تعد مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من أكثر المسائل الفقهية إثارة للجدل والنظر في العصر الحديث، وقد احتلت حيزاً واسعاً في المدونات الفقهية والرسائل العلمية، وتشعبت فيها أقوال العلماء وتعددت مداركهم وتنوعت أدلتهم.
وإذا كانت هذه المسألة قد قُدّرت لها هذه المكانة البارزة في ساحة البحث الفقهي، فلأنها تمس جانباً عقدياً ووجدانياً عميقاً في نفوس المسلمين، ألا وهو محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وتجديد العهد بسيرته العطرة، والتعبير عن الشكر لله تعالى على أعظم نعمة أنعم بها على البشرية. والمنهجية المتبعة في هذا العرض لا تقوم على تبني رأيٍ واحد أو الانتصار لفريق دون آخر، وإنما تقوم على:
- العرض الموضوعي المتجرد لأقوال الفريقين بأدلتها ومستنداتها.
- الكشف عن الأسس الأصولية التي بنى عليها كل فريق حكمه.
- بيان أن الخلاف في هذه المسألة ليس خلافاً في أصل محبة النبي ﷺ، بل هو خلاف في الطريق الشرعي المعتبر للتعبير عن هذه المحبة.
- تقرير القاعدة العلمية أن المسائل الاجتهادية لا يصح أن تكون مثار تفرقة أو تنازع أو اتهام في العقائد والمقاصد.
فالبحث في هذه المسألة بحثٌ أصولي في المقام الأول؛ إذ كل فريقٍ بنى حكمه على أصول عامة من أصول الفقه وقواعده، فمن فهم الأصل على وجهٍ أجاز، ومن فهمه على وجهٍ آخر منع، وهذا هو شأن المسائل الاجتهادية التي تتعدد فيها أنظار المجتهدين.
أولاً: التمهيد التاريخي والمفهومي
المبحث الأول: تحديد مفهوم المولد النبوي
المولد لغة: مصدر ميمي من "وَلَدَ"، ويطلق على زمان الولادة ومكانها، والمراد به هنا: ذكرى زمن ولادة النبي ﷺ.
المولد اصطلاحاً: هو الاجتماع الذي يُعقد في ذكرى ولادة النبي ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، أو في أي يوم من أيام هذا الشهر عند بعضهم، ويتضمن عادة:
- قراءةَ ما تيسر من القرآن الكريم.
- روايةَ الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي ﷺ وما وقع في مولده من الآيات والمعجزات.
- ذكرَ شمائله وسيرته العطرة.
- إنشادَ المدائح النبوية والقصائد التي تذكر بفضله.
- تقديمَ الطعام والشراب والطيب للحاضرين.
- الصدقةَ والبذل في هذا اليوم.
المبحث الثاني: النشأة التاريخية للاحتفال بالمولد
لم يثبت بدليلٍ تاريخي معتبر أن أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم أو التابعين أو علماء القرون الثلاثة المفضلة احتفل بالمولد النبوي بهذه الصورة المنظمة.
وأول ظهور تاريخي للاحتفال المنظم: أشار أكثر الباحثين إلى أن أول من أحدثه الملوك الفاطميون في مصر في القرن الرابع الهجري، وكان احتفالهم شاملاً لموالد كثيرة: مولد النبي ﷺ، ومولد علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، والخليفة الحاضر، ولم يكن مختصاً بمولده ﷺ.
ثم انتشر الاحتفال بمولده ﷺ خاصة بعد ذلك في أقطار العالم الإسلامي، وتفنن الناس فيه، وألف فيه العلماء، فمنهم من أجاز وصنف في الجواز، ومنهم من منع وصنف في المنع، وأصبحت المسألة من المسائل التي تواتر فيها التأليف والتصنيف.
ثانياً: عرض القولين بأدلتهما ومستنداتهما
القول الأول: الجواز والاستحباب من أشهر من أجاز الاحتفال بالمولد النبوي
- الحافظ أبو شامة المقدسي (ت 665هـ) في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث".
- الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ).
- الحافظ السخاوي (ت 902هـ).
- الإمام جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) في رسالته "حسن المقصد في عمل المولد".
- ابن حجر الهيتمي (ت 974هـ).
- أبو العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت 1041هـ).
- عبد الله بن الصديق الغماري (ت 1413هـ).
- وغيرهم كثير من علماء الأمة.
