الإفراگيات ومخالفات المداحين في مجالس العزاء
ما حكم الإفراگيات التي تستجلب الصراخ واللطم في مجالس العزاء؟
القول المبين في حكم "الإفراگيات" ومخالفات المداحين في مجالس العزاء
