توقيت الهجرة بالنسبة إلى ابتداء السنة الهجرية
ما الفرق بين ابتداء السنة الهجرية بشهر المحرم وتاريخ وقوع الهجرة؟
خلاصةُ القولِ ومِسْكُ الخِتام إنَّ الاحتفاءَ بالهجرةِ النبويةِ مع إطلالةِ شهرِ المُحرّم ليس خطأً في استحضارِ العِظةِ والاعتبار، بل هو استحضارٌ لـ "فكرةِ الهجرة" الأولى ولحظةِ انطلاقِ شَرارتِها في النفوس، قبل أن تترجمَ إلى واقعٍ يتحركُ على الأرض في صَفَر، ويصلُ إلى غايتهِ الميمونةِ في ربيعٍ الأوّل.
هلالُ مُحرّم وعبيرُ الرّبيع: دقيقةٌ تاريخيّةٌ في توقيتِ الهجرةِ الميمونة
ا. د. محمد طه حمدون السامرائي
تُشرقُ شمسُ العام الهجريّ الجديد، وتُطلُّ علينا غُرّةُ شهرِ اللهِ المُحرّم، فتخفقُ أفئدةُ المؤمنين لذكرى الهجرة النبوية الشريفة، تلك الرحلةُ العظيمة التي شقّت دياجيرَ الظلامِ لتزرعَ في يثربَ فسيلةَ النورِ الأولى.
وفي خضمِّ هذه النفحاتِ الإيمانية، تعتلي حناجرُ الخُطباءِ المنابر، وتتزيّنُ المحافلُ بالحديثِ عن فضلِ الهجرة، حتى استقرَّ في وجدانِ كثيرٍ من عُمومِ النّاسِ تلازمٌ ذهنيٌّ عجيب، مفادُه أنَّ الهجرةَ النبويةَ قد وقعتْ أحداثُها في شهرِ المُحرّم، بِحُكمِ أنَّهُ فاتحةُ الحَوْلِ الهجري.
بين وهمِ العوامّ وحقيقةِ الأيام
بيدَ أنَّ التحقيقَ التاريخيَّ الذي سطّرهُ جهابذةُ السِّير ومؤرخو الإسلام، ينفي هذا التلازمَ الزمنيّ وينفي أن يكونَ ركبُ النبوةِ قد تحرّكَ في المُحرّم. فالحقيقةُ الساطعةُ كشمسِ الضّحى، هي أنَّ النبيَّ الأكرم ﷺ وصاحبَهُ الصّدّيق أبا بكرٍ رضي الله عنه، قد خرجا من مكةَ في أواخرِ شهرِ صَفَر، وطابَ بهما المُقامُ في طيبةَ الطيّبةِ (المدينة المنورة) في شهرِ ربيعٍ الأوّل.
لقد كان حقاً "ربيعاً"؛ ربيعاً للقلوبِ الظمأى للوحي، وربيعاً للزمنِ الذي اخضرّتْ جنباتُهُ بمقدمِ سيدِ المرسلين. فلم يكنْ وصولُهُ ﷺ في المُحرّم قط، بل أشرقتْ بهِ المدينةُ في الثاني عشر من ربيعٍ الأول على أشهرِ الأقوال.
عبقريةُ الصّحابة: لماذا المُحرّم إذن؟
وهنا يبرزُ التساؤلُ المليح: ما دامَ موكبُ الهجرةِ قد أضاءَ جنباتِ المدينةِ في ربيعٍ الأول، فما بالُ الأمةِ قد اتخذت من "المُحرّم" مُفتتَحاً لعامِها وتأريخِها؟ ولماذا لم تجعل رأسَ السنةِ هو ربيعاً الأول؟
تتجلى هنا عبقريةُ الجيلِ الفريد، حين جمعَ أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله عنه- كبارَ الصحابةِ في السنةِ السادسةِ عشرةَ (أو السابعة عشرة) للهجرة، للتشاورِ في وضعِ تأريخٍ يضبطُ أمورَ الدولةِ ومكاتباتِها.
وبعد أن أجمعوا بفضلِ مشورةِ الصحابة الكرام -رضي الله عنهم _على أن تكون "الهجرةُ" هي المَعلمَ الأكبر والحدثَ الفاصل لبداية التأريخ، انتقلوا لتحديدِ الشهرِ الذي تُفتتح به السنة.
وقد وقعَ اختيارُهم واجتهادُهم على شهرِ المُحرّم، وذلك لِعِللٍ وأسبابٍ تتجلّى فيها الحكمةُ البالغة، أبرزها:
انعقادُ العزمِ والنية :إنَّ بيعةَ العقبةِ الثانية، التي شكّلت الأساسَ السياسيَّ والميثاقَ الغليظَ للهجرة، قد وقعت في أواخرِ شهرِ ذي الحجة. وما إن انقضت البيعةُ وعادَ المشركون إلى مكة، حتى هلّ هلالُ المُحرّم، فكان هذا الشهرُ هو البدايةَ الفعليةَ لانعقادِ "العزمِ" على الهجرة، وفيه بدأ المسلمون يستعدون للرحيل. فالمُحرّمُ هو شهرُ القرار، وربيعُ الأول هو شهرُ الوصول.
مُنصَرَفُ النّاسِ من الحج: إنَّ شهرَ المُحرّم يَعقُبُ شهرَ ذي الحجة، وهو الشهرُ الذي يؤدي فيه المسلمون الركنَ الأعظمَ من أركانِ دينهم. فإذا انقضى الحجّ، غُفرت الذنوب، وعادَ الناسُ أنقياءَ كيوم ولدتهم أمهاتهم.
فكان من بديعِ الحكمةِ أن تُستأنفَ السنةُ الجديدةُ بشهرٍ يأتي بعد هذه الولادةِ الروحية، ليكون بدايةً طاهرةً لعامٍ جديد.
احترامُ النظامِ الزمنيّ المألوف: كان العربُ منذُ الجاهليةِ يَعُدّونَ المُحرّمَ أولَ شهورِ السَّنةِ القمرية، وهو من الأشهرِ الحُرُم التي تعظّمُها النفوس وتأمنُ فيها السُّبل.
فأراد الصحابةُ -وعلى رأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي أشار بهذا الرأي- ألا يُحدثوا إرباكاً في الترتيبِ الشهريّ المعهود، فحافظوا على "المُحرّم" كبدايةٍ للعام، وجعلوا "سنةَ الهجرة" هي البدايةَ الرقميةَ للعدّ.
خلاصةُ القولِ ومِسْكُ الخِتام
إنَّ الاحتفاءَ بالهجرةِ النبويةِ مع إطلالةِ شهرِ المُحرّم ليس خطأً في استحضارِ العِظةِ والاعتبار، بل هو استحضارٌ لـ "فكرةِ الهجرة" الأولى ولحظةِ انطلاقِ شَرارتِها في النفوس، قبل أن تترجمَ إلى واقعٍ يتحركُ على الأرض في صَفَر، ويصلُ إلى غايتهِ الميمونةِ في ربيعٍ الأوّل.
فسلامٌ على الهجرةِ في كلِّ حين، وسلامٌ على الصحابةِ الأطهارِ الذين وهبوا لنا هذا الإرثَ التاريخيَّ الدقيق، لندركَ أنَّ الإسلامَ دينٌ يجمعُ بينَ عاطفةِ القلبِ الجيّاشة، ودقةِ العقلِ المُتفحّص المُنير.
