المقدمة: إشكالية الفتوى السياسية وغياب فقه الواقع
تحتل الفتوى مكانة محورية في منظومة التشريع الإسلامي، فهي ليست مجرد رأي شخصي أو اجتهاد فردي، بل هي توقيع عن رب العالمين، وميراث الأنبياء والمرسلين. وقد أدرك الفقهاء المسلمون عبر القرون أن الفتوى مسؤولية جسيمة تتطلب من المفتي علماً غزيراً وورعاً عميقاً وتقوى راسخة. غير أن الواقع المعاصر يشهد ظاهرة مقلقة: تصدر فتاوى في قضايا السياسة والشأن العام من أشخاص متخصصين في الفقه والأصول، لكنهم يفتقرون إلى الفهم الدقيق للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تُنزل عليه هذه الفتاوى. وهنا تكمن الكارثة: أن تصدر فتوى "على عَمَى"، أي بغير بصيرة بالواقع وفهم عميق لمآلاتها. إن هذه الظاهرة لا تمثل مجرد خطأ فقهي قابل للنقاش، بل هي جناية على الدين والأمة معاً. فالنية الحسنة للمفتي، مهما كانت صادقة، لا تكفي إذا لم تكن مصحوبة بأدوات التحليل السياسي والفهم العميق لموازين القوى الدولية والمحلية.
وقد أسفرت هذه الفتاوى عن نتائج وخيمة: استباحة دماء، تدمير حواضر، تشريد ملايين، وتشويه لصورة الدين الحنيف، تقييمات خاطئة، توصيفات شرعية كارثية.
أولاً: الأسس المنهجية للفتوى الصحيحة
1. القاعدة الأصولية: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"
قرر علماء الأصول قاعدة ذهبية مفادها أن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره". وهذه القاعدة تعني أن المفتي لا يستطيع أن يصدر حكماً شرعياً على واقعة ما ، ما لم يفهمها ويتصورها تصوراً دقيقاً. وفي سياق الفتاوى السياسية والشأن العام، فإن هذا التصور يتطلب فهماً عميقاً للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد معرفة بالنصوص الشرعية.
2. نموذج ابن القيم: ثنائية النص والواقع
وضع الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "إعلام الموقعين" دستوراً منهجياً في هذا الباب، حيث يقول:
"ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع... والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يزاوج أحدهما بالآخر" . هذا النص يبرز حقيقة أساسية: أن الفتوى الصحيحة تتطلب مزاوجة بين نوعين من الفهم متكاملين. فالمفتي الذي يملك الثاني (فهم الحكم الشرعي) ولا يملك الأول (فهم الواقع) سيصدر فتاوى معوجة، مهما كانت نيته حسنة. وكيف يمكن لمن يفتقد أحد النوعين أن يزاوج بينهما؟
3. منهجية الفتوى الحديثة: الأسئلة الأربعة
لقد لخص أهل التخصص، منهجية الفتوى الصحيحة في أربعة أسئلة جوهرية: السؤال الأول: هل؟ ويقصد به التثبت من ثبوت النص الشرعي في المسألة. وهذا يعكس مبدأ التثبت الذي هو من الأسس المنهجية لدى العلماء المسلمين على كافة العصور. السؤال الثاني: ماذا؟ ويقصد به فهم مراد النص الشرعي، وما يقصده من أحكام وتوجيهات. السؤال الثالث: لماذا؟ ويتعلق بمسألة التعليل والمقاصد، أي لماذا شرع الله سبحانه وتعالى عبادة معينة أو حكماً معينا. وهنا يبدأ العقل في التفاعل، ويفهم مقصود الشريعة الإسلامية من ذلك، وأن الأوامر الشرعية إنما جاءت لتحقيق مصالح الخلق، والنواهي جاءت لدفع الضرر والمفاسد عن الناس. السؤال الرابع: كيف؟ وهو الأهم والأخطر، ويقصد به كيفية إنزال الحكم على الواقع. وهذا يحتاج إلى تدريب وتأهيل للمفتي للنزول بالحكم الشرعي على أرض الواقع بعد إدراك المتغيرات والمآلات .
وهنا يكمن مكمن الخطر: فإن هذا السؤال الأخير يتطلب فهماً عميقاً للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد معرفة بالنصوص الشرعية. فمن يفتقد هذا الفهم لا يستطيع أن يجيب على هذا السؤال بصورة صحيحة.
