رجوع إلى البحوث الفكر والمنهج وآداب العلم

التَّجديد في الإسلام

عودةُ الرُّوح إلى مِشكاة النبوَّة

الفكر والمنهج وآداب العلم١٤ دقيقة للقراءة٢٬٤٤٢ كلمة

ليس التجديد في الإسلام بابًا يُفتح ليتسلل منه العابثون إلى ثوابت الدين، ولا شعارًا تُرفع رايته لتذويب الشريعة في أهواء الأزمنة المتقلبة، كما أنه ليس خصومةً مع التراث، ولا تمردًا على العلماء، ولا خروجًا على سَنن الفهم والاستنباط؛ وإنما هو نفخة حياة تُعيد إلى الدين حضوره في النفوس، وفاعليته في الواقع، وقدرته على هداية الإنسان وصناعة العمران.

فالإسلام في ذاته لا يَبلى حتى يحتاج إلى مَن يستبدله، ولا يَهرم حتى يُعاد تشكيله؛ لأنه تنزيلٌ من حكيم حميد، وقد قال الله تعالى:

«﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾

فصلت: ٤٢.»

لكن الذي يَبلى هو فهم الإنسان، والذي يَضعف هو أثر الإيمان في قلبه، والذي يتجمد هو اجتهاده، والذي يتقادم هو أسلوب خطابه، والذي يضطرب هو تنزيله للنصوص على الوقائع.

ومن هنا لم يقل النبي ﷺ إن الله يبعث لهذه الأمة مَن يأتيها بدين جديد، وإنما قال:

«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدِّد لها دينها».

رواه أبو داود.»

فالتجديد واقع على صلة الأمة بدينها، لا على أصل الدين؛ وعلى إدراكها له، لا على وحيه؛ وعلى قدرتها على تنزيله، لا على حقائقه القطعية.

إنه إزالة لما تراكم على المرآة من غبار، لا استبدال للمرآة؛ وإحياء للمعاني التي خبت في القلوب، لا اختراع لمعانٍ غريبة عن الوحي.

ولهذا كان التجديد الصحيح واقفًا بين انحرافين متقابلين:

انحرافٍ يريد أن يحبس الإسلام في صور تاريخية، ويمنع العقل من النظر والاجتهاد.

وانحرافٍ يريد أن يذيب الإسلام في مفاهيم العصر، حتى لا يبقى من الوحي إلا اسمه ومن الشريعة إلا رسمها.

وبين التجميد والتبديد يقوم المنهج النبوي: ثبات في الأصول، وتجدد في الفهوم، ورحمة في التنزيل، وبصيرة في التعامل مع الواقع.

التجديد ليس تبديلًا للدين

حين تُذكر كلمة التجديد تتجه بعض الأذهان إلى تغيير الأحكام، أو تجاوز النصوص، أو إعادة صياغة العقيدة بما يلائم المزاج الثقافي الغالب.

وهذا فهم مضطرب؛ لأن التجديد المشروع محكوم بالنصوص، لا حاكم عليها، ومسترشد بمقاصد الوحي، لا مستبدل بها مقاصد بشرية.

وقد أغلق النبي ﷺ باب التبديل بقوله:

«مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

متفق عليه.»

فليس كل جديد تجديدًا، كما أن ليس كل قديم سنة.

قد يكون الجديد بدعةً مردودة، وقد يكون القديم عادةً بشرية لا قداسة لها.

والميزان ليس حداثة الشيء ولا قِدمه، وإنما موافقته لهدي الوحي، وتحقيقه لمقاصد الشريعة، وقيامه على علم راسخ ونظر صحيح.

التجديد لا يُحل حرامًا قطعيًّا، ولا يُحرِّم حلالًا قطعيًّا، ولا يبدل أصلًا من أصول العقيدة، ولا يُسقط فريضةً معلومةً من الدين بالضرورة.

وإنما يعمل في مجال الفهم والاجتهاد والتنزيل، وفي الوسائل والأساليب، وفي النوازل التي لم ترد بأعيانها، وفي الفتاوى المرتبطة بأعراف وأحوال ومآلات متغيرة.

