رجوع إلى الفتاوى أعمال البر وإهداء الثواب

إشراك الزوج المتوفى والوالدين في الأضحية

فتوى٣٨٢٢زيارة٠مشاركة
السؤال

ارملة تسأل

هل يجوز اشراك زوجها في الاضحية

وسؤال آخر

هل يجوز ان تضحي عن زوجها ووالدها المتوفيين بأضحية خاصة

خلاصة الجواب

الراجح - والله أعلم - هو جواز التضحية عن الميت استقلالاً على سبيل التبرع، ولو لم يوصِ بذلك، وأن ثوابها يصل إليه وينتفع به بإذن الله تعالى، قياسًا على الصدقة وسائر أعمال البر، واستئناسًا بحديث علي رضي الله عنه، وعملاً بعموم الأدلة الدالة على انتفاع الميت بعمل الحي. وهذا من البر والإحسان والوفاء للميت.

الجواب المفصَّل

حكم الأضحية عن الميت

ا.د.محمد طه حمدون

فإن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وسنة مؤكدة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في أيام عيد الأضحى المباركة.

والأصل في الأضحية أنها مشروعة في حق الأحياء القادرين، يضحون عن أنفسهم وأهليهم. ولكن يثور التساؤل حول مشروعية إهداء ثواب الأضحية للميت أو التضحية عنه استقلالاً، لا سيما إذا لم يكن قد أوصى بذلك في حياته.

وهذه المسألة مما اختلف فيه فقهاء المذاهب الإسلامية، وسنتناول في هذه المقالة عرض أقوالهم وأدلتهم، مع بيان القول الراجح في المسألة، سائلين الله التوفيق والسداد.

تعريف الأضحية وحكمها للأحياء

الأضحية في الاصطلاح الشرعي: هي ما يذبح من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم) في يوم النحر وأيام التشريق بنية التقرب إلى الله تعالى.

وحكمها في حق الحي القادر: سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء، وهو مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة.

وذهب الحنفية إلى وجوبها على المقيم الموسر.

وفضلها عظيم وثوابها جزيل، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، منها قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ...» (أخرجه الترمذي وابن ماجه).

محل الخلاف: حكم الأضحية عن الميت بغير وصية

أجمع الفقهاء على جواز الأضحية عن الميت ومشروعيتها إذا كان قد أوصى بها قبل وفاته، أو كانت واجبة عليه بنذر ونحوه وأوصى بالوفاء به، فتنفذ حينئذٍ من ثلث تركته.

كما اتفقوا على جواز إشراك الميت في ثواب الأضحية التي يذبحها الحي عن نفسه وأهل بيته، فينوي الحي التضحية عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات، ويدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث ضحى عنه وعن أهل بيته، وفيهم من مات قبل ذلك كخديجة رضي الله عنها، وضحى عن أمته وفيهم الأحياء والأموات.

وإنما وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم التضحية عن الميت استقلالاً على سبيل التبرع (أي: أن يفرد الميت بأضحية خاصة به من مال المتبرع) إذا لم يكن الميت قد أوصى بها.

وفي ذلك ثلاثة أقوال رئيسة:

عرض الأقوال وأدلتها

القول الأول: الجواز مطلقًا ووصول الثواب للميت. وهو مذهب الحنفية والحنابلة، وبه قال جمع من أهل العلم. ويرون أن الأضحية عن الميت جائزة، وأن ثوابها يصل إليه وينتفع به.

واستدلوا بما يلي:

1.القياس على الصدقة والحج: قاسوا الأضحية عن الميت على سائر القربات المالية والبدنية التي يصل ثوابها إلى الميت باتفاق أو على الراجح، كالصدقة والحج والدعاء.

فكما يجوز التصدق عن الميت ويصل إليه ثوابه، وكما يجوز الحج عنه، فكذلك تجوز الأضحية عنه ويصله ثوابها، لأنها نوع من الصدقة والقربة المالية.

2.حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: استدلوا بما رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، وصححه الحاكم، عن حَنَش الصنعاني قال: «رَأَيْتُ عَلِيًّا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ، فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ». قالوا: وإن كان الحديث بلفظ الوصية، إلا أنه يدل على أصل مشروعية الفعل، وأن الموت لا يمنع من التقرب عن الميت بالأضحية.

كما أن بعض أهل العلم فهم منه الجواز حتى بدون وصية، أو أن الوصية كانت على سبيل الاستحباب والإرشاد لا الإيجاب.

3.عموم حديث تضحية النبي عن أمته: استدلوا أيضًا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في تضحية النبي صلى الله عليه وسلم بكبش عن أمته ممن شهد له بالتوحيد وشهد له بالبلاغ (رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما). قالوا: إن أمته تشمل الأحياء والأموات، فدل على جواز التضحية عن الأموات.

القول الثاني: عدم الجواز إلا بوصية. وهو مذهب الشافعية. ويرون أن الأضحية عن الميت استقلالاً لا تصح إلا إذا أوصى بها قبل وفاته.

