رجوع إلى الفتاوى المواريث والوصايا

تخصيص أحد الأولاد بسيارة للعمل من راتب الأم

فتوى٦٨٠٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ام لديها راتب من ابنها الشهيد

تريد تشتري سياره لواحد من اولادها يشتغل عليها

لان هو مو موظف وماعنده وارد

بقية الاولاد معترضين على شراء السياره

هل يحق لهم الاعتراض

خلاصة الجواب

والترجيح: ١. إن القول بوجوب التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات هو القول الأقوى دليلًا والأكثر تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ الروابط الأسرية ومنع الأحقاد، وهو ما رجحه كثير من المحققين من أهل العلم. ٢. التفضيل بلا سبب شرعي:

الجواب المفصَّل

العدل بين الأولاد في العطايا والهبات: دراسة فقهية مؤصلة

ا.د. محمد طه حمدون السامرائي

تُعدُّ مسألة العدل بين الأولاد في العطايا والهبات من أهم المسائل الفقهية التي تمسُّ صميم الحياة الأسرية، لما لها من أثر بالغ في بناء العلاقات الأسرية السليمة أو إفسادها.

وقد وردت نصوص شرعية صريحة في هذا الباب، كان محل اجتهاد بين الفقهاء في تحديد الحكم التكليفي للتسوية بين الأبناء.

أولاً: حكم التسوية بين الأولاد في العطية:

بين الوجوب والاستحباباختلف الفقهاء في حكم التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات على قولين رئيسيين:

القول الأول: وجوب التسوية وتحريم التفضيل

ذهب إلى هذا القول الحنابلة (ابن قدامة، المغني، 6/52)، والظاهرية (ابن حزم، المحلى بالآثار، 8/105)، واختاره البخاري (صحيح البخاري، كتاب الهبة)، وابن تيمية (مجموع الفتاوى، 31/296)، وابن القيم (إغاثة اللهفان، 1/540)، وجمع من السلف كـطاوس والثوري وإسحاق (النووي، شرح صحيح مسلم، 11/65).

دليلهم:

استدلوا بظاهر حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قال: لا. قال: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (متفق عليه: البخاري 2587، ومسلم 1623).

وفي رواية لمسلم: «فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (مسلم، صحيح مسلم، 1623).

وجه الدلالة:الأمر بالعدل: الأمر في قوله: «وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»

يقتضي الوجوب.

1.النهي عن الجور: وصف النبي صلى الله عليه وسلم للتفضيل بأنه "جور" (مسلم، صحيح مسلم، 1623)، والجور هو الميل عن الحق والعدل، وهو من المحرمات التي يأثم فاعلها، ولذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة عليه.

القول الثاني: استحباب التسوية وكراهة التفضيل:

ذهب إلى هذا القول جمهور الفقهاء من الحنفية (الكاساني، بدائع الصنائع، 6/125)، والمالكية (الدسوقي، حاشية الدسوقي، 4/110)، والشافعية (الشيرازي، المهذب، 2/351)، وهو المعتمد للفتوى في كثير من المؤسسات الفقهية المعاصرة (دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم 17497).

دليلهم:حمل الأمر على الندب: حملوا الأمر بالعدل في الحديث على الندب والاستحباب، لا على الوجوب، قياسًا على ما جاء في بعض الروايات الأخرى التي فيها تلطف في الخطاب، ورأوا أن تصرف الإنسان في ماله حال حياته على وجه الهبة هو من باب المباح، ما لم يترتب عليه ضرر.

حمل الجور على الكراهة: فسروا لفظ "الجور" الوارد في الحديث بأنه جور مكروه وليس جورًا محرمًا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الشهادة على أمر مكروه تنزيهًا لا تحريمًا، أو أن النهي خاص بالشهادة لا بالعطية نفسها.

.ثانياً: مناقشة دلالة "الجور" في الحديث الشريف:

النص المقدم يرى أنَّ لفظ "الجور" في الحديث «لا دلالة فيه على وجوب التسوية بين الأبناء في العطية؛ لأنَّ الجَور هو الميل عن القصد والاستواء والاعتدال، فهو بهذا الاعتبار يَصدُق على المكروه كما يصدق على المُحَرَّم».

الرد والمناقشة:

هذا الاستدلال محل نظر من عدة وجوه:

١. الاستعمال الشرعي: الأصل في الألفاظ الشرعية التي يُوصف بها الفعل بأنه "جور" أو "ظلم" هو التحريم، ما لم تأت قرينة تصرفه إلى الكراهة (الشوكاني، نيل الأوطار، 6/30).

٢. .سد الذريعة: إن التفضيل بين الأولاد يورث الأحقاد والضغائن، ويؤدي إلى قطيعة الرحم ، وهي مفسدة محرمة شرعًا. وعليه، فإن ما يؤدي إلى المحرم يكون محرمًا من باب سد الذرائع، وهو ما يرجح حمل الجور على التحريم.