ولذلك يمكن أن يقال:

«المجدد لا يكتب دينًا جديدًا للناس، وإنما يعيد الناس إلى الدين حين تحجبهم عنه العادات والأهواء وسوء الفهم.»

التقليد بين الحاجة والجمود

كما أخطأ مَن جعل كل تجديد تبديلًا، أخطأ مَن جعل كل تقليد مذمومًا.

فالعامي الذي لا يملك أدوات الاجتهاد مأمور بسؤال أهل العلم، قال تعالى:

«﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

النحل: ٤٣.»

وطالب العلم لا يبدأ مجتهدًا، بل يتدرج في مدارس العلماء، ويدرس مذهبًا، ويضبط أصولًا، ويتعلم طرائق الاستدلال والترجيح.

فالتقليد التعليمي مرحلة بناء، والرجوع إلى المتخصص ضرورة عقلية وشرعية.

لكن المذموم أن يتحول المذهب من مدرسة للفهم إلى سجن للعقل، وأن ترتفع أقوال البشر إلى مرتبة العصمة، وأن يُرد الدليل لأنه خالف ما ألفه الإنسان، أو يُصادر الاجتهاد لأن السابقين لم يتحدثوا عن صورة لم تكن موجودة في أزمانهم.

والأعجب من ذلك أن بعض الناس يثور على تقليد علماء أمته، ثم يستسلم بلا مراجعة لتقليد المشاهير والمنصات والخوارزميات والنماذج الثقافية المستوردة.

يرفض أن يقال له: قال الفقيه، لكنه ينقاد لما يقول المؤثر.

يتهم المدارس العلمية بالتقليد، ثم يقلد الموضة الفكرية السائدة.

وهنا تظهر حقيقة دقيقة:

«ليس السؤال: هل يقلد الإنسان؟ بل السؤال: مَن الذي منحه سلطة تشكيل عقله وذوقه وضميره؟»

التجديد في الفكر: من العقل المستهلك إلى العقل الشاهد

التجديد الفكري ليس إلغاءً للوحي لصالح العقل، ولا تعطيلًا للعقل باسم الوحي؛ وإنما هو استعادة للتكامل الذي أقامه القرآن بين نور الوحي وأداة العقل.

فالقرآن لم يخاطب عقلًا ميتًا، وإنما خاطب الإنسان بالتفكر والتدبر والنظر والاعتبار:

«﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾

النساء: ٨٢.»

وقال سبحانه:

«﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾

يوسف: ١٠٨.»

والبصيرة أوسع من مجرد امتلاك المعلومة؛ لأنها تشمل معرفة الحق، وفهم الواقع، وإدراك مآلات القول والفعل.

إن العقل المسلم المعاصر يحتاج إلى التحرر من ثلاث آفات:

أولها: عقل الحفظ بلا فهم، الذي يجمع الإجابات ولا يحسن صناعة الأسئلة.

وثانيها: عقل الانبهار، الذي يتلقى كل ما يأتي من المراكز الثقافية الغالبة بوصفه حقيقة نهائية.

وثالثها: عقل الارتياب، الذي يرى في كل سؤال مؤامرة، وفي كل نقد عداءً، وفي كل تجديد تهديدًا.

والتجديد الفكري المنشود يصنع عقلًا واثقًا لا مغرورًا، ناقدًا لا عدميًّا، منفتحًا لا ذائبًا، معتزًّا بهويته دون أن يغلق نوافذه عن خبرات البشرية.

فليس دور الفكر الإسلامي أن يظل في موقف الدفاع، يجيب عن الاتهامات التي يصوغها الآخرون، بل أن يستعيد قدرته على صناعة الأسئلة، وتقديم الرؤية، وفتح الآفاق.

إنه لا يكتفي بالسؤال: ما موقف الإسلام من الحضارة الحديثة؟

بل يسأل أيضًا: ما موقف الحضارة الحديثة من الإنسان؟ وما الذي فعلته بكرامته وأسرته وبيئته وروحه؟ وما الذي يستطيع الوحي أن يضيفه إلى مسيرة البشرية المضطربة؟

«العقل المجدد لا يخاف من السؤال، لكنه يرفض أن يستعير الإجابة قبل أن يفحص السؤال ومرجعياته ومقدماته.»

