رجوع إلى الفتاوى القضاء والشهادات والجنايات والحقوق

أحكام حوادث السير والمسؤولية عنها

فتوى٧٤٢٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الدراسة الفقهية المقارنة الواردة في أحكام الحوادث المرورية؟

خلاصة الجواب

أما بعد:فإن نوازل العصر ومستجداته تفرض على الفقهاء والباحثين تحديات متجددة، تستدعي اجتهاداً ونظراً فقهياً معمقاً لإيجاد الحلول الشرعية المناسبة. ومن أبرز هذه النوازل في عصرنا الحاضر قضية حوادث السير، التي أصبحت ظاهرة تؤرق المجتمعات، لما تخلفه من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

الجواب المفصَّل

أحكام الحوادث المرورية في الفقه الإسلامي: دراسة فقهية مقارنة

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:فإن نوازل العصر ومستجداته تفرض على الفقهاء والباحثين تحديات متجددة، تستدعي اجتهاداً ونظراً فقهياً معمقاً لإيجاد الحلول الشرعية المناسبة.

ومن أبرز هذه النوازل في عصرنا الحاضر قضية حوادث السير، التي أصبحت ظاهرة تؤرق المجتمعات، لما تخلفه من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

وقد بات من الضروري بيان الأحكام الفقهية المترتبة عليها، وتحديد المسؤوليات، وتقدير الضمانات، بما يحقق العدل ويحفظ الحقوق.لم تكن المركبات الحديثة معروفة في زمن الفقهاء المتقدمين، ولكنهم وضعوا أصولاً وقواعد كلية في أبواب الجنايات والديات والضمانات، يمكن القياس عليها وتطبيقها على حوادث السيارات.

وقد تناول الفقهاء المعاصرون هذه النازلة بالبحث والدراسة، واجتهدوا في تكييفها الفقهي وتنزيل الأحكام الشرعية عليها، فصدرت في ذلك قرارات من المجامع الفقهية وأبحاث متخصصة.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم دراسة فقهية مقارنة لأهم أحكام الحوادث المرورية، من خلال استعراض وتحليل آراء الفقهاء قديماً وحديثاً، مع التركيز على بيان القواعد الفقهية الحاكمة، وأسس تحديد المسؤولية والضمان، والآثار المترتبة على تلك الحوادث.

المبحث الأول: ماهية حوادث السير وأسبابها وأنواعها:

قبل الخوض في الأحكام المترتبة على حوادث السير، لا بد من تحرير مصطلحاتها وبيان أسبابها وأنواعها المختلفة، لما لذلك من أثر في تكييفها الفقهي وتحديد الحكم الشرعي.

المطلب الأول: تعريف حوادث السير:

الحادث لغةً: هو الأمر الذي يقع ويحدث على غير المعتاد، وهو اسم فاعل من "حدث".

واصطلاحاً: يمكن تعريف حادث السير بأنه كل واقعة غير متوقعة تحدث أثناء حركة المركبات على الطرق، وينشأ عنها ضرر يصيب الإنسان في نفسه أو ماله، أو يصيب الممتلكات العامة أو الخاصة. ويشمل ذلك الاصطدام بين مركبتين أو أكثر، أو دهس أحد المارة، أو انقلاب المركبة، أو اصطدامها بجسم ثابت.

المطلب الثاني: أسباب حوادث السير:

ترجع أسباب حوادث السير في مجملها إلى عاملين رئيسيين:

العامل البشري والعامل المادي.

وقد فصلت الدراسات الحديثة هذه الأسباب، ويمكن إرجاعها فقهياً إلى مفاهيم التعدي والتقصير والإهمال.

أ.الأسباب المتعلقة بالسائق (العامل البشري): وهي الأسباب الأكثر شيوعاً، وتعود في الغالب إلى مخالفة أنظمة المرور وقواعد القيادة الآمنة، ومن أبرز صورها:

١. السرعة الزائدة: تجاوز الحد المسموح به للسرعة، مما يفقد السائق القدرة على التحكم في المركبة عند الطوارئ.

٢. •الإهمال وعدم الانتباه: الانشغال بغير الطريق، كاستخدام الهاتف، أو الحديث مع الركاب.