٣. قول ابن القيم: أكد الإمام ابن القيم هذا المعنى بقوله في إغاثة اللهفان (1/540):

٤. ."لو لم تأت السنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع منه لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه."

وهذا يدل على أن علة التحريم قوية ومستندة إلى أصول الشريعة في درء المفاسد، وهو ما يُضعف القول بأن الجور هنا هو مجرد كراهة.

ثالثاً: التفضيل لمعنى معتبر شرعًا:

أما مسألة التفضيل بين الأولاد إذا كان لمعنى معتبر شرعًا، كأن يختص أحدهم بحاجةٍ، أو مرضٍ، أو كثرة عيالٍ، أو اشتغال بالعلم، فهذا محل اتفاق بين الفقهاء، حتى القائلين بوجوب التسوية (ابن قدامة، المغني، 6/52).

أسباب التفضيل المعتبرة:

يجوز التفضيل في العطية إذا كان لسبب مشروع يقتضي التخصيص، وموهذه الأسباب تشمل: الحاجة أو الفقر (سد حاجة المحتاج من الأولاد، وهو من باب النفقة الواجبة أو المستحبة)، والمرض أو العجز (حاجة الولد إلى علاج أو رعاية خاصة لا يقدر عليها)، وكثرة العيال (زيادة الأعباء المالية على أحد الأبناء دون الآخرين)، والاشتغال بالعلم (تشجيع الولد على طلب العلم الشرعي أو النافع الذي يحتاج إلى تفرغ) (ابن قدامة، المغني، 6/53)، وكذلك خدمة الوالد (مكافأة الولد الذي قام بخدمة ورعاية والديه) .

إن إباحة التفضيل لسبب معتبر ليس خاصًا بمذهب الإمام أحمد كما هو مشهور، بل هو قول لجمهور الفقهاء، حتى القائلين بالاستحباب، حيث يرون أن التفضيل بلا سبب مكروه، أما لسبب فهو جائز (دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم 17497).

رابعاً: الرد على تعليل التحريم بترتب الأحقاد:

النص المقدم يرى أنَّ تعليل التحريم بترتب الأحقاد والكراهية "لا يصلح تعليلًا؛ لأنَّه يتخَلَّف في كثير من الأحوال والصور".

الرد والمناقشة:العلة الغالبة:

القاعدة الفقهية تقول: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا"، ولكن في كثير من الأحكام الشرعية، يُناط الحكم بالعلة الغالبة أو المظنونة لا بالعلة المتخلفة في كل صورة (الزركشي، المنثور في القواعد الفقهية، 2/21).

والظن الغالب أن التفضيل بين الأولاد يورث الأحقاد، حتى لو لم يطلع عليه أحد، فإن الموهوب له قد يتفاخر، أو قد تظهر آثار العطية عليه، أو قد يكشفها الأب بنفسه.

⏳المنع الاحتياطي (سد الذريعة):

الشريعة جاءت لحفظ المصالح ودرء المفاسد، ومنع التفضيل هو من باب سد الذريعة إلى مفسدة عظيمة وهي قطيعة الرحم والعقوق، وهي مفاسد محرمة بالإجماع .

خامساً: التمييز بين الهبة والوصية:

أما ما ذكره بعضهم من الاستدلال بحديثي: «إنَّك أَن تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغنِياءَ خَيرٌ مِن أَن تَدَعَهم عالةً يَتَكَفَّفُون الناسَ في أَيدِيهم» (أخرجه البخاري 1295 ومسلم 1628)، و«لا وَصِيةَ لوارِثٍ» (أخرجه ابن ماجه 2713 والترمذي 2120)، فالنص المقدم محق في أن "لا علاقة له بمحل المسألة"، لأن الحديثين يتعلقان بـالوصية التي تكون بعد الموت، بينما المسألة الفقهية هنا تتعلق بـالهبة التي تكون حال الحياة.

الخلاصة والترجيح:

١. إن القول بوجوب التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات هو القول الأقوى دليلًا والأكثر تحقيقًا لمقاصد الشريعة في حفظ الروابط الأسرية ومنع الأحقاد، وهو ما رجحه كثير من المحققين من أهل العلم.

٢. التفضيل بلا سبب شرعي: يُعد محرمًا (جورًا)، وذلك لظاهر حديث النعمان بن بشير، وكونه يؤدي إلى الأحقاد وقطيعة الرحم (سد الذريعة).

٣. التسوية المطلقة: تُعد واجبة، للأمر النبوي بـ «وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».

٤. التفضيل لسبب شرعي: يُعد جائزًا، لتحقيق العدل الحقيقي الذي يقتضي مراعاة الحاجات المختلفة للأولاد.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب المواريث والوصايا
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top