أدلة المجيزين ومستنداتهم:
1. الاستدلال بحديث صيام يوم الاثنين
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام الإثنين والخميس، رقم 1162).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نص على أن صيامه ليوم الإثنين كان لأجل شكر الله تعالى على نعمة ولادته فيه، فدل ذلك على مشروعية الشكر لله تعالى على نعمة الولادة الشريفة. فإذا كان الصيام مشروعاً شكراً لله على هذه النعمة، فإحياء ذكرى الميلاد بما يتضمن من القربات من قراءة القرآن وإطعام الطعام والصدقة والذكر أولى بالمشروعية؛ إذ إن القربة الفعلية أبلغ في إظهار الشكر من مجرد الإمساك عن الطعام، فالجامع بين الصيام والاحتفال هو إظهار الشكر لله تعالى على نعمة ولادة النبي ﷺ.
2. القياس على صيام عاشوراء
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الدرر الكامنة" وفي غيره: إن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة موسى عليه السلام، فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه، شكراً لله تعالى على نعمة نجاة نبيه موسى.
فيستفاد من ذلك: مشروعية فعل الشكر لله تعالى على ما مَنّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة. وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ﷺ نبي الرحمة في ذلك اليوم؟! فالقياس هنا قياس أولى.
3. عموم الأدلة الدالة على فضيلة الاجتماع على الذكر والعلم
قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: 5].
فالتذكير بأيام الله تعالى مشروع، وأي يوم أعظم من يوم وُلد فيه سيد الخلق ﷺ؟!
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
فأمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، والنبي ﷺ هو أعظم الفضل والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
4. قاعدة "البدعة الحسنة" وتقسيم البدع إلى الأحكام الخمسة
اعتمد المجيزون على تقسيم الإمام العز بن عبد السلام (ت 660هـ) للبدع إلى الأحكام الخمسة، حيث قال في "قواعد الأحكام": "البدعة فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله ﷺ، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة".
فجعلوا الاجتماع على السيرة النبوية وإطعام الطعام من البدع المندوبة التي يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، لأنها من المصالح المرسلة التي تخدم مقصداً شرعياً معتبراً.
5. التأصيل على قاعدة "المصالح المرسلة"
المولد النبوي عند المجيزين من المصالح المرسلة التي لم يرد دليل على اعتبارها ولا على إلغائها، وهي داخلة في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الذكر والتعظيم والشكر.
6. الاستدلال بأصل مشروعية الاجتماع على الذكر
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا...» (صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله، رقم 6408).
والاحتفال بالمولد فيه اجتماع على ذكر الله وذكر رسوله ﷺ، فهو داخل في عموم هذا الفضل.
7. الاستدلال بإطلاق أدلة المدح والثناء على النبي ﷺ
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
فما يفعله المحتفلون من كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ داخل في عموم هذا الأمر القرآني.
القول الثاني: المنع والتحريم
من أشهر من منع الاحتفال بالمولد النبوي:
- الإمام أبو إسحاق الشاطبي (ت 790هـ) في "الاعتصام".
- ابن تيمية (ت 728هـ) في "اقتضاء الصراط المستقيم".
- ابن الحاج المالكي (ت 737هـ) في "المدخل".
- تاج الدين الفاكهاني (ت 731هـ) في رسالته "المورد في الكلام على عمل المولد".
- عبد العزيز بن باز (ت 1420هـ).
- محمد بن صالح العثيمين (ت 1421هـ).
- وغيرهم كثير.
أدلة المانعين ومستنداتهم:
- الاستدلال بحديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فهو رد، رقم 2697).
ووجه الاستدلال: أن الاحتفال بالمولد عملٌ مُحدث لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا في عهد أصحابه ولا التابعين، فهو ليس من أمر الدين، فوجب رده.
2. الاستدلال بقاعدة "ترك السلف مع قيام المقتضي"
قال المانعون: إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أشد الناس حباً للنبي ﷺ، وأعظمهم تعظيماً له، وقد كان الداعي إلى إحياء ذكرى مولده قائماً فيهم، فلو كان الاحتفال خيراً لسبقونا إليه، فإنهم أسبق إلى كل خير.
وتقرير القاعدة الأصولية عندهم: أن الترك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع يدل على أن الفعل ليس مشروعاً. فالمقتضي (محبة النبي ﷺ) كان موجوداً، والمانع منتفٍ، ومع ذلك تركوا الاحتفال، فدل ذلك على أنه ليس من الدين.