ثانياً: الحديث النبوي والتراث الفقهي: نداء باحترام التخصص
1. الحديث الشريف: "رب حامل فقه وليس بفقيه"
لقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة الدقيقة في قوله: "رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ ليس بفَقِيهٍ، ورُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أَفْقَهُ منه" . فليس كل من حمل نصوص الشريعة وحفظها، هو فقيه بحق، قادر على فهم مراميها وتنزيلها على الوقائع المختلفة. إن الفقه الحقيقي ليس مجرد حفظ للنصوص، بل هو فهم عميق لها ولسياقاتها ولمآلاتها.
2. قول الإمام الغزالي: معيار الفقيه الحقيقي
وضع الإمام الغزالي، حجة الإسلام، قاعدة ذهبية تميز بين من يستحق أن يُسمى "فقيهاً" وبين من لا يستحقه، حيث يقول:
"إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه" .
هذا النص يعكس حقيقة أن الفقيه الحقيقي هو من يعرف حدود علمه، ويقف عندما ينتهي اختصاصه. إن الحكمة ليست في أن يلج العالم كل باب، ويفتي في كل حادثة، بل الحكمة في أن يعرف المرء قدر نفسه، ويلتزم فنه الذي أتقنه. وجهله بحقائق الأمور وفهم الواقع عذر له في الصمت، وليس مسوغاً له في الكلام.
3. ورع الإمام مالك: نموذج في التحفظ
يروى أن الإمام مالك، نجم السنن وإمام دار الهجرة، حين سُئل عن أربعين مسألة فأجاب في اثنتين وثلاثين منها بـ "لا أدري". فقيل له: ما نقول للناس؟ قال: "قولوا لهم قال مالك: لا أدري" . وإذا كان هذا ورع الإمام مالك في مسائل فقهية بحتة، فكيف بمن يفتي اليوم في مآلات دول وإسقاط أنظمة وتوجيه شعوب دون أن يقرأ تقريراً استراتيجياً واحداً؟! دون أن يفهم موازين القوى الدولية؟ دون أن يدرس الاقتصاديات السياسية للأمم؟
ثالثاً: من هدي السلف: التخصص والاستشارة
1. حادثة الخندق: استشارة أهل الخبرة
إن التاريخ الإسلامي حافل بالشواهد على أن السلف الصالح كانوا أشد الناس تورعاً عن الخوض فيما لا يحسنون. وحادثة الخندق تقدم لنا درساً عملياً في هذا الصدد. فحين أراد النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة ليفك الحصار، لم يستشر أهل الفتيا في الحلال والحرام، بل استشار "أهل الخبرة في الشأن العام والسياسة المحلية"، وهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة (سادة الأنصار). فلما أشارا عليه برفض المعاهدة بناءً على فهمهما العميق للواقع السياسي والاجتماعي للعرب، أخذ برأيهما .
هذا يدل على أن النبي ﷺ نفسه، وهو أعلم الناس بالشريعة، كان يستشير أهل الخبرة والاختصاص في الشأن العام. فإذا كان النبي ﷺ يفعل ذلك، فمن الذي يعتقد أنه أعلى مقاماً من أن يحتاج إلى استشارة الخبراء؟
2. مفهوم أهل الحل والعقد: تعددية الخبرات
لم يكن أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي مقتصرين على "الفقهاء" فقط. بل نص الإمام الجويني وغيره من الأصوليين على أن أهل الحل والعقد يضمون قادة الجند، ووجوه الناس، والخبراء في كل فن . فالفتوى في شأن سياسي أو عسكري تتطلب نزول الفقيه على رأي الخبير الميداني والسياسي. وهذا يعكس فهماً عميقاً من السلف لمبدأ التخصص والتكامل بين الخبرات المختلفة.
