رجوع إلى الفتاوى الأيمان والنذور والكفارات

قتل قاتل الأخ بغير إذن القضاء وأثر العفو في الكفارة

فتوى٧٥٧٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ماقولكم دام فضلكم

في رجل قتل قاتل أخيه

هل عليه القصاص؟

واذا عفى عنه اولياء النقتول هل عليه كفارة؟

خلاصة الجواب

الراجح هو قول الجمهور بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد المجرّد؛ لقوة مأخذهم في دلالة الآيات. ومع ذلك، فإن القاتل عمداً تلزمه التوبة النصوح والندم الصادق. وإذا عفا أولياء الدم، سقط القصاص، ووجب على القاتل التوبة والإكثار من العمل الصالح.

الجواب المفصَّل

دراسة فقهية مقارنة في مسألة: من قتل قاتل أخيه بغير إذن الإمام، وأثر العفو في وجوب الكفارة

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

تُعدّ مسألة الجنايات والقصاص من أدق أبواب الفقه الإسلامي لارتباطها الوثيق بحفظ النفوس وصيانة الدماء.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في الإجابة عن سؤالين مركزيين وردا في واقعة محددة:

الأول: هل يجب القصاص على رجلٍ قتل قاتل أخيه؟

والثاني: إذا عفا أولياء المقتول (أولياء القاتل الأول) عن هذا الرجل، فهل تجب عليه كفارة القتل؟

تهدف هذه الدراسة إلى تحرير محل النزاع، وبيان آراء المذاهب الفقهية الأربعة مع أدلتها، والوصول إلى ترجيح مبني على القواعد الشرعية والمقاصد المرعية.

المبحث الأول: حكم القصاص على من قتل قاتل أخيه بغير إذن الإمام

لتحرير هذه المسألة، يجب التفريق بين حالات ثلاث بناءً على استحقاق الأخ للدم وإذنه، حيث يختلف الحكم باختلاف ثبوت القتل على الجاني الأول ومدى استحقاق الأخ لاستيفاء القصاص.

الحالة الأولى: أن يكون القاتل الأول مستحقاً للقتل والأخ هو الولي الوحيد المستحق للدم

إذا ثبت القتل العمد العدوان على القاتل الأول، وكان الأخ هو الولي الوحيد المستحق للقصاص (أو اتفق معه سائر الأولياء)، فاستقل بقتل الجاني بغير إذن الإمام، فقد اختلف الفقهاء في حكم فعله وما يترتب عليه.

ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا قصاص على الأخ القاتل .

وعلة ذلك أنه استوفى حقاً ثابتاً له، فالقاتل الأول مهدور الدم بالنسبة له.

ومع سقوط القصاص عنه، فإنه يأثم ويُعزّر لافتياته على السلطان.

فقد قرر الفقهاء أن تنفيذ عقوبات الحدود والقصاص من اختصاص الإمام، لقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33]، فالسلطان هنا مقيد بالرجوع للقضاء لدرء المفسدة وسد باب الفتنة .

ويُستثنى من ذلك عند المالكية حالة علم الولي بأن السلطان لا يقتص من القاتل أو يتعذر ذلك، فلا تعزير عليه حينئذٍ .

أما القول الثاني، وهو قول للشافعية، فيرى وجوب القصاص عليه؛ لتعديه على حق الإمام في الاستيفاء، وهو قول مرجوح .

الحالة الثانية: أن يكون للأخ شركاء في استحقاق الدم فاستقل بالقتل دون إذنهم

إذا كان للأخ شركاء في الدم (كورثة آخرين للمقتول الأول) فاستقل بقتل الجاني دون إذنهم، فقد ذهب الجمهور من الحنفية والحنابلة وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا يجب عليه القصاص، بل يلزمه دفع نصيب بقية الشركاء من الدية.

قال ابن قدامة في المغني: "فإن قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين، لم يجب عليه قصاص... لأنه مشارك في استحقاق القتل" .

بينما يرى الشافعية في المعتمد أن عليه القصاص؛ لأنه ممنوع من قتله استقلالاً، وبعض الدم غير مستحق له .

الحالة الثالثة: أن يكون الدم معصوماً

إذا قتل الأخ القاتل الأول ولم يكن مستحقاً لدمه، كأن يكون القتل الأول خطأً، أو لم يثبت شرعاً، أو عفا بعض الأولياء قبل القصاص، فقد قتل نفساً معصومة بغير حق.

وهنا يتفق الفقهاء على أنه يُعدّ قاتلاً عمداً عدواناً، ويجب عليه القصاص .

ويُستثنى من ذلك ما إذا وُجدت شبهة، كجهله بعفو شركائه، فتُدرأ عنه عقوبة القصاص للشبهة ويُصار إلى الدية .

الترجيح في المسألة الأولى:

الراجح هو مذهب الجمهور؛ فإذا كان القاتل الأول مستحقاً للقصاص لثبوت جنايته، فلا يُقتل الأخ به، لأنه استوفى حقه، ولكنه يُعزّر من قِبل الحاكم لافتياته وتجاوزه النظام القضائي، حفظاً للأمن ومنعاً للفوضى.