3. أن الأصل في العبادات التوقيف
قال الشاطبي في "الاعتصام": "إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتاج إلى زيادة، فمن زاد فيها شيئاً لم يشرعه الله فقد اتهم الشريعة بالنقصان، واستدرك على الله ورسوله".
والعبادات مبناها على التوقيف، فلا يُتعبَّد لله إلا بما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ.
- أن تخصيص زمان معين بعبادة معينة لم يرد بها الشرع من البدع:
قال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": "فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي وعدم المانع، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص".
5. أن الاحتفال ورد في بيئة شيعية فاطمية
قال الفاكهاني في "المورد": "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون".
6. الاستدلال بقاعدة "سد الذرائع"
إن الاحتفال بالمولد يفتح الباب للغلو في النبي ﷺ، وقد يؤدي إلى دعائه من دون الله، أو الاستغاثة به، أو اعتقاد ما لا يليق إلا بالله فيه، وهذه ذرائع محرمة يجب سدها.
7. أن العبادة توقيفية في وقتها وكيفيتها
فالصلاة والصيام والحج والذكر كلها عبادات محددة الأوقات والكيفيات، ولا يجوز أن يزاد عليها ما لم يأذن به الله، وتخصيص يوم معين بالاحتفال هو تحديد وقت لعبادة لم يحدده الله ولا رسوله.
ثالثاً: التقرير الأصولي للأقوال المتقدمة
بعد استعراض أقوال الفريقين بأدلتهما، يتضح أن الخلاف في المولد النبوي ليس خلافاً في محبة النبي ﷺ ولا في تعظيمه، بل هو تطبيق عملي لاختلاف المدارس الأصولية في تنزيل القواعد على المسائل.
ولفهم هذا العمق الأصولي، نستعرض المسألة عبر محاور أصولية دقيقة، تكشف كيف تعامل العقل الفقهي مع هذه المسألة:
المحور الأول: دلالة "الترك" النبوي
هل ترك النبي ﷺ والصحابة لعملٍ ما يُفيد تحريمه؟
1. المدرسة المانعة: الترك مع قيام المقتضي يدل على عدم المشروعية
تطبق هذه المدرسة قاعدة: "ما تُرِك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، ففعله بدعة".
ويقولون: دافع الاحتفال (المقتضي) وهو محبة النبي ﷺ كان موجوداً بقوة عند الصحابة، ولم يكن هناك مانع يمنعهم من الاجتماع يوم مولده، ومع ذلك تركوه. إذن، الترك هنا "سنة مقصودة"، وإحداثه استدراك على كمال الدين.
ويضيفون أن الصحابة كانوا أشد حباً للنبي ﷺ منا، فلو كان في هذا التخصيص خير لسبقونا إليه، فالخير كل الخير في الاتباع.
ويقرر الشاطبي في "الاعتصام": "إذا كان الترك مع قيام المقتضي فالفعل بدعة، لأن السلف لو كان عندهم علم بأن هذا الفعل خير لأخذوا به، فلما تركوه دل على أنه ليس بخير".
2. المدرسة المجيزة: الترك لا يفيد التحريم بمجرده إلا بنص
ترى هذه المدرسة أن الترك لا يفيد التحريم بمجرده إلا بنص، لأن الترك قد يكون لمانع، وقد يكون لعدم الحاجة، وقد يكون للاشتغال بما هو أهم.
ويقولون: إن المانع كان موجوداً، وهو:
- انشغال الجيل الأول بتأسيس أركان الدين والجهاد ونشر الإسلام.
- شدة استحضارهم للنبي ﷺ في كل لحظة، فلم يحتاجوا ليوم يذكرهم به، لأنهم عاشوا معه ورأوه وسمعوه.
- اشتغالهم بجمع القرآن وتدوين السنة وفتح الأمصار.
أما في العصور المتأخرة: فقد وُجد مقتضٍ جديد، وهو ضعف الارتباط بالسيرة، وفتور العاطفة الدينية، وبعد العهد بزمن النبوة، فصار إحداث وسائل للتذكير أمراً تقتضيه المصلحة.