وحجتهم في ذلك:

1.الأصل أن الأضحية مشروعة للأحياء: قالوا إن الخطاب الشرعي بالأضحية موجه للأحياء، ولم يرد دليل صريح خاص يأمر بالأضحية عن الميت استقلالاً بغير إذنه أو وصيته.

2.عدم ثبوت فعل السلف: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحى عن أحد معين من أمواته استقلالاً (كزوجته خديجة أو عمه حمزة أو أبنائه)، ولم ينقل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم في عهده.

3.القياس على سائر العبادات: قاسوا الأضحية على بعض العبادات التي لا تُفعل عن الغير إلا بإذن أو وصية. قال الإمام النووي رحمه الله في "المنهاج": "ولا تضحية عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميت إن لم يوص بها".

ولكن نُقل عن بعض متأخري الشافعية كالإمام أبي الحسن العبادي والخطيب الشربيني جوازها قياسًا على الصدقة.

القول الثالث: الكراهة. وهو مذهب المالكية. فهم يجيزونها مع الكراهة إذا لم تكن بوصية.

وسبب الكراهة عندهم:

1.عدم ورود الفعل عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف: كما ذكر الشافعية، لم يرد فعل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة.

2.خشية المباهاة والمفاخرة: قالوا إن المقصود بذلك غالبًا ما يكون المباهاة والمفاخرة وإظهار البر، لا التقرب الخالص لله تعالى.

قال الإمام خليل رحمه الله في "مختصره" في ذكر مكروهات الأضحية: "وكره... فعلها عن ميت".

ونقل في "التوضيح" عن الإمام مالك قوله: "ولا يعجبني أن يضحي عن أبويه الميتين".

ولكن الكراهة تزول إذا انتفت علتها من الرياء والمباهاة.

المناقشة والترجيح

بعد عرض الأقوال وأدلتها، يظهر أن القول بجواز الأضحية عن الميت استقلالاً ولو بغير وصية، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، هو القول الأرجح والأقوى دليلاً، وذلك لعدة اعتبارات:

1.قوة القياس على الصدقة: القياس على الصدقة قياس قوي وظاهر، فالأضحية نوع من الصدقة وإحسان مالي، والصدقة عن الميت جائزة وتنفعه بالإجماع، فلا يوجد مانع شرعي من وصول ثواب الأضحية إليه قياسًا على الصدقة.

2.دلالة حديث علي رضي الله عنه: حديث علي رضي الله عنه وإن كان فيه ذكر الوصية، إلا أنه أصل في مشروعية الفعل، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بها دليل على جوازها وفضلها، ولا يبعد أن يكون ذلك إرشادًا للأمة لفضل هذا العمل.

ولو كانت غير مشروعة لما أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم ولما فعلها علي رضي الله عنه.

3.عموم الأدلة على انتفاع الميت بعمل الحي: الأدلة العامة في الشريعة تدل على انتفاع الميت بكثير من أعمال البر التي يفعلها الأحياء عنه، كالدعاء والاستغفار وقضاء الدين والحج والعمرة والصدقة، والأضحية تدخل في عموم هذا البر والإحسان.

4.رد الاعتراضات:

•أما القول بأن الأصل في الأضحية أنها للأحياء، فهذا صحيح، ولكن لا يمنع من امتداد فضلها وثوابها للموتى قياسًا وإلحاقًا بسائر القربات.

•وأما عدم ورود فعل خاص من النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة بالتضحية عن ميت معين استقلالاً، فلا يدل على المنع، فقد يكون تركه لبيان أن الأصل فيها أنها للأحياء، أو لعدم الحاجة في ذلك الوقت، أو لغير ذلك من الأسباب، وعدم الفعل لا يستلزم التحريم أو المنع، خاصة مع وجود أدلة أخرى تدل على الجواز كالقياس وحديث علي وعموم الأدلة.

•وأما كراهة المالكية خشية الرياء والمباهاة، فهذه علة خارجية تتعلق بنية الفاعل، ولا تقدح في أصل مشروعية الفعل إذا خلصت النية لله تعالى. والكراهة عندهم تزول بزوال هذه العلة.

الخلاصة

الراجح - والله أعلم - هو جواز التضحية عن الميت استقلالاً على سبيل التبرع، ولو لم يوصِ بذلك، وأن ثوابها يصل إليه وينتفع به بإذن الله تعالى، قياسًا على الصدقة وسائر أعمال البر، واستئناسًا بحديث علي رضي الله عنه، وعملاً بعموم الأدلة الدالة على انتفاع الميت بعمل الحي. وهذا من البر والإحسان والوفاء للميت.

وينبغي لمن أراد أن يضحي عن ميت أن يخلص النية لله تعالى، وأن تكون الأضحية من ماله الخاص، لا من تركة الميت إلا إن كان قد أوصى بها فتنفذ من الثلث كما تقدم. ولا أصل لما يسميه البعض "أضحية الحفرة" في أول سنة يموت فيها الميت.

نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال، وأن يرحم موتانا وموتى المسلمين.

والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب أعمال البر وإهداء الثواب
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top