أما إن لم يكن مستحقاً للقتل، فالأخ قاتل عمد يقتص منه.

المبحث الثاني: حكم الكفارة إذا عفا أولياء المقتول

إذا افترضنا أن الأخ قتل القاتل الأول بغير وجه حق (كالحالة الثالثة)، فصار قاتلاً عمداً، ثم عفا عنه أولياء المقتول (أولياء القاتل الأول)، فهل تجب عليه الكفارة؟

هذه المسألة مبنية على حكم الكفارة في القتل العمد، وهي من المسائل الخلافية الكبرى بين المذاهب الفقهية.

القول الأول: عدم وجوب الكفارة في القتل العمد

وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة في المعتمد .

ويستدل أصحاب هذا القول بدلالة المفهوم من القرآن الكريم؛ حيث أوجب الله الكفارة في القتل الخطأ بقوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]، ولم يذكرها في القتل العمد في الآية التي تليها، بل توعد بجهنم والغضب واللعنة .

كما يستدلون بالمعقول؛ فالكفارة فيها معنى العبادة وطهرة للذنب، والقتل العمد كبيرة محضة تتقاصر الكفارة عن محوها، وتعيين الكفارة شُرع لدفع الإثم الأدنى (الخطأ) فلا يقاس عليه الأعلى .

القول الثاني: وجوب الكفارة في القتل العمد

وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد اختارها ابن الجوزي .

ويستدل أصحاب هذا القول بقياس الأولى؛ فقد قال الإمام الشافعي: "إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى"، فالعامد أغلظ إثماً والحاجة للتكفير في حقه أمسّ .

كما يستدلون بما روي عن واثلة بن الأسقع في الرجل الذي أوجب النار بقتله، فقال النبي ﷺ: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار" .

أثر العفو على الكفارة:

بناءً على مذهب الشافعية القائلين بوجوب الكفارة في العمد، فإن القصاص إذا استوفي من القاتل، كان القصاص كفارة له في الدنيا لحديث البخاري: "فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له" .

أما إذا عفا أولياء الدم عن القصاص، فإن العفو يُسقط حق الآدمي (القصاص أو الدية)، لكنه لا يُسقط الكفارة . فالكفارة حق لله تعالى لا يسقط بعفو الآدميين.

وتكون الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

الترجيح في المسألة الثانية:

الراجح هو قول الجمهور بعدم وجوب الكفارة في القتل العمد المجرّد؛ لقوة مأخذهم في دلالة الآيات. ومع ذلك، فإن القاتل عمداً تلزمه التوبة النصوح والندم الصادق.

وإذا عفا أولياء الدم، سقط القصاص، ووجب على القاتل التوبة والإكثار من العمل الصالح.

ولا مانع من أن يُخرج صدقة أو يصوم تطوعاً بنية التقرب إلى الله ومحو أثر الذنب، خروجاً من الخلاف واستبراءً للذمة، وإن لم يكن ذلك على سبيل الوجوب الشرعي المحدّد في الكفارات .

الخاتمة

بناءً على ما تقدم من دراسة مقارنة، نخلص إلى جملة من النتائج المتعلقة بالمسألتين محل البحث.

أما في مسألة القصاص، فإن الأمر يدور على مدى استحقاق القاتل الأول للقتل.

فإذا ثبت القتل العمد العدوان على الجاني الأول، فقتله الأخ بغير إذن السلطان، فلا قصاص على الأخ عند جمهور الفقهاء؛ لأنه استوفى حقاً ثابتاً له في دم القاتل، غير أنه يُعزّر ويأثم لافتياته على ولي الأمر وتجاوزه للنظام القضائي.

وأما إذا لم يكن الجاني الأول مستحقاً للقتل، كأن يكون قتله للأخ خطأً، أو لم يثبت عليه القتل شرعاً، أو سبق العفو عنه، فإن الأخ يكون قد قتل نفساً معصومة بغير حق، فيصير قاتلاً عمداً عدواناً يجب عليه القصاص.

وأما في مسألة الكفارة بعد العفو، وذلك في الصورة التي يكون فيها قتل الأخ عدواناً موجباً للقصاص ثم يعفو عنه أولياء المقتول، فإن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة لا يوجبون عليه الكفارة، وإنما تلزمه التوبة النصوح؛ لأن الكفارة إنما شُرعت في القتل الخطأ، والقتل العمد كبيرة محضة لا تكفرها إلا التوبة الصادقة.

وخالف في ذلك الشافعية فأوجبوا الكفارة بعتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين؛ لأن العفو يُسقط حق الآدمي ويبقى حق الله تعالى الذي لا يسقط بعفو الآدميين. والأحوط للقاتل في هذه الحال أن يكثر من الصيام والصدقة خروجاً من الخلاف واستبراءً للذمة.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الأيمان والنذور والكفارات
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top