رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

بين نقد الذات وجلد الأمة: قراءة نقدية في نص منسوب إلى عبد الله القصيمي

الفكر والمنهج وآداب العلم٨ دقائق للقراءة١٬٣٥٢ كلمة

يحتاج هذا النص المتداول إلى قراءةٍ تميّز بين نقد الذات المشروع وبين التعميم الذي ينقلب إلى جلدٍ للأمة ومصادرةٍ لتعقيد الواقع. اظن النص متداولٌ منسوبًا إلى عبد الله القصيمي، لا إلى «عبد الله القصيبي»، ويربطه ناشروه بكتاب العرب ظاهرة صوتية. وقد وجدتُ الكتاب منسوبًا إليه في نسخة رقمية متاحة، كما وجدت المقالة متداولة بهذه النسبة، لكن البحث النصي في النسخة المتاحة لم يثبت وجود هذه الفقرات مجتمعةً بهذا اللفظ الحرفي؛ ولذلك فالأدق أن يقال: نص متداول منسوب إلى عبد الله القصيمي، ما لم يُذكر رقم الصفحة والطبعة التي ورد فيها. و لنقف قليلا في مناقشة الأفكار

أولًا: لا تخلو المقالة من تنبيه إلى أمراض حقيقية في بعض البيئات العربية، مثل

الاحتماء بأمجاد الماضي عوضًا عن صناعة الحاضر، وتحويل التراث من مادة للفهم والاستفادة إلى أداة تمنع السؤال، وتربية الأجيال على التقليد الاجتماعي، وضعف المؤسسات النقدية، واستعمال الدين أو العادات لتبرير بعض صور الاستبداد والتمييز.

والإسلام نفسه لا يرفض نقد الذات، بل يأمر بالعدل ولو على النفس والوالدين والأقربين، ويحذّر من أن يحمل بغض الآخرين على مجاوزة الإنصاف: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، و﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

كما أن القرآن ذمّ تقليد الآباء حين يتحول إلى تعطيل للعقل ورفض للحق، فقال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. فليس كل موروثٍ حقًّا لمجرد أنه موروث، ولا كل عادة معتبرةً لمجرد أن الأجداد مارسُوها. ومن هنا فدعوة المقالة إلى التحرر من التقليد الأعمى وإلى تنمية العقل النقدي دعوة صحيحة من حيث أصلها، لكنها أُفسدت بطريقة عرضها ومقدماتها ونتائجها.

ثانيًا: مغالطة التعميم الشامل

بُني النص كله تقريبًا على عبارة: «كل الأمم فعلت كذا إلا بني يعرب». وهذه صياغة خطابية لا علمية؛ لأن لفظ كل الأمم يحتاج إلى استقراء تاريخي واجتماعي شامل، وهو أمر لم تقدّم المقالة عليه أي دليل.

فالأمم الغربية والشرقية لم تتخلص جميعًا من تقديس التاريخ أو العصبيات القومية أو الصراعات الدينية. وما تزال مجتمعات كثيرة تستدعي ماضيها، وتقدّس رموزها المؤسسة، وتوظف الدين والقومية والتاريخ في السياسة. كما أن المجتمعات العربية ليست كتلة واحدة؛ ففيها المحافظ والمجدد، والناقد والمقلد، والعالم والجاهل، والمستبد والمصلح.

والخطاب الذي يضع «كل العالم» في جهة التقدم، و«العرب وحدهم» في جهة التخلف، لا يصف الواقع، بل يصنع صورة ذهنية مبسطة تخدم موقفًا مسبقًا.

ومن مقتضى العدل الإسلامي ألا تُحمّل جماعة كاملة أخطاء بعض أفرادها أو أنظمتها؛ فالقرآن يقرر أصل المسؤولية الفردية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، كما يمنع الهوى من إفساد الشهادة والحكم.

ثالثًا: هناك الخلط بين الوحي والتراث

فقول المقالة: «كل الأمم نزعت القداسة عن تراثها إلا بني يعرب» يتضمن خلطًا بين أنواع مختلفة من الموروث.

فالتراث الإسلامي يشتمل على:

الوحي المعصوم المتمثل في القرآن الكريم وما صح من سنة النبي ﷺ.

فهم العلماء للنصوص، وهو اجتهاد بشري يقبل المناقشة والترجيح.

التجربة السياسية والتاريخية للمسلمين، وهي أعمال بشرية فيها الصواب والخطأ.

الأعراف والعادات الاجتماعية، وهي تُقبل أو تُرد بميزان الشرع والمصلحة.

