رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

بين نقد المقال وحفظ قدر الرجال: بوحُ عالمٍ ومكابدةُ متخصص

الفكر والمنهج وآداب العلم٣ دقائق للقراءة٤٤٨ كلمة

الحمد لله الذي جعل الحقّ أبلج، والباطل لجلج، وميّز بنور العلم الصواب، ورفع بالإنصاف قدر أولي الألباب، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، فكان أعدل الناس في الرضا والغضب. في هذا الفضاء المتلاطم الأمواج، والمزدحم بالأصوات الفجاج، يقف المشتغل بالعلم موقف الحيران؛ تتنازعه غَيْرةٌ على حقائق الدين، وشفقةٌ على احبابه المسلمين. وإني—في مقامي هذا—لأجد في النفس غصة، وفي الحلق شجاً، وأنا أرقب هذا السيل الجرار من الفتاوى العليلة، والمعلومات الفقهية الدخيلة، التي تعجّ بها منصات الإعلام الإسلامي، وتتصدر بها المجالس بلا زمام ولا خطام.

حيرة بين البيان والكتمان

طالما وقفتُ على حافة الصمت، أُقلّب النظر في هذا الخضم العرم من المغالطات المنهجية والأخطاء العلمية، فيقيدني عن الرد قيدٌ ثقيل؛ مخافة أن يُحمل بياني على غير محمله، أو أن يُظن في التقويم تنقيصٌ من قدر القائل، أو نيلٌ من مكانته التي نرعاها.

إننا نعيش في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، فبات الكثيرون لا يفرقون بين "تفنيد الرأي" و"التجريح الشخصي"، وكأنك إن قلتَ: "هذا القول ضعيف"، كأنما قلتَ: "هذا القائل معيب!". هذه الحيرة القاسية بين أمانة العلم التي توجب التبيان، وبين أخوة الدين التي توجب حفظ المقامات، جعلت صدورنا تضيق بما نكتم، وتخشى عواقب ما نتكلم.

الفرقان بين القول والقائل

نعم لقد استقر في وعي أئمتنا الأوائل منهجٌ رصين، يفصل فصلاً تاماً بين ذات الإنسان وما يصدر عنه من بيان. فالعالم مهما علا كعبه، واتسع علمه، ليس بمعصوم، وكما قال الإمام مالك رحمه الله: "كل يؤخذ من كلامه ويُرد، إلا صاحب هذا القبر". إن الرد على الزلة ليس طعناً في الشحصية، وتضعيف الفتوى ليس انتقاصاً من النية. لقد عاب أئمة النحو والصرف بعض الإعرابات، وناقشوا أدق تفاصيل التقدير، واختلفوا في الحال من النكرة أو النيابة عن المصدر، ومع ذلك بقيت مجالسهم عامرة بالود، محفوفة بالاحترام. وكذا فقهاؤنا، يرد أحدهم على الآخر في الفروع، وربما اشتد في نقد المقال، لكنه يظل يحمل لقائله أصدق الدعاء في جوف الليل.

يقول الإمام الذهبي بلسان الإنصاف: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهادههجرناه وبدعناه، لم يسلم معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما".

فالفكرة تُوزن بميزان الدليل، وصاحبها يُوزن بميزان العدل والفضل.

موقف الاضطرار لا الاختيار

وأمام هذه الأمانة العظمى، وتكاثر الغثاء الإعلامي الذي يكاد يطمس معالم الفقه الصحيح، لم يعد الصمت سعةً، بل صار البيان اضطراراً. أجد نفسي اليوم—مدفوعاً بحق العلم وميثاقه—مضطراً لتصحيح ما نعاينه من أخطاء متكاثرة، وتقويم ما اعوجّ من آراء متناثرة. نفعل ذلك لا رغبة في استعراض، ولا طمعاً في تصدر، بل حمايةً لجناب الشريعة، ونصحاً للأمة. نردّ القول الخاطئ بشجاعة، ونبسط للقائل رداء العذر بسماحة، محتفظين بكامل الود، ومقرّين بجميل الفضل، ومتمثلين في ذلك قول القائل:

نُصَحِّحُ قَوْلَهُمْ وَالْوِدُّ بَاقٍوَنَحْفَظُ عَهْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ حِقْدِ

إننا نغار على الفقه أن يُشاب بما ليس منه، ونغار على إخواننا أن يؤاخذوا بزلاتهم. فاللهم ارزقنا بصيرة في العلم، وأدباً في الخلاف، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

شارك المقالة

Scroll to Top