رجوع إلى الفتاوى الأذكار والأدعية والصلاة على النبي

مسح الجسد بعد قراءة آية الكرسي عقب الصلاة

فتوى٨٤١٤زيارة٠مشاركة
السؤال

يقوم بعض المصلين بمسح مايستطيع من جسده بعد قراءة اية الكرسي وذلك بعد الصلوات المكتوبة في المسجد عند أداء الذكر.

ماحكم ذلك؟

خلاصة الجواب

الخاتمة وخلاصة القول بعد استعراض مسالك العلماء ومآخذهم في هذه النازلة، يتبين أن مأخذ الخلاف الدقيق يعود إلى تعارض أصلين: (هل المسح مقصودٌ لذاته في عبادة النوم والرقية فيُقتصر عليهما؟ أم هو وسيلةٌ لتحصيل بركة القرآن فيُشرع كلما قُرئ؟). 1.

الجواب المفصَّل

تحرير القول في حكم مسح الجسد بعد قراءة آية الكرسي دبر الصلوات المكتوبة (دراسة فقهية مقارنة)

ا. د. محمد طه حمدون السامرائي

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن باب الأذكار والفضائل من أجلّ أبواب القربات، وقد اعتنى الشارع الحكيم بضبط هيئاتها ومواقيتها؛ حفظاً لرونق التعبد من الابتداع، وسداً لذرائع الإحداث.

ومن النوازل التي جرى بها العمل في بعض الأمصار: مسح المصلي ما استطاع من جسده عقب الفراغ من تلاوة آية الكرسي دبر الصلوات المكتوبات.

ولما كانت هذه الهيئة مفتقرة إلى التحرير والتكييف الفقهي، اقتضى المقام بسطها على موازين الفقه المقارن، وتخريجها على أصول المذاهب المعتبرة.

المبحث الأول: المنصوص المأثور في قراءة آية الكرسي ومسح الجسد

لتحرير محل النزاع، تجب العودة إلى الأصول المروية في البابين (التلاوة دبر الصلاة، والمسح بالقرآن):

استقرت السنة النبوية المطهرة على مشروعية تلاوة آية الكرسي عقب الصلوات المفروضات، ومبنى ذلك حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ» (أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، وصححه ابن حبان وغيره).

والمنقول في هذا الباب هو التلاوة المجردة دون نقل لهيئة مسح أو نفث.

ثبتت مشروعية المسح والنفث بالقرآن في مواضع مخصوصة، قُيدت بحالتي (النوم) و(الاستشفاء). وعمدة ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده... يفعل ذلك ثلاث مرات».

المبحث الثاني: التكييف الفقهي وتوجيه الخلاف (دراسة مقارنة)

اختلف أنظار الفقهاء في تخريج هذه الهيئة، وآل الخلاف بينهم إلى تباين في مأخذ الاستدلال:

هل يُقاس في أبواب العبادات والفضائل، أم يُلزم فيها بصرامة التوقيف؟ وانقسموا إلى مسلكين:

المسلك الأول: الجواز والاستحسان (مسلك التعليل)

وهو المعتمد في الفتاوى الصادرة عن علماء الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ويجري على أصول مقررة عند متأخري الشافعية وبعض الحنفية والمالكية.

ويرى أصحاب هذا المسلك جواز مسح الجسد بعد تلاوة آية الكرسي واستحسانه، واستدلوا بمسالك أصولية:

1. القياس الجلي في باب التبرك:

يرى أصحاب هذا المسلك أن العلة في مسح النبي ﷺ جسده بالمعوذتين عند النوم هي التبرك والتحصن بكلام الله تعالى.

ولما كانت آية الكرسي سيدة آي القرآن، وتتضمن اسم الله الأعظم، جاز سحب علة التحصن عليها بطريق القياس، فالتبرك بها بعد الصلاة يضاهي التبرك بالمعوذات قبل النوم.

2. القياس على مسح الوجه عقب الدعاء:

أثبت الفقهاء جواز مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء (لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند الترمذي وغيره، وهو ما قواه الحافظ ابن حجر في البلوغ).

وحيث إن قراءة آية الكرسي في مقام الالتجاء والدعاء، جاز إلحاق مسح الجسد بمسح الوجه.

3. عموم أدلة الاستشفاء:

الاستناد إلى عموم قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ}، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يثبت وصف "البدعة المذمومة" إلا بخرق نص ثابت أو إحداث ما يعارض الشرع، وهذا من باب الفضائل.

المسلك الثاني: المنع والوقوف على المنقول (مسلك التوقيف)

وهو المتقرر عند محققي الحنابلة، ومدرسة أهل الحديث.

ويميل هذا المسلك إلى المنع، ووصف الفعل بـ "البدعة الإضافية"، مستندين إلى الأصول الآتية:

1. قاعدة التوقيف في العبادات:

الأصل في باب العبادات والأذكار الراتبة الحظر والمنع إلا بما ورد به الدليل.

ولم يُنقل عن الشارع الحكيم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم قرنوا تلاوة آية الكرسي دبر الصلاة بمسح الجسد، والخير في الاتباع التام للمأثور.

2. فساد القياس في العبادات المحضة:

يرى أصحاب هذا المسلك أن نقل "صفة المسح" من مقيدٍ ورد به النص (وهو النوم أو الرقية بالمعوذات) إلى مقيدٍ آخر (وهو دبر الصلاة بآية الكرسي) هو قياس في العبادات، وهو مسلك مردود عند المحققين؛ لأن العبادات لا تُعقل معاني تفاصيلها.

3. سد الذرائع:

المنع من ذلك سداً لباب الإحداث؛ لئلا تتخذ العوام هذه الهيئة سنة راتبة تُلزم بها الأجيال، فيُزاد في الدين ما ليس منه.

الخاتمة وخلاصة القول

بعد استعراض مسالك العلماء ومآخذهم في هذه النازلة، يتبين أن مأخذ الخلاف الدقيق يعود إلى تعارض أصلين: (هل المسح مقصودٌ لذاته في عبادة النوم والرقية فيُقتصر عليهما؟ أم هو وسيلةٌ لتحصيل بركة القرآن فيُشرع كلما قُرئ؟).

1. من غلّب قاعدة التوقيف المحض في هيئات العبادات منع من المسح، وهذا القول هو الأبرأ للذمة، والأحوط للدين، والألصق بالمنقول الصرف المأثور عن السلف الصالح.

2. ومن وسّع قاعدة التبرك والقياس في الفضائل أجاز الفعل واستحسنه؛ طالما أن أصل التلاوة مشروع.

3. المتقرر في قواعد الشريعة أن مسائل الخلاف المبنية على الاجتهاد السائغ في تخريج الفروع على الأصول لا يجوز فيها الإنكار الغليظ، فتعمل فيها القاعدة الفقهية الجليلة: "لا يُنكر المختلف فيه، وإنما يُنكر المجمع عليه"، والمشروع هو الإرشاد بالحسنى وبيان الأرجح بالدليل والبرهان.

والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الأذكار والأدعية والصلاة على النبي
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top