فالمنهج الإسلامي لا يقدّس التاريخ ولا الحكام ولا اجتهادات الفقهاء، وإنما يعظم الوحي ويحترم العلماء من غير أن يجعلهم معصومين. وقد نشأت داخل الحضارة الإسلامية علوم كاملة لمراجعة الموروث ونقده، كعلم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، والعلل، والخلاف الفقهي، ونقد الروايات التاريخية.

ومن ثم فإن المطلوب ليس «نزع القداسة عن التراث» بإطلاق، بل تمييز المقدس الإلهي من الاجتهاد البشري، وتمييز الثابت من المتغير، والصحيح من الضعيف، والشرعي من العرفي.

رابعًا: ثنائية الماضي والمستقبل ثنائية زائفة

تفترض المقالة أن التطلع إلى المستقبل لا يتحقق إلا بالقطيعة مع الماضي. وهذا تصور غير دقيق؛ فالأمم الحية لا تهدم ذاكرتها، وإنما تنقدها وتعيد قراءتها وتستثمر عناصر قوتها.

فالإسلام لا يدعو إلى استنساخ الصورة التاريخية للمجتمع القديم بكل أدواتها وأعرافها، كما لا يدعو إلى القطيعة مع الأصول. وإنما يدعو إلى الجمع بين: ثبات المرجعية وتجدد الاجتهاد، وثبات المقاصد وتطور الوسائل، وحفظ الهوية والاستفادة من الخبرة الإنسانية. فالعودة المحمودة إلى الماضي هي العودة إلى قيم العدل والرحمة والعلم والأمانة والشورى، لا إعادة إنتاج أنظمة الحكم أو وسائل التعليم أو البنى الاجتماعية القديمة بحذافيرها. والقرآن يقطع التعلق الكسول بالأسلاف، فيقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾؛ أي إن صلاح الأجداد لا يعفي الأحفاد من العمل، كما أن أخطاء السابقين لا توجب رفض كل ما ورثناه عنهم.

خامسًا: وجود الاضطراب في الحديث عن الدين والسياسة

فتقول المقالة: «كل الأمم ترى أن الدين لله والوطن للجميع»، ثم تقول: «كل الأمم تجاوزت الفصل بين السياسة والدين». والعبارة الثانية مضطربة؛ لأن «تجاوز الفصل» قد تعني إلغاء الفصل وإعادة الجمع بين الدين والسياسة، بينما يبدو أن مراد الكاتب هو أن الأمم فصلت بينهما أو تجاوزت مشكلة الخلط بينهما.

والأهم أن العلاقة بين الدين والسياسة ليست مسألة ثنائية بسيطة: إما دولة دينية كهنوتية، وإما سياسة منزوعة من الأخلاق والدين.

فالتصور الإسلامي لا يعرف طبقة كهنوتية تحتكر صكوك الغفران أو تتحدث باسم الله دون حجة، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن تتحرر السياسة من قيم العدل والأمانة وحرمة الدماء والحقوق العامة. فالدين في الإسلام ليس شأنًا شعائريًا منعزلًا عن أخلاق الاقتصاد والحكم والقضاء والعلاقات الاجتماعية.

أما شعار «الدين لله والوطن للجميع» فإن حُمِل على ضمان المواطنة والعدل وعدم إكراه الناس على الدين، فهو معنى صحيح. وإن حُمِل على إقصاء الدين عن المجال العام ومنعه من الإسهام في القيم والتشريع والأخلاق، فهو افتراض أيديولوجي، لا حقيقة علمية متفقًا عليها.

سادسًا: هنا اختزال التدين في «القبور وغسل الموتى»

فقول المقالة إن العرب «يؤسسون ثقافة القبور وغسل الموتى» يحمل سخرية غير علمية من شعائر دينية وإنسانية.

فغسل الميت وتكفينه ودفنه ليس صناعةً للموت، بل هو تكريم للإنسان بعد وفاته، وممارسة تعرفها الأديان والثقافات بصور متعددة. والعناية بالموت لا تعني إهمال الحياة؛ فقد جمع الإسلام بين الاستعداد للآخرة وعمارة الأرض، وبين العبادة والعمل، وبين ذكر الموت وإتقان شؤون الدنيا. والمشكلة ليست في غسل الموتى، وإنما في أن تُهمَل حقوق الأحياء، أو تتحول الشعائر إلى بديل عن العلم والإنتاج والعدل. وكان الأجدر بالكاتب أن ينتقد اختلال الأولويات بدل السخرية من أصل الشعيرة.

