رجوع إلى الفتاوى التجهيز والصلاة والدفن

صلاة الغائب على المقتولين والشهداء

فتوى٢٠٢٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الدراسة المنقولة في صلاة الغائب على المقتولين والشهداء؟

خلاصة الجواب

والراجح الذي عليه جمهور الفقهاء من السلف والخلف هو جواز صلاة الغائب، اقتداءً بفعل النبي ﷺ، ولأن الغرض من الصلاة وهو الدعاء للميت متحقق في الحالتين. حكم صلاة الغائب على الشهيد: نقطة الخلاف المركب بناءً على الاختلاف في المسألتين السابقتين، اختلف الفقهاء في حكم صلاة الغائب على الشهيد.

الجواب المفصَّل

حكم صلاة الغائب على المقتولين والشهداء: دراسة فقهية مقارنة

ا.د.محمد طه حمدون السامرائي

تعتبر مسألة الصلاة على الميت من الأحكام الفقهية التي حظيت باهتمام كبير في الشريعة الإسلامية، لما لها من أثر في تكريم الميت والدعاء له.

ومن بين المسائل الدقيقة المتعلقة بهذا الباب، تبرز مسألة صلاة الغائب على الشهداء والمقتولين،

وهي مسألة مركبة تجمع بين حكمين شرعيين:

حكم الصلاة على الشهيد، وحكم صلاة الغائب.

وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة اختلافاً واسعاً، مما يستدعي دراسة فقهية مقارنة لتحليل الأدلة والمذاهب المختلفة، والوصول إلى فهم أعمق لهذه القضية.

تعريف الشهيد في الفقه الإسلامي:

يُعرّف الشهيد في الاصطلاح الفقهي بأنه "من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه".

وهذا هو "شهيد الدنيا والآخرة" أو "شهيد المعركة"، وهو الذي تسري عليه الأحكام الخاصة من حيث عدم الغسل وعدم الصلاة عليه في قول جمهور الفقهاء.

وهناك أنواع أخرى من الشهداء، كالمبطون والمطعون والغريق، ويطلق عليهم "شهداء الآخرة"، وهؤلاء يغسلون ويصلى عليهم باتفاق الفقهاء.

حكم الصلاة على الشهيد الحاضر:

تعتبر مسألة الصلاة على شهيد المعركة هي الأساس الذي ينبني عليه حكم صلاة الغائب عليه.

وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على عدة أقوال:

القول الأول: الحنفية ورواية عن أحمد يجيزون الصلاة على الشهيد.

يستدل القائلون بمشروعية الصلاة على الشهيد

بحديث عقبة بن عامر الذي رواه البخاري ومسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات". (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أحد؛ صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته)

كما يستدلون بحديث صلاته ﷺ على حمزة بن عبد المطلب سبعين صلاة، حيث كان يؤتى بالشهداء فيصلي عليهم وعلى حمزة معهم. وقد حاول الجمهور تضعيف بعض هذه الروايات أو تأويلها بأنها كانت دعاءً وليست صلاة جنازة، ولكن القائلين بالجواز يرون أنها ظاهرة في إثبات مشروعية الصلاة. (مسند الإمام أحمد؛ ضعفه بعض المحدثين وقواه آخرون بمجموع طرقه)

القول الثاني: الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة في أصح الروايتين) لا يجيزون الصلاة على الشهيد.

يستدل جمهور الفقهاء على عدم مشروعية الصلاة على الشهيد بأدلة قوية.

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم". (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد)

وكذلك حديث أنس رضي الله عنه: "أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم". (رواه أحمد وأبو داوود والترمذي والحاكم وقال النووي إسناده حسن أو صحيح )

كما يعللون ذلك: بأن الحكمة من الصلاة هي الشفاعة للميت، والشهيد في غنى عن شفاعة الناس لأن الله تعالى قد كفر عنه خطاياه كلها إلا الدين، فهو حي عند ربه يرزق.

القول الثالث: ابن حزم وابن القيم ورواية عن أحمد يرون التخيير بين الفعل والترك.