التجديد في الفقه: وصل النص بالحياة

الفقه ليس معرضًا لأجوبة تاريخية، ولا متحفًا لمسائل انقضت صورها؛ وإنما هو علم تنزيل مراد الله على واقع الإنسان.

والنصوص محدودة الألفاظ، بينما الحوادث والنوازل لا تنتهي؛ ومن هنا كانت الحاجة إلى الاجتهاد، والقياس، والنظر في العلل، والمقاصد، والمصالح، والمآلات.

ولا يعني ذلك أن يتبع الفقيه حركة المجتمع بلا ميزان، بل أن يفهم حركة المجتمع فهمًا دقيقًا ليضع لها الميزان الشرعي الصحيح.

إن من أعظم أخطاء الفتوى المعاصرة أن يُستحضر حكم صحيح، ثم يُنزل على واقعة لم تُفهم حقيقتها.

فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.

ولهذا لا يستطيع الفقيه اليوم أن يستغني عن الطبيب في النوازل الطبية، أو عن الاقتصادي في المعاملات المالية، أو عن الخبير التقني في مسائل التقنيات الرقمية الحديثة والبيانات والخصوصية، أو عن علماء الاجتماع والنفس في القضايا الأسرية والسلوكية.

الفقيه لا يتنازل للخبير عن الحكم الشرعي، لكنه يستعين به في فهم الواقع الذي سيُنزل عليه الحكم.

ومن التجديد الفقهي التمييز بين الحكم الثابت والفتوى المتغيرة.

فأصول العبادات والفرائض والمحرمات القطعية لا تتغير، لكن تنزيل بعض الأحكام الاجتهادية قد يتغير بتغير الأعراف والظروف والقدرات والمآلات.

وليس تغير الفتوى لعبًا بالدين، إذا كان صادرًا عن تغير حقيقي في المناط أو الواقع، ومحكومًا بالأصول والقواعد.

لقد قرر الفقهاء أن الفتوى قد تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنيات، لا لأن الحق يتقلب، بل لأن الصور التي يُنزَّل عليها الحكم تتقلب.

والاجتهاد المعاصر لا ينبغي أن يظل حبيس الفردية؛ لأن كثيرًا من النوازل اليوم مركبٌ متداخل لا يحيط به عقل واحد.

ومن هنا تبرز ضرورة الاجتهاد الجماعي الذي يجمع الفقيه بالأصولي والطبيب والاقتصادي والقانوني والتقني.

«الفقه الذي لا يفهم الواقع قد يقدم جوابًا صحيح العبارة لمسألة غير موجودة، أو يُنزل حكمًا صحيحًا على محل غير صحيح.»

التجديد في العقيدة: ثبات الحقيقة وتجدد البيان

العقيدة لا تتغير؛ لأن الله واحد في كل زمان، والنبوة حق، والبعث حق، والوحي حق، والإنسان مخلوق مكرم مسؤول.

ولكن أسئلة الناس تتغير، والشبهات تتجدد، واللغة التي تعرض بها حقائق الإيمان ينبغي أن تتجدد.

لقد كانت بعض كتب العقيدة القديمة تجيب عن إشكالات عصرها، وتستخدم مصطلحاته ومناهجه الجدلية والفلسفية.

أما إنسان العصر فقد تحيط به أسئلة مختلفة:

ما معنى وجودي؟

لماذا خلقني الله؟

كيف أفهم الشر والألم؟

هل يتعارض العلم مع الإيمان؟

هل الإنسان مجرد مادة متطورة؟

هل يستطيع التقنيات الرقمية الحديثة أن يمتلك روحًا أو ضميرًا؟

ما الذي يمنح الإنسان قيمته حين تتفوق الآلة عليه في كثير من القدرات؟

كيف أؤمن بالله في عالم تهيمن عليه الصورة والاستهلاك والسرعة؟

والتجديد العقدي لا يكون بتغيير حقائق الإيمان، وإنما بإعادة عرضها بلسان العصر، وربطها بالأسئلة التي تؤرق الإنسان، وإبراز طاقتها في تحريره من العبوديات الجديدة.