رابعاً: مجازفة الفتوى السياسية والكوارث المترتبة عليها
1. واقع العالم المعاصر: تعقيد لم يعهده التاريخ
إننا اليوم نعيش في عالم متداخل بطريقة لم يعهدها التاريخ من قبل. تحكمه مؤسسات معقدة، ومصالح اقتصادية متشابكة، وتوازنات قوى دولية دقيقة، وحروب سيبرانية ونفسية. وحين يعمد عالمٌ جليل، متخصص في باب من أبواب الفقه كالطهارة أو البيوع أو الأحوال الشخصية، إلى إصدار "فتوى سياسية" تحث على الصدام أو تقرر مصير أمة، فإنه يقع في مجازفة كبرى. فهو يتعامل مع متغيرات لم يدرسها، ويتنبأ بمآلات لم يحسبها، ويصدر حكماً قد يكون وبالاً على الأمة.
2. غياب "فقه المآلات": الخطر الأكبر
لقد اشترط الإمام الشاطبي بلوغ الغاية في "فقه المآلات" لمن أراد الاجتهاد . وفقه المآلات يعني النظر إلى النتائج والعواقب المترتبة على الفتوى، وليس الاقتصار على النية الحسنة أو الدليل الشرعي. فالفتوى التي تُصدر بنية حسنة قد تؤدي إلى نتائج وخيمة إذا لم تكن مصحوبة بفهم عميق لمآلاتها. وقد رأينا بأم أعيننا كيف أدت بعض الفتاوى الحماسية، الخالية من هذا الفقه، إلى استباحة دماء، وتدمير حواضر، وتشريد ملايين، وتشويه لصورة الدين الحنيف. كل هذا لأن النية الحسنة للمفتي لم تكن مدعومة بأدوات التحليل السياسي والفهم العميق لواقع موازين القوى.
3. أمثلة تاريخية على الفتاوى المضرة
والتاريخ، قديماً وحديثاً، مليء بالشواهد على خطورة تجاوز التخصص في ميدان الفتوى: فتاوى صدرت في عصور مضت بتحريم تعليم الفتاة، لو أخذت بها الأمة لتخلفت عن ركب الحضارة قروناً. فتاوى بتحريم استخدام المخترعات الحديثة كالبرق والتلفاز والراديو، والتي كانت تعكس جهلاً بالواقع التقني. فتاوى معاصرة أباحت باسم الدين تدمير الآثار التاريخية التي هي جزء من ذاكرة الإنسانية. فتاوى سياسية متناقضة حول المشاركة في الانتخابات أو الموقف من أحداث سياسية كبرى، أحدثت في صفوف الأمة انقساماً وتشرذماً. إن هذه الفتاوى، على اختلاف أزمنتها وموضوعاتها، تشترك في سمة واحدة: أنها صدرت عن أناس ربما كانوا من أهل العلم بالشرع، ولكنهم قطعاً لم يكونوا من أهل العلم بالواقع الذي أفتوا فيه.
خامساً: النقد الأكاديمي للظاهرة
1. الخلل المنهجي الأساسي
يكمن الخلل المنهجي الأساسي في أن المفتي يملك الأول (علم الشريعة) ويفتقد الثاني (علم السياسة والاقتصاد والاجتماع والتحالفات الدولية). وهذا الخلل يؤدي إلى نتيجة حتمية: فتاوى تُبنى على عاطفة دينية مجردة، لتصطدم بصخرة واقعٍ سياسي براغماتي لا يرحم. والنتيجة هي كوارث لا تُحصى.
2. الفرق بين الفقه والسياسة
من الأخطاء الشائعة الخلط بين الفقه الشرعي والتحليل السياسي. الفقه الشرعي يتعامل مع النصوص والأدلة والقياس والاستنباط. أما التحليل السياسي فيتعامل مع الواقع والمصالح والموازين والعلاقات الدولية. وكما أننا لا نقبل أن يجري طبيب أسنان عملية في القلب المفتوح رغم أنه يحمل لقب "طبيب"، فكذلك لا يُقبل أن يشخّص الفقيه أمراض الأمة السياسية العويصة دون أن يكون متخصصاً في السياسة .
3. الفرق بين الاهتمام والتصدر
هناك فرق جوهري بين أن يهتم الفقيه بالشأن العام والسياسة، وبين أن يتصدر للفتوى فيها. الاهتمام بقضايا الأمة والشأن العام أمر لا بد منه للمفتي أو الداعية، فهو يحبس نفسه بين الكتب إذا لم يكن على دراية بما يدور حوله. لكن التصدر للفتوى في هذه القضايا أمر مختلف تماماً، فهو يتطلب تخصصاً وخبرة وتدريباً لا يملكه كل من يملك علماً شرعياً.