قال ابن القيم: "والصواب في المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين وهذه إحدى الروايات عن أحمد وهي الأليق بأصول مذهبه". (تهذيب السنن مع عون المعبود 8/284)

وقد رجح بعض العلماء أن الصلاة على الشهداء مستحبة لا واجبة وأن الصلاة عليهم على التخيير بين فعلها وتركها، وهذا قول ابن حزم وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد . (المحلى 3/336؛)

حكم صلاة الغائب:

صلاة الغائب هي الصلاة على ميت مسلم مات في بلد آخر غير بلد المصلين.

وقد اختلف الفقهاء في مشروعيتها أيضاً.

يرى الشافعية والحنابلة والظاهرية جوازها بشكل عام،

واستدلوا بصلاته ﷺ على النجاشي ملك الحبشة حين مات. (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه) ويرون أن عموم الأمر بالصلاة على الميت يشمل الحاضر والغائب.

أما الحنفية والمالكية فمنعوها في المشهور من مذهبهم، ورأوا أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي كانت حالة خاصة به.

ومع ذلك، توجد أقوال معتبرة داخل المذهب المالكي تجيزها.

قال القاضي عياض المالكي: "أجازَ ابن حبيب الصلاة عليه.

قال الإمام: يَحتَجُّ بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على النجاشي مَن قال مِن أصحابنا: إنَّ الغائب والغريق يُصَلَّى عليهِمَا". (إكمال المُعلم 3/415)

وقد أجمع كل من أجاز الصلاة على الغائب أن ذلك يُسْقِط فرض الكفاية، إلا ما حكي عن ابن القطان من الشافعية فلا يسقط الفرض عنده بصلاة الغائب. (فتح الباري 3/432)

والراجح الذي عليه جمهور الفقهاء من السلف والخلف هو جواز صلاة الغائب، اقتداءً بفعل النبي ﷺ، ولأن الغرض من الصلاة وهو الدعاء للميت متحقق في الحالتين.

حكم صلاة الغائب على الشهيد:

نقطة الخلاف المركب

بناءً على الاختلاف في المسألتين السابقتين، اختلف الفقهاء في حكم صلاة الغائب على الشهيد.

ويمكن تلخيص الإشكال في أن من يجيز الصلاة على الشهيد (كالحنفية) لا يجيز صلاة الغائب، ومن يجيز صلاة الغائب (كالجمهور) لا يجيز الصلاة على الشهيد. وهذا ما جعل بعض العلماء المعاصرين، مثل الشيخ حسام الدين عفانة، يرى أنه لم يقل أحد من الفقهاء بمشروعيتها. (حسام الدين عفانة، كتاب صلاة الغائب، ص 60)

ولكن بالتدقيق نجد أن المسألة أعقد من ذلك، وأن هناك مخرجاً فقهياً معتبراً للقول بالجواز، وهو ما يمكن بيانه من خلال النقاط التالية:

وجود رواية بالجواز في المذهب الحنبلي

فالمذهب الحنبلي، وإن كان المعتمد فيه هو عدم الصلاة على الشهيد، إلا أن فيه رواية ثانية توجب الصلاة عليه، ورواية ثالثة بالتخيير بين الفعل والترك.

قال العلامة المرداوي في "الإنصاف": "والرواية الثانية: تجب الصلاة عليه، اختارها جماعة من الأصحاب، منهم الخلال، وأبو بكر عبد العزيز... وعنه: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل". (المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، 2/533)

وبما أن الحنابلة هم من أوسع المذاهب في إجازة صلاة الغائب، فإن من يأخذ بالرواية الثانية أو الثالثة في الصلاة على الشهيد الحاضر، فإنه بالضرورة سيقول بجواز صلاة الغائب عليه، لأن المانع الأصلي (كونه شهيداً لا يصلى عليه) قد زال.

و: "لأن من قال بالصلاة على الشهيد من الحنابلة فإنه يقول بالصلاة على الغائب، وعليه فإنه يصلى صلاة الغائب على الشهيد".

إذن، القول بجواز صلاة الغائب على الشهيد له سلف من فقهاء الحنابلة، ومن قلدهم لم يخرق إجماعاً.

مسألة التلفيق الفقهي وقبولها.

فالتلفيق في الفقه الإسلامي يعني الأخذ برأي من مذهب في مسألة معينة، والأخذ برأي من مذهب آخر في مسألة أخرى.

وقد اختلف العلماء في جوازه، لكن الجمهور يرى أنه جائز في الأحوال الاستثنائية، بشرط ألا يؤدي إلى حالة مركبة لا يقول بها أحد من المجتهدين.