فالتوحيد ليس تعريفًا نظريًّا فحسب، وإنما هو ثورة روحية على كل ما يريد أن يستعبد القلب من دون الله.

إنه تحرير من الخوف المرضي، ومن تقديس السوق، ومن عبودية الشهرة، ومن طلب القبول المطلق من الناس، ومن سيطرة الشهوة، ومن تأليه الذات.

«التوحيد ليس معلومة عن الله فحسب؛ إنه تحرير للإنسان من كل ما يحاول أن يتألَّه في قلبه من دون الله.»

وعندما تتحول العقيدة إلى يقين حي، فإنها تمنح الإنسان معنى في الألم، وأملًا في الفقد، وثباتًا في الفتن، وكرامةً في مواجهة الاستبداد، واتزانًا في عالم القلق.

التجديد في السلوك: حين يعود الدين خُلُقًا يمشي بين الناس

لا يكتمل التجديد بتجديد الفكر والفقه والخطاب، ما لم يتجدد الإنسان من الداخل.

فقد تمتلك الأمة آلاف الكتب، وملايين الساعات من المواعظ، ثم تظل تعاني من الكذب والظلم والقسوة والتنازع.

وقد يحفظ المرء أحكام الغيبة، ثم يتحول هاتفه إلى ساحة لاغتيال الناس.

وقد يتحدث عن الرحمة، وهو غليظ مع أهله.

وقد يرفع شعار السنة، لكنه لا يتأسى بالنبي ﷺ في حلمه ورفقه وعدله وحسن عشرته.

لقد جمع القرآن بين التعليم والتزكية، فقال تعالى:

«﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

الجمعة: ٢.»

فالعلم الذي لا يزكي النفس قد يزيد صاحبه قدرة على الجدل، ولا يزيده قربًا من الله.

والتجديد السلوكي في عصرنا يتسع ليشمل التقوى الرقمية.

فالمؤمن لا يخرج من رقابة الله حين يدخل إلى العالم الإلكتروني.

كل كلمة يكتبها، وكل خبر ينشره، وكل صورة يعيد إرسالها، وكل عرض يخوض فيه، داخل في ميزان الحسنات والسيئات.

قال تعالى:

«﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

ق: ١٨.»

والكتابة الرقمية من القول، والمشاركة قول، والإعجاب الذي يروج الباطل نوع من المساهمة فيه.

ومن التجديد السلوكي كذلك استعادة عبادة الوقت؛ لأن الإنسان المعاصر لم يعد يُسرق ماله فقط، بل يُسرق انتباهه.

والمنصات لا تتنافس على دقائق فراغه فحسب، بل على قلبه ووعيه وتصوراته وأولوياته.

ولذلك يصبح حفظ الانتباه جزءًا من حفظ العقل والعمر.

«قد لا تكون أزمة المسلم المعاصر نقصًا في المعلومات؛ وإنما عجز النفس عن تحويل ما تعرفه إلى خلق وعمل وموقف.»

مشكاة النبوة: المنهج الأعلى للتجديد

كل تجديد ينفصل عن الهدي النبوي مهدد بأن يتحول إلى مغامرة فكرية أو استجابة انفعالية لضغط الواقع.

فالرسول ﷺ هو النموذج الذي جمع بين ثبات الحق ومرونة البلاغ، وبين وضوح المبدأ ورحمة التطبيق، وبين فهم الإنسان وحسن قيادته إلى الله.

لقد جاءه الشاب يستأذنه في الفاحشة، فلم يطرده ولم يفضحه، وإنما قرّبه، وحاوره، واستنطق فطرته، ودعا له.

وبال الأعرابي في المسجد، فثار الناس إليه، فمنعهم النبي ﷺ حتى لا تتضاعف المفسدة، ثم عالج الخطأ بالماء، وعالج الجهل بالتعليم والرفق.

