاة المسمومة بخيبر.
ولهذا فإن المعركة العلمية لا ينبغي أن تكون مع الحديث الصحيح لإسقاطه، وإنما مع التوظيف الباطل للحديث.
فالسنة لا تقول إن أصحاب محمد ﷺ اغتالوه.
ولا تقول إن أزواجه قتلنه.
ولا تقول إن اليهودية أبطلت نبوته أو منعت تبليغ رسالته.
بل تخبرنا أن امرأة أرادت قتله بالسم فأبطل الله مقصدها، وأبقاه حتى أدى الأمانة وبلغ الرسالة وأكمل الله به الدين، ثم قبضه إليه في أجله الذي كتبه له، وقد اختار ﷺ الرفيق الأعلى.
أما تحويل سم خيبر إلى قصة اغتيال نفذها أهل بيته وأصحابه، فليس تحقيقًا تاريخيًا ولا نقدًا حديثيًا، وإنما دعوى تحتاج إلى سند صحيح صريح، ولا سند لها.
والله تعالى أعلم.