ويؤصلون لذلك بقاعدة "الترك العدمي والترك الوجودي":
فالنبي ﷺ ترك أشياء كثيرة لعدم الحاجة إليها في زمانه، كجمع المصحف في مصحف واحد، وتدوين الدواوين، وبناء المآذن، وتنقيط المصحف، وكلها أُحدثت بعده للمصلحة، فالترك لا يقتضي التحريم المطلق بل يقتضي عدم الوجوب.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "إن ما حدث بعد النبي ﷺ من الأمور التي لم تكن في عهده ولم يتناولها النهي يسمى بدعة لغة، وأما شرعاً فمنها ما هو حسن ومنها ما هو غير ذلك".
المحور الثاني: القياس الأصولي في باب العبادات
هل يجوز إثبات الاحتفال بالقياس؟
1. المدرسة المجيزة: أعملت "القياس" وأثبتت به المشروعية
أشهر من فعل ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني، حيث قاس المولد على صيام عاشوراء.
ونص كلامه كما نقله السيوطي في "حسن المقصد": "يُستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟!"
ووجه القياس: أن النبي ﷺ شكر الله تعالى بصيام يوم عاشوراء على نجاة موسى، فإذا شرع الشكر على نجاة نبي، فالشكر على ولادة نبي أولى وأعظم.
2. المدرسة المانعة: تمنع هذا القياس بقاعدة "لا قياس في العبادات المحضة"
يقولون: إن الشكر على النعم له طرق مشروعة حددها الشارع، كصيام الاثنين، والصلاة، والصدقة، فالعبادات مبناها على التوقيف لا على القياس.
وتقريرهم الأصولي: أن القياس في العبادات غير جائز إذا كان المقيس عليه عبادة محضة، لأن مناط العبادة تعبدي محض، لا يُعقل معناه، ولا يُدرك بالعلل.
قال ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": "والقياس هنا باطل، لأن الأصل المقيس عليه عبادة توقيفية، والشكر لله لا يكون إلا بما شرعه الله، ولا يجوز أن يُتعبَّد لله بما لم يشرعه".
المحور الثالث: دلالة النص على فضيلة الزمان
كيف نفهم حديث صيام يوم الاثنين: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ»؟
1. المدرسة المانعة: تقف عند "دلالة النص الخاصة"
فالنبي ﷺ شرع لنا عبادة محددة في هذا اليوم وهي الصيام، وتعدية هذه العبادة إلى أشكال أخرى من الاحتفال كإطعام الطعام وإنشاد المدائح وتعطيل الأعمال هو خروج عن دلالة النص وتجاوز للمشروع.
قال ابن تيمية: "وأما الاجتماع في يوم المولد على عمل معين، فلم يأمر به النبي ﷺ ولا فعله، وإنما صام يوم الاثنين، فمن صامه فقد اتبع السنة، ومن أحدث فيه غيره فقد ابتدع".
2. المدرسة المجيزة: تأخذ بـ "دلالة الإيماء والإشارة"
يرون أن الحديث أومأ إلى فضل الزمان الذي وُلد فيه النبي ﷺ. وبما أن الزمان فاضل، فإن إظهار الفرح فيه بأي وسيلة مباحة كالإطعام والذكر يندرج تحت تعظيم شعائر الله.
ويستدلون بقاعدة "تعظيم ما عظمه الله": فكما أن الأمكنة تتفاضل كمكة والمدينة، فإن الأزمنة تتفاضل، ويوم وُلد فيه سيد الخلق هو من أعظم أيام الله التي يستحب التذكير بها، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾.
قال الحافظ السيوطي في "حسن المقصد": "فيستفاد من صيامه ﷺ ليوم الاثنين تعظيم يوم ولادته، فإذا كان تعظيمه بالصيام فتعظيمه بالاجتماع على الذكر والصدقة أولى".
المحور الرابع: بين "البدعة الإضافية" و"المصلحة المرسلة"
1. المدرسة المانعة: تُكيّف المولد على أنه "بدعة إضافية"
والبدعة الإضافية عند الإمام الشاطبي: هي ما لها شائبتان: شائبة تستند إلى دليل شرعي، وشائبة لا تستند.
فأصل الذكر والإطعام مشروع، ولكن تخصيصه بزمان معين (12 ربيع الأول) وهيئة معينة والتزام ذلك كأنه سنة يجعله بدعة إضافية محرمة.