وأرسل معاذًا إلى اليمن، فبيّن له طبيعة المجتمع الذي سيذهب إليه، ورتب له الأولويات: التوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة.

إنها معالم متكاملة للتجديد النبوي:

فهم المخاطب.

ومراعاة حاله.

وترتيب الأولويات.

والتدرج في التعليم.

والرحمة بالمخطئ.

والتمييز بين الخطأ وصاحبه.

واختيار الأسلوب الذي يفتح القلب للحق.

ولم يغير النبي ﷺ الحق ليرضي الناس، لكنه كان يختار من أساليب البلاغ ما يجعل الحق أقرب إلى قلوبهم وعقولهم.

«العودة إلى مشكاة النبوة ليست رجوعًا إلى الوراء؛ فالضال حين يعود إلى المنارة لا يتأخر، وإنما يصحح طريقه إلى المستقبل.»

والسنة ليست زيًّا تاريخيًّا ولا صورة جامدة للحياة، وإنما هدي شامل في العبادة والأخلاق والعلاقات والقيادة والتعليم وإدارة الخلاف.

ومن أخذ من السنة مظهرًا وترك الرحمة، أو حفظ النص وضيّع العدل، أو تشدد في الجزئيات وأهمل المقاصد، فقد أخذ صورةً مبتورة من الهدي.

التجديد في الإعلام والخطاب

قد تكون الفكرة صحيحة، ولكنها تُقدَّم بلغة لا يسمعها أحد.

وقد يكون العالم راسخًا، لكن خطابه حبيس القوالب القديمة.

وقد تكون الرسالة عظيمة، لكن صورتها الإعلامية عاجزة عن عبور الضجيج.

إن تجديد الخطاب لا يعني تحويل الدين إلى مادة ترفيهية سطحية، وإنما يعني تقديم الحق بلغة واضحة، وصورة مؤثرة، وقصة صادقة، ومثال قريب، وبناء محكم.

لقد تغيّر الإنسان الذي نخاطبه.

إنه يتعرض كل يوم لآلاف الصور والرسائل، ويتشكل وعيه في ثوانٍ، ويقيس الخطاب بقدرته على لمس واقعه.

ولهذا يحتاج الخطاب الديني إلى أن يتعلم كيف يصوغ الفكرة المركزة، والمفارقة الكاشفة، والقصة الملهمة، والعبارة التي تُحفظ وتُنقل.

لكن الانتشار ليس غاية مستقلة.

فليست الفكرة الصادمة هي الأفضل دائمًا، ولا الأكثر تداولًا هو الأصدق.

إن صناعة المحتوى الديني عبادة ومسؤولية؛ فلا يجوز استخدام الكذب، أو المبالغة، أو إثارة الكراهية، أو تقطيع كلام المخالفين، من أجل أرقام المشاهدة.

الفكرة الإسلامية المؤثرة تجمع بين الصدق والجمال، وبين العمق والوضوح، وبين الأمانة والقدرة على الوصول.

«ليس نجاح الخطاب أن يشاهده ملايين الناس لحظةً، بل أن يغيّر فيهم معنىً يبقى بعد أن تنطفئ الشاشة.»

من تجديد الأفراد إلى تجديد المؤسسات

الأمة لا تتجدد بالخطب وحدها، ولا بظهور مفكر منفرد، مهما بلغ من العلم والبيان.

إنها تحتاج إلى مؤسسات تعليمية تجدد مناهجها، ومساجد تستعيد رسالتها، ومجامع فقهية تستوعب النوازل، وإعلام يوازن بين العمق والجاذبية، ومراكز بحث تجمع بين علوم الوحي وعلوم الإنسان والكون.

نحتاج إلى مدرسة تعلم الطالب كيف يفكر، لا كيف يستظهر فحسب.

وإلى مسجد لا يكتفي بإقامة الصلاة، بل يحتضن الشباب، ويعالج مشكلات الأسرة، ويخدم الفقراء، ويبني أخلاق المجتمع.

وإلى مؤسسة فتوى لا تتسابق إلى الجواب قبل اكتمال التصوير.