سادساً: الآثار السلبية للفتاوى السياسية غير المدروسة
إن الفتاوى السياسية التي تصدر عن غير أهل الاختصاص في فهم الواقع لها آثار سلبية وخيمة على مختلف الأصعدة:
1. على الصعيد الاجتماعي
الشقاق والانقسام: تؤدي هذه الفتاوى إلى انقسام المجتمع إلى فئات متناحرة، كل فئة تتبع مفتياً وتكفر أو تخون من يتبع غيره. وهذا يمزق النسيج الاجتماعي ويهدد السلم الأهلي. فقدان الثقة بالعلماء: عندما يرى الناس أن فتاوى العلماء تؤدي إلى كوارث، فإنهم يفقدون الثقة في العلماء وفي الدين نفسه. وهذا يفتح الباب أمام التيارات الإلحادية والعلمانية.
2. على الصعيد السياسي
زعزعة الاستقرار: يمكن أن تؤدي هذه الفتاوى إلى زعزعة استقرار الدول وإثارة الفتن والقلاقل. وقد تستغلها بعض الجهات الداخلية أو الخارجية لتحقيق أهدافها السياسية. إضعاف الدولة: عندما تصدر فتاوى تدعو إلى الخروج على الحاكم أو عدم الالتزام بالقوانين، فإن هذا يضعف الدولة ويهدد كيانها.
3. على الصعيد الديني
تشويه صورة الدين: عندما تصدر فتاوى تدعو إلى العنف أو التطرف أو تدمير الآثار، فإن هذا يشوه صورة الدين الإسلامي ويظهره على أنه دين همجي لا يحترم الحضارة الإنسانية. إضعاف مرجعية الفتوى: عندما تصبح الفتوى أداة للصراع السياسي، فإنها تفقد هيبتها ومصداقيتها. وهذا يفتح الباب أمام كل من هب ودب ليتكلم باسم الدين.
سابعاً: نماذج تطبيقية معاصرة
إن الواقع المعاصر مليء بالأمثلة على الفتاوى السياسية غير المدروسة التي أدت إلى كوارث: فتاوى "الربيع العربي": شهدت فترة ما يسمى بـ"الربيع العربي" سيلاً من الفتاوى المتناقضة التي أدت إلى انقسام حاد في المجتمعات العربية. فبينما أفتى البعض بوجوب الخروج على الحكام، أفتى آخرون بحرمة ذلك. وكانت النتيجة هي حروب أهلية مدمرة في بعض الدول، وفوضى عارمة في دول أخرى. فتاوى تنظيم "داعش": استند تنظيم "داعش" الإرهابي إلى فتاوى متطرفة لتبرير جرائمه من قتل وسبي وتدمير. وقد أدت هذه الفتاوى إلى تشويه صورة الإسلام وتنفير الناس منه. فتاوى مقاطعة الانتخابات: في بعض الدول، صدرت فتاوى تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، مما أدى إلى إضعاف المشاركة السياسية ووصول قوى غير مرغوب فيها إلى السلطة.
ثامناً: الحلول المؤسسية والتشريعية
إن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة تتطلب حلولاً مؤسسية وتشريعية:
1. على الصعيد المؤسسي
إنشاء هيئات فتوى متخصصة: يجب إنشاء هيئات فتوى متخصصة في الشأن العام، تضم إلى جانب الفقهاء خبراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وهذا يضمن أن تصدر الفتاوى بناءً على فهم عميق للواقع. تفعيل دور المجامع الفقهية: يجب تفعيل دور المجامع الفقهية في العالم الإسلامي، بحيث تكون هي المرجعية الوحيدة في القضايا الكبرى التي تهم الأمة.
2. على الصعيد التشريعي
سن قوانين تنظم الفتوى: يجب سن قوانين تنظم الفتوى في الشأن العام، بحيث لا يُسمح لأي شخص بإصدار فتاوى في هذه القضايا إلا إذا كان مؤهلاً لذلك. وهذا لا يعني تقييد حرية الرأي، بل يعني حماية المجتمع من الفتاوى الهدامة. تجريم الفتاوى التي تدعو إلى العنف: يجب تجريم الفتاوى التي تدعو إلى العنف أو التطرف أو زعزعة استقرار الدول. وهذا يضمن أن لا تستغل الفتوى لتحقيق أهداف سياسية.