سابعًا: عبارة «تغليف المرأة» ومشكلة احترام المرأة

وصف لباس المرأة المحتشم بأنه «تغليف» يتضمن اختزالًا للمرأة في جسدها، مع أن المقالة تزعم الدفاع عن كرامتها.

فاحترام المرأة لا يُقاس بقلة لباسها أو كثرته، بل بحفظ إنسانيتها وحقها في التعلم والعمل المشروع والملكية والاختيار والأمن والعدل الأسري والاجتماعي. وقد تُظلَم المرأة باسم الدين، كما قد تُستغل باسم الحرية والفن والإعلان.

والنقد الإسلامي المنصف يرفض إجبار المرأة وظلمها وحرمانها من حقوقها، لكنه لا يعتبر الحجاب في ذاته امتهانًا؛ لأنه قد يكون اختيارًا دينيًا واعيًا وتعبيرًا عن العفة والهوية. المرفوض هو القهر في الاتجاهين: قهرها على لباس لا تريده، أو قهرها على نزع لباس اختارته.

ثامنًا: الزعم بأن العرب يعادون الفنون والثقافة

ليس صحيحًا أن الإسلام أو الحضارة الإسلامية قامت على كراهية الفنون. فقد ازدهرت في المجتمعات الإسلامية فنون العمارة والخط والزخرفة والشعر والأدب والحدائق والصناعات الجمالية. وكان الخلاف غالبًا متعلقًا ببعض المضامين أو الصور أو الوظائف الأخلاقية، لا بأصل الجمال والإبداع.

إنما يصح انتقاد بعض التيارات المتشددة التي ضيقت مفهوم الفن، أو بعض الأنظمة التي أهملت الثقافة. أما تحويل ذلك إلى حكم على العرب والمسلمين جميعًا فمجازفة لا تستقيم مع التاريخ.

والإسلام لا يعادي الجمال؛ وإنما يضع له ضوابط تمنع أن يتحول الفن إلى وسيلة للإفساد أو الإذلال أو الاتجار بالإنسان.

تاسعًا: التفسير الأحادي للتخلف

تربط المقالة التخلف بغرس طبائع الآباء والأجداد في الأبناء. وهذا عامل يمكن أن يكون مؤثرًا، لكنه ليس التفسير الوحيد.

فالتخلف ظاهرة مركبة تتصل بالاستبداد السياسي، وضعف التعليم، وغياب المؤسسات، والفساد، والاحتلالات والحروب، وسوء توزيع الثروة، وهجرة العقول، واحتكار المعرفة، واضطراب الاقتصاد، وفشل النخب، فضلًا عن بعض أنماط التدين والعادات الجامدة.

وردّ التخلف كله إلى الدين أو التراث يريح الأنظمة الفاسدة والنخب العاجزة؛ إذ يجعل المشكلة في «العقل العربي» أو «الآباء» بدل مساءلة السياسات والمؤسسات والمصالح القائمة.

عاشرًا: المقالة تقع فيما تنتقده

فتنتقد المقالة العرب لأنهم يكررون صورًا موروثة، لكنها تكرر بدورها صورة نمطية شائعة ترى العربي كائنًا جامدًا، مهووسًا بالموت، معاديًا للمرأة والفن، عاجزًا عن التفكير.

فهي تستبدل تقديس الذات باحتقار الذات، وكلاهما يمنع المعرفة:

تقديس الذات يمنع رؤية العيوب.

واحتقار الذات يمنع رؤية الإمكانات ومواطن القوة.

والنقد الصحيح لا يقول: «نحن أسوأ الأمم»، كما لا يقول: «نحن خير الأمم بمجرد الانتساب». بل يدرس الوقائع، ويحدد المسؤوليات، ويميز بين البيئات والفترات والمؤسسات. والخيرية باقية بشروطها و هذا ما كان في مراحل من التاريخ.

الخلاصة

المقالة صرخة أدبية احتجاجية أكثر من كونها تحليلًا علميًا. وقد أصابت في التنبيه إلى التقليد الأعمى، والعيش على أمجاد الماضي، والحاجة إلى النقد والتجديد واحترام الإنسان وتنمية الثقافة. لكنها أخطأت في:

التعميم، وإدانة العرب جماعيًا، والخلط بين الوحي والتراث، واعتبار القطيعة مع الماضي شرطًا للتقدم، واختزال الدين في الموت، وربط كرامة المرأة بخلع الاحتشام، وتقديم النموذج العلماني بوصفه النموذج الإنساني الوحيد.

شارك المقالة

Scroll to Top