٣. •الإرهاق البدني والذهني: القيادة في حالة تعب أو نعاس أو تحت تأثير مرض يضعف التركيز، كالصرع أو السكري غير المنضبط. .

٤. التهور والمخالفات المرورية: عدم الالتزام بقواعد السير، كقطع الإشارة الحمراء، أو التجاوز الخاطئ.

ب•الأسباب المتعلقة بالمركبة: كوجود خلل فني في أجزاء المركبة يؤثر على سلامتها، مثل الإطارات أو المكابح، ويكون مالكها مسؤولاً إذا كان عالماً بالخلل أو مقصراً في صيانتها.

ج.الأسباب المتعلقة بالطريق: سوء تخطيط الطرق أو وجود حفر وعوائق فيها دون وضع علامات تحذيرية، وتقع المسؤولية هنا على الجهة المشرفة على الطرق

.المطلب الثالث: أنواع حوادث السير:

تتنوع صور حوادث السير بتنوع أسبابها وظروفها، ويمكن تقسيمها إلى الأنواع التالية:

١. حادث الاصطدام: ويقع بين مركبتين أو أكثر، وتحديد المسؤولية فيه يعتمد على معرفة المتعدي والمخطئ منهما.•حادث الدهس: وهو اصطدام المركبة بأحد المارة (إنسان أو حيوان)، وتختلف أحكامه باختلاف مكان وقوعه (الطريق العام، الأماكن المخصصة للمشاة).

٢. •حادث الانقلاب: وهو انقلاب المركبة بنفسها دون الاصطدام بغيرها، وقد يكون بسبب السرعة الزائدة أو خلل في الطريق.

٣. •حادث الاصطدام بجسم ثابت: كاصطدام المركبة بعمود إنارة أو جدار، وغالباً ما يكون سببه خطأ السائق.

•إن تحديد نوع الحادث وسببه هو منطلق أساسي لتكييفه الفقهي وتحديد من تقع عليه مسؤولية الضمان والجناية، وهو ما سنفصله في المبحث التالي.

المبحث الثاني: التكييف الفقهي لحوادث السير والقواعد الحاكمة:

بعد بيان ماهية حوادث السير، ننتقل إلى بيان تكييفها في الفقه الإسلامي، والقواعد الكلية التي تضبط أحكامها، وتحدد المسؤوليات المترتبة عليها. يعتمد التكييف الفقهي على تحليل أركان الحادث من حيث الفعل والنتيجة والرابطة السببية، وتنزيلها على قواعد الضمان والجنايات.

المطلب الأول: التكييف الفقهي للضمان في حوادث السير:

الضمان في الفقه الإسلامي هو شغل الذمة بحق مالي للغير، وهو إما ضمان نفس أو ضمان مال.

وفي حوادث السير، ينشأ الضمان نتيجة إتلاف الأنفس أو الأموال، ويكون أساسه إما التعدي أو التقصير.

وقد قاس الفقهاء المعاصرون قيادة السيارة على ركوب الدابة، فالسائق يشبه الراكب، وكلاهما مسؤول عما يحدثه بمركبته من ضرر.

إلا أن السيارة تختلف عن الدابة في كونها آلة صماء لا إرادة لها، وحركتها بالكامل تحت سيطرة السائق، مما يجعل مسؤوليته عنها أشد وأوضح.

وعليه، فإن التكييف الفقهي لمسؤولية السائق يقوم على أساسين:

١. المباشرة: إذا باشر السائق إتلاف النفس أو المال بمركبته، فإنه يكون ضامناً، لأن المباشر ضامن وإن لم يكن متعدياً، ما لم يكن فعله ناشئاً عن قوة قاهرة لا يمكن دفعها.

٢. .التسبب: إذا لم يباشر السائق الإتلاف، ولكنه تسبب فيه بتعديه أو تقصيره، فإنه يضمن أيضاً.

والتعدي هنا يشمل مخالفة أنظمة المرور، والتقصير يشمل الإهمال في صيانة المركبة أو عدم أخذ الحيطة والحذر.

.وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 71 (8/2) بشأن حوادث السير، والذي جاء فيه:"الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية، وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ، والسائق مسؤول عن الأضرار التي يحدثها بالغير، سواء في البدن أو المال، إذا تحققت عناصر وأركان المسؤولية."

المطلب الثاني: القواعد الفقهية الحاكمة لأحكام حوادث السير:

تستند أحكام حوادث السير إلى مجموعة من القواعد الفقهية الكلية التي تضبط باب الضمان والجنايات، ومن أهم هذه القواعد:

١. قاعدة "الضرر يزال": وهي من القواعد الخمس الكبرى، وتعني وجوب رفع الضرر وإزالة آثاره بعد وقوعه وفي حوادث السير، يتجلى تطبيق هذه القاعدة في وجوب تعويض المضرور عن الأضرار التي لحقت به في نفسه أو ماله.

٢. قاعدة "الجناية توجب الضمان": فالأصل أن كل من أحدث ضرراً بغيره بجناية على نفسه أو ماله، فإنه يلزمه ضمان ذلك الضرر.

والجناية في حوادث السير قد تكون عمداً أو شبه عمد أو خطأ.

٣. .قاعدة "المباشر ضامن وإن لم يتعمد": من باشر إتلاف شيء فإنه يضمنه مطلقاً، سواء كان متعدياً أم لا. فالسائق الذي يدهس شخصاً بسيارته مباشرة يكون ضامناً لما أتلفه.

٤. .قاعدة "المتسبب لا يضمن إلا بالتعدي": المتسبب هو من يفعل فعلاً يكون سبباً في وقوع الضرر، ولكنه لا يضمن إلا إذا كان متعدياً بفعله، كمن يحفر حفرة في الطريق دون إذن ودون وضع علامات تحذيرية، فيسقط فيها إنسان أو مركبة.

٥. .قاعدة "ما لا يمكن التحرز عنه لا ضمان فيه": إذا كان الضرر ناشئاً عن سبب لا يمكن توقعه أو دفعه (قوة قاهرة)، فإنه لا ضمان على من وقع منه الضرر، لعدم نسبة الفعل إليه حقيقة. وهذا ما يعرف في القانون بـ "الحادث الفجائي".

٦. .إن فهم هذه القواعد وتطبيقها بدقة على وقائع حوادث السير هو السبيل لضبط أحكامها، وتحديد المسؤوليات فيها بشكل عادل، وهو ما سنوضحه في المبحث التالي عند الحديث عن أحكام المسؤولية والضمان.

المبحث الثالث: أحكام المسؤولية والضمان في حوادث السير:

يترتب على حوادث السير آثار تتعلق بالمسؤولية الجنائية والمدنية، وتشمل الضمان المالي للأنفس والأموال المتلفة.

ويختلف توزيع المسؤولية باختلاف أطراف الحادث وحالة كل منهم من حيث التعدي والتقصير.

المطلب الأول: مسؤولية السائق:

السائق هو المسؤول الأول والمباشر عن الأضرار التي تحدثها مركبته، وتقوم مسؤوليته على التفصيل التالي:

١. حالة التعدي أو التقصير: إذا كان السائق متعدياً بمخالفة أنظمة المرور (كالسرعة الزائدة أو قطع الإشارة)، أو مقصراً (كالإهمال أو عدم صيانة المركبة)، فإنه يكون مسؤولاً مسؤولية كاملة عن جميع الأضرار التي يحدثها في الأنفس والأموال، ويتحمل الضمان (الدية أو الأرش أو قيمة المتلفات) والكفارة في حالة القتل الخطأ.

٢. حالة عدم التعدي والتقصير: إذا كان السائق ملتزماً بجميع قواعد المرور، ولم يصدر منه أي خطأ أو تقصير، ووقع الحادث بسبب خارج عن إرادته (كأن يلقي شخص بنفسه فجأة أمام السيارة بحيث لا يمكن تفاديه)، فهنا تنتفي مسؤولية السائق، عملاً بقاعدة "ما لا يمكن التحرز عنه لا ضمان فيه".

وتحديد ذلك يرجع إلى أهل الخبرة (جهات تخطيط الحوادث).