قال الشاطبي في "الاعتصام": "فإن الاجتماع على الذكر مشروع، ولكن تخصيص يوم معين بذلك من غير دليل هو البدعة، فإن العبادة إذا لم تكن مشروعة بأصلها ولا بوقتها ولا بكيفيتها فهي بدعة".
2. المدرسة المجيزة: تُكيّف المولد على أنه "مصلحة مرسلة" أو "بدعة حسنة"
فالقصد منه جمع الناس على حب النبي وسيرته، والوسائل تتجدد، وما دام الاجتماع يخلو من المحرمات فهو مصلحة مرسلة تخدم مقصداً شرعياً وهو حفظ الهوية والمحبة في قلوب العوام.
ويستندون إلى تقسيم الإمام العز بن عبد السلام للبدعة إلى الأحكام الخمسة:
- واجبة: كتدوين العلوم وشرح السنة.
- مندوبة: كبناء المدارس وإحداث الطرق الموصلة للخير.
- مباحة: كتوسعة الأطعمة والألبسة.
- مكروهة: كزخرفة المساجد.
- محرمة: كالبدع المخالفة للشرع.
فجعلوا الاجتماع على السيرة وإطعام الطعام من البدع المندوبة التي يُثاب فاعلها.
المحور الخامس: الإنصاف التيمي (قاعدة اعتبار النيات في الأفعال المختلَف فيها)
وهذا المحور من أعظم ما يُذكر في تجرد العقل الفقهي، حيث يقرر ابن تيمية وهو من أشد المانعين للمولد قاعدة أصولية قلبية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم":
قال رحمه الله: "فتعظيم المولد، واتخاذه موسماً، قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله ﷺ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، فإنه يعذر فيما يخطئ فيه، بل يثاب على حسن قصده".
وهذا يمثل قمة التجرد والإنصاف؛ فالفعل عنده بدعة من حيث التأصيل، لكن الفاعل قد يُثاب من حيث النية والتعظيم للجناب النبوي.
ويقول أيضاً في موضع آخر: "فهذه الأمور التي تُحدث في المولد، إذا خلت عن المحرمات، وكان صاحبها حسن النية، محباً للرسول ﷺ، لم يُحكم بأنه مرتد ولا فاسق، بل قد يكون له أجر".
المحور السادس: التكييف الفقهي
كيف نُكيّف الاحتفال؟ هل هو عبادة أم عادة؟
1. المدرسة المانعة: تعتبره عبادة
لأن الناس يتقربون به إلى الله، ويظنون أنه قربة مطلوبة، والقاعدة الأصولية: "الأصل في العبادات الحظر والمنع حتى يرد الدليل".
قال الشاطبي: "فإذا اعتقد الفاعل أن هذا الفعل قربة إلى الله، وقد خصص له زماناً ومكاناً وهيئة، فهذا عبادة، والعبادة لا تكون إلا بتوقيف".
2. المدرسة المجيزة: تعتبره من باب العادات
التي يُقصد بها إظهار الفرح، والقاعدة الأصولية: "الأصل في العادات الإباحة".
فالفرح بالنبي ﷺ عادة حسنة تُثاب بالنية، شأنها شأن الولائم والاحتفالات المباحة التي تُعقد للنجاح أو الزواج، فكيف لا يُفرح بمولد سيد الخلق ﷺ؟!
قال السيوطي: "الاحتفال بالمولد من العادات الحسنة التي تشتمل على منافع شرعية، فهو من باب العادات لا من باب العبادات".
المحور السابع: قاعدة "سد الذرائع"
1. المدرسة المانعة: تُعمل هذه القاعدة بقوة
فيقولون: إن إجازة المولد تفتح الباب للغلو في النبي ﷺ، بما يفضي إلى الشرك، وتفتح الباب للمنكرات التي تصاحب هذه الموالد كالاختلاط واستخدام المعازف والإسراف. فسد الذريعة يقتضي المنع من الأصل.
قال ابن الحاج في "المدخل": "ومن المفاسد التي ترتبت على فعل المولد: الغلو في النبي ﷺ، ودعاؤه من دون الله، واعتقاد أن هذا اليوم عيد من أعياد الله، والاختلاط بين الرجال والنساء".
2. المدرسة المجيزة: ترى أن "سد الذرائع لا يلغي أصل المشروعية"
فالمنكرات تُنكر لذاتها، ولا يُمنع الأصل المباح بسبب سوء التطبيق. فإذا وُجد اختلاط نُهينا عنه، وإذا وُجد غلو حذرنا منه، ويبقى أصل الاجتماع على السيرة والمديح المباح جائزاً.