وفي مسألتنا، فإن الأخذ بجواز الصلاة على الشهيد (من رواية معتبرة عند الحنابلة أو من مذهب الحنفية) مع الأخذ بجواز صلاة الغائب (من مذهب الشافعية والحنابلة) ليس تلفيقاً محرماً، بل هو تركيب سائغ له أصل مباشر في المذهب الحنبلي نفسه.

حيث إن من يأخذ بالرواية الثانية أو الثالثة في الصلاة على الشهيد الحاضر سيقول بضرورة جواز صلاة الغائب عليه، لأن المانع الأصلي قد زال.

الترجيح والخلاصة: نحو رؤية مقاصدية واجتماعية:

بعد استعراض الأدلة وأقوال الفقهاء، يتضح أن المسألة من مسائل الاجتهاد التي تتسم بالسعة، وذلك لعدة أسباب:

أولاً: الأدلة ليست قطعية الدلالة.

فوجود أحاديث صحيحة يفيد ظاهرها الفعل (الصلاة على الشهيد)، وأحاديث أخرى صحيحة يفيد ظاهرها الترك، يجعل دلالة النصوص ظنية لا قطعية.

وهذا التعارض الظاهري هو منشأ الخلاف المشروع بين الفقهاء، ويفتح الباب للتخيير والترجيح بناءً على اعتبارات أخرى.

ثانياً: مشروعية التلفيق في مسائل الخلاف.

التلفيق، وهو الأخذ برأي من مذهب في مسألة، وبرأي من مذهب آخر في مسألة أخرى، هو أمر جائز عند جماهير العلماء ما لم يؤد إلى حالة مركبة لا يقول بها أحد من المجتهدين.

وفي حالتنا، فإن الأخذ بجواز الصلاة على الشهيد (من رواية عند الحنابلة أو من مذهب الحنفية) مع الأخذ بجواز صلاة الغائب (من مذهب الشافعية والحنابلة) هو تركيب سائغ له أصل في المذهب الحنبلي نفسه كما بينا.

ثالثاً: البعد الاجتماعي والمقاصدي. في العصر الحديث، لم تعد صلاة الغائب على الشهداء مجرد حكم فقهي فردي، بل أصبحت تحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية ومقاصدية عظيمة.

فهي وسيلة لإظهار التضامن مع قضايا الأمة، ودعم المستضعفين، ومواساة أهليهم، وتوحيد كلمة المسلمين، وإحياء ذكرى تضحياتهم، وشحذ الهمم. وهذه المقاصد كلها معتبرة شرعاً وتندرج تحت تحقيق المصالح العامة للمسلمين (المصلحة المرسلة).

بناءً على ما سبق، فإن القول بجواز ومشروعية صلاة الغائب على الشهداء والمقتولين في سبيل قضايا الأمة هو قول له وجاهته وقوته، ليس فقط لوجود سلف له في الفقه الإسلامي (كرواية عن الإمام أحمد)، بل لأنه يحقق مقاصد شرعية جليلة في واقعنا المعاصر. فالصلاة عليهم تصبح رمزاً لوحدة الأمة، ورسالة دعم ومؤازرة، ووسيلة لتخليد تضحياتهم في الذاكرة الجماعية للمسلمين.

وعليه، فإن المشروع في حق الشهداء الذين يسقطون في المعارك دفاعاً عن دينهم وأوطانهم وقضايا أمتهم، هو جواز إقامة صلاة الغائب عليهم، لما في ذلك من جبر لمصاب أهليهم، وتأكيد على أن الأمة كلها تقف صفاً واحداً في وجه الظلم والعدوان.

الخلاصة الفقهية:

المسألة محل الدراسة من مسائل الاجتهاد التي تتسع لأكثر من قول، وليست من المسائل المجمع عليها. والقول بجواز صلاة الغائب على الشهداء والمقتولين قول معتبر له أصول في الفقه الإسلامي، ويحقق مقاصد شرعية عظيمة في العصر الحديث.

ومن أخذ به لم يخرق إجماعاً، بل له سلف من فقهاء المذاهب المعتبرة، خاصة الحنابلة . والله تعالى أعلم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب التجهيز والصلاة والدفن
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top