٣. •حالة الاشتراك في الخطأ: إذا اشترك في وقوع الحادث خطأ من السائق وخطأ من طرف آخر (كسائق آخر أو المضرور نفسه)، فإن المسؤولية توزع بينهما بنسبة خطأ كل منهما.

فلو كانت نسبة خطأ السائق 70% وخطأ المضرور 30%، فإن السائق يضمن 70% من الضرر فقط.

وهذا ما أخذت به كثير من القوانين المعاصرة وقرارات المجامع الفقهية.

المطلب الثاني: أنواع الضمان المترتب على حوادث السير:

الضمان المترتب على حوادث السير يشمل ضمان الأنفس وما دونها، وضمان الأموال.ضمان الأنفس وما دونها (الجنايات):

١. .القتل الخطأ: إذا نتج عن الحادث وفاة شخص، وكان السائق مخطئاً، فإنه يلزمه الدية على عاقلته، والكفارة عليه وهي صيام شهرين متتابعين. والدية هي مقدار من المال محدد شرعاً.•

٢. الجناية على ما دون النفس: إذا نتج عن الحادث إصابة بدنية لم تصل إلى حد الوفاة، ككسر أو جرح أو فقد منفعة عضو، فإنه يلزم الجاني الأرش، وهو مقدار من المال مقدر شرعاً لبعض الجنايات، أو حكومة عدل تقدرها المحكمة في الجنايات التي لم يرد فيها تقدير شرعي.•ضمان الأموال (الإتلافات):

٣. .إذا نتج عن الحادث إتلاف لمال الغير، كسيارة أخرى أو ممتلكات عامة أو خاصة، فإن السائق المخطئ يلزمه ضمان قيمة ما أتلفه.

ويكون التقدير بقيمة المثل إن كان للمتلف مثل، أو بقيمته يوم إتلافه إن لم يكن له مثل.

•المطلب الثالث: دور التأمين في حوادث السير:

أصبح نظام التأمين، وخاصة التأمين الإلزامي على المركبات، جزءاً لا يتجزأ من أحكام حوادث السير المعاصرة.

وقد أجازت المجامع الفقهية التأمين التعاوني، واختلفت في التأمين التجاري.

ويقوم التأمين بتحمل عبء الديات والتعويضات المالية المترتبة على الحوادث، مما يخفف عن كاهل السائق وعاقلته. وتحل شركة التأمين محل السائق في دفع الضمان المالي، ولكن هذا لا يعفيه من المسؤولية الجنائية (كالكفارة) أو العقوبات التعزيرية التي يقررها ولي الأمر.

خاتمة:

لقد تبين من خلال هذه الدراسة أن الفقه الإسلامي بقواعده وأصوله قادر على استيعاب نوازل العصر ومستجداته، ومنها حوادث السير.

وأن الأحكام الفقهية المتعلقة بها تقوم على أسس دقيقة من العدل ورفع الضرر وحفظ الحقوق.

ويمكن تلخيص أهم النتائج في النقاط التالية:

١. مسؤولية السائق في حوادث السير تبنى على أساس التعدي والتقصير، وتنتفي بانتفائهما.

٢. •القواعد الفقهية الكلية، كقاعدة "الضرر يزال" و"المباشر ضامن"، هي المرجع في تحديد أحكام الضمان.

٣. •الضمان يشمل الأنفس والأموال، ويكون بالدية والأرش في الأنفس، وبقيمة المثل في الأموال.

٤. •في حالة الاشتراك في الخطأ، توزع المسؤولية على أطراف الحادث بنسبة خطأ كل منهم.

٥. •للتأمين دور مهم في تحمل الأعباء المالية للحوادث، وهو جائز شرعاً بصيغته التعاونية.

ونوصي في الختام بضرورة نشر الوعي بأنظمة المرور وأحكامها الشرعية، والتأكيد على أن الالتزام بها واجب شرعي وقانوني، لما فيه من حفظ للأنفس والممتلكات، وتحقيق للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية.والله ولي التوفيق.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب القضاء والشهادات والجنايات والحقوق
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top