والقاعدة عندهم: "ما حُرّم لسد الذريعة يُباح للمصلحة الراجحة"، والمصلحة هنا هي ربط العوام بنبيهم في زمن كثرت فيه الفتن.
قال المقري التلمساني: "لا يلزم من منع المحرمات المصاحبة لبعض صور الاحتفال منع الأصل، فالمنكر يُنكر حيث وُجد، والحلال لا يحرم بسبب ما يقارنه من فعل بعض الجهال".
المحور الثامن: كيفية الاحتفال المثلى عند المجيزين
بما أن المجيزين بنوا جوازهم على "المصلحة" و"الشكر"، فقد اشترطوا لتحقيق ذلك ضوابط صارمة، حتى لا يخرج الاحتفال عن مقصده الشرعي إلى العبث.
قال الإمام جلال الدين السيوطي مبيناً هذه الكيفية المثلى:
"أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي ﷺ وما وقع في مولده من الآيات، ثم يُمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التي يُثاب عليها صاحبها".
فالاحتفال المثالي عندهم يرتكز على:
- إطعام الطعام وإدخال السرور على الفقراء والمساكين.
- تدارس السيرة النبوية والشمائل المحمدية لربط الأجيال بنبيهم.
- كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ.
- قراءة القرآن الكريم.
- خلو الاجتماع تماماً من أي منكر شرعي كالاختلاط المحرم، أو الإسراف، أو الغلو في المدح.
فإذا دخلت هذه المنكرات، عاد الحكم إلى التحريم بالاتفاق.
رابعاً: الخلاصة والنتائج
إن المتأمل في هذا العرض يدرك بيقين أن الخلاف في هذه المسألة ليس صراعاً بين حق وباطل، ولا بين سنة وبدعة فاحشة، بل هو اختلاف فقهي سائغ ناتج عن اختلافهم في التكييف الأصولي لواقعة الاحتفال.
المدرسة المانعة: نظرت إلى المولد من زاوية "الهيئة المُحْدَثة"، فرأت أن تخصيص زمان معين للتقرب إلى الله بأعمال وإن كانت مشروعة في أصلها لم يفعلها السلف، يجعله "بدعة إضافية". فطبقت قاعدة التوقيف في العبادات، ومنعت سداً لذريعة الابتداع.
المدرسة المجيزة: نظرت إلى المولد من زاوية "المقصد والمعنى"، فرأت أن الأعمال المفعولة فيه كالشكر والذكر والإطعام هي قربات مشروعة ومطلوبة، فطبقت قواعد البدعة الحسنة والمصالح المرسلة، وأجازت تخصيص الزمان بها استثماراً للمواسم في تجديد العهد بالسيرة النبوية وربط العوام بنبيهم.
فالخلاف إذن يدور حول تنزيل القواعد، لا حول أصل المحبة.
ولا ينبغي لمسألة فرعية اجتهادية أن تكون معول هدم لوحدة الأمة، أو سبباً للطعن في نوايا المحبين وعقائدهم، فكلهم من رسول الله ملتمس، والجميع يرجو شفاعته ﷺ.
ويجمع الفريقين:
- الإيمان بوجوب محبة النبي ﷺ.
- الإقرار بفضله ومنزلته.
- الاتفاق على مشروعية الصيام يوم الاثنين شكراً لله على ولادته.
- الاتفاق على حرمة الغلو في مدحه والاختلاط والمنكرات.
- الاتفاق على أن أفضل الهدي هدي محمد ﷺ.
وهذا من فقه الاختلاف الذي كان عليه سلف الأمة:
قال سفيان الثوري رحمه الله: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره، فلا تنهه".
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب واحد، ولا يشدد عليهم".
فالخلاف الفقهي المعتبر لا يوجب العداوة والبغضاء، ولا يسوغ التبديع والتفسيق، بل الواجب فيه:
- معرفة الحق بالدليل.
- التماس العذر للمخالف.
- التعاون فيما اتفقنا عليه.
- سعة الصدر فيما اختلفنا فيه.
والحمد لله الذي بعث نبينا محمداً رحمة للعالمين، وجعل أمته أمة وسطاً، ورزقها علماء ربانيين يجتهدون في خدمة دينه، ويبتغون مرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