وإلى خطاب عقدي يفهم فلسفات العصر وعلومه وأسئلته.

وإلى مؤسسات اقتصادية لا تكتفي بتغيير أسماء العقود، بل تحقق العدل وتحمي الضعفاء وتمنع الاستغلال.

فالتجديد الذي يبقى فكرة في رأس صاحبه قد يموت بموته، أما حين يتحول إلى منهج ومؤسسة وثقافة فإنه يصبح قوة تاريخية.

«الأفراد يوقظون الأمة، لكن المؤسسات تحفظ يقظتها وتصنع استمراريتها.»

ضوابط التجديد المنشود

ليس كل مَن دعا إلى التجديد مجددًا، ولا كل مَن أكثر من استعمال المصطلحات المعاصرة بصيرًا بروح العصر.

التجديد الشرعي يحتاج إلى جملة من الضوابط:

أولها: الرسوخ في علوم الوحي وآلات الاجتهاد.

وثانيها: الفهم العميق للواقع، لا الاكتفاء بصور إعلامية عنه.

وثالثها: التمييز بين القطعي والظني، وبين الثابت والمتغير، وبين المقصد والوسيلة.

ورابعها: مراعاة مآلات الأقوال والأفعال.

وخامسها: التحرر من ضغط السلطة والجمهور والسوق.

وسادسها: التواضع العلمي، والاعتراف بحدود التخصص.

وسابعها: العمل الجماعي في النوازل المركبة.

وثامنها: صدق القصد؛ لأن التجديد الذي يراد به الشهرة قد يتحول إلى استعراض، والذي يراد به رضا الناس قد يتحول إلى تنازل، والذي يراد به الانتصار للنفس قد يتحول إلى خصومة.

إن المجدد الحق لا يطلب الغرابة لذاتها، ولا يقيس نجاحه بمقدار ما أثاره من ضجيج، وإنما يسأل: هل قرّبت الناس من الله؟ هل رفعت عنهم حرجًا؟ هل أحييت سنة؟ هل كشفت شبهة؟ هل أقمت عدلًا؟ هل بنيت إنسانًا؟

خاتمة: حين يتجدد الإنسان يتجدد العالم

إن الإسلام لا يخشى المستقبل؛ لأنه يحمل من الهداية ما يكشف ظلمات المستقبل.

لكن الخطر أن نصل إلى المستقبل بعقول الماضي من غير فقه، أو أن نصل إليه بلا ذاكرة ولا هوية.

نحن لا نحتاج إلى إسلام جديد، بل نحتاج إلى عقل جديد الصلة بالإسلام، وقلب جديد الحياة به، وفقه جديد القدرة على تنزيله، وخطاب جديد البيان عن جماله.

نحتاج إلى تجديد يعيد للعقل بصيرته، وللفقه حيويته، وللعقيدة أثرها، وللعبادة روحها، وللأخلاق صدقها، وللدعوة رحمتها، وللمؤسسات فاعليتها.

ولا يبدأ التجديد من المؤتمرات الكبرى وحدها، بل يبدأ من إنسان يراجع نفسه:

يجدد صلاته.

ويجدد صلته بالقرآن.

ويجدد أمانته في عمله.

ويجدد رحمته بأسرته.

ويجدد عدله مع مخالفيه.

ويجدد مسؤوليته عن كلمته.

ويجدد وعيه بما يدخل قلبه وعقله.

قال تعالى:

«﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

الرعد: ١١.»

فالتجديد الأعظم ليس أن نقول للناس كلامًا لم يسمعوه من قبل، بل أن نجعلهم يرون في واقع المسلمين جمالًا طالما قرؤوه في القرآن والسنة.

وعندئذ لا يكون التجديد شعارًا موسميًّا، وإنما يصبح عودةً واعيةً إلى مشكاة النبوة، وانطلاقًا واثقًا منها نحو صناعة المستقبل.

ثباتٌ في المصدر، وتجددٌ في الفهم، وبصيرةٌ في الواقع، ورحمةٌ في التنزيل.

شارك المقالة

Scroll to Top