تاسعاً: دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي
تلعب وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في انتشار الفتاوى السياسية غير المدروسة. فبعض وسائل الإعلام تستضيف أشخاصاً غير مؤهلين لإصدار الفتاوى، مما يساهم في تضليل الرأي العام. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت منصة لكل من هب ودب ليتكلم باسم الدين. ولذلك، يجب على وسائل الإعلام أن تتحلى بالمسؤولية وأن لا تستضيف إلا العلماء المؤهلين. كما يجب على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن لا ينشروا أي فتوى قبل التأكد من مصدرها ومن أهلية من أصدرها.
عاشراً: الفرق بين الفتوى والرأي السياسي
من المهم التمييز بين الفتوى والرأي السياسي. الفتوى هي حكم شرعي ملزم يصدر عن عالم مؤهل بناءً على الأدلة الشرعية. أما الرأي السياسي فهو وجهة نظر شخصية قابلة للنقاش والأخذ والرد. فالفقيه، كأي مواطن آخر، له الحق في أن يكون له رأي سياسي. لكن لا يجوز له أن يخلط بين رأيه السياسي وبين الفتوى الشرعية. فعندما يصدر فتوى، فإنه يتكلم باسم الدين، وليس باسمه الشخصي. ولذلك، يجب عليه أن يكون حذراً وأن لا يصدر فتوى إلا بعد دراسة متأنية وفهم عميق للواقع.
الخاتمة: نداء أكاديمي ومناشدة قلبية
من منطلق الغيرة على الشريعة وعلى أمتنا، نقول بلسان كل أكاديمي ومثقف غيور: ارحموا الإسلام وارحمونا. حفظ الله علماءنا الأجلاء في محاريبهم وقاعات تدريسهم، ونسأله تعالى أن يرزقهم فقه الواقع كما رزقهم فقه الدليل، وأن يلهمهم شجاعة قول "لا أدري" فيما خرج عن تخصصهم. إن سلامة الدين والدنيا تبدأ من إرجاع القوس لباريه، وتوسيد الأمر إلى أهله. فليكن علمكم الشرعي منارة تضيء لنا دروب العبادة والأخلاق والمعاملات، ولكن كلوا الأمر إلى أهله حين يتعلق الأمر بالسياسة ودهاليزها، والاقتصاد وتعقيداته، والشأن العام وتشعباته.
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى التكامل بين علمائها ومفكريها وخبرائها. هي بحاجة إلى الفقيه الذي يضبط لها حكم الشرع، وإلى السياسي الذي يفهم لها لغة الواقع، وإلى الاقتصادي الذي يرسم لها طريق النماء، وإلى الاجتماعي الذي يدرس لها تركيبة المجتمع. فإذا عمل كل في مجاله، واحترم كل حدود تخصصه، وتكاملت الجهود، صلحت الأحوال واستقامت الأمور. أما إذا تجاوز كلٌّ حدوده، وأفتى كلٌّ في غير فنه، فما علينا إلا أن ننتظر المزيد من الطامات والكوارث.
فارحمونا، وكلوا الأمر إلى أهله، يرحمكم الله.
المراجع والمصادر
[1] ابن القيم الجوزية. إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم. دار الكتب العلمية، بيروت. [2] دار الإفتاء المصرية. (2022). مفتي الجمهورية في حديثه عن خطورة إفتاء غير المتخصصين في الشأن العام. [3] الألباني، ناصر الدين. فقه السيرة. الراوي: زيد بن ثابت. دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع. [4] الزركشي، بدر الدين. البحر المحيط في أصول الفقه. (1/24). دار الكتبي. [5] الهمداني، محمد بن أحمد. طبقات الحنفية. دار الكتب العلمية، بيروت. [6] ابن هشام. السيرة النبوية. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. دار الفكر. [7] الجويني، عبد الملك بن عبد الله. الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم. تحقيق: عبد العظيم محمود. دار الدعوة. [8] الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: عبد الله دراز. دار الكتب العلمية، بيروت. [9] انظر: دراسات معاصرة في الفقه السياسي الإسلامي حول العلاقة بين الفقه والسياسة. [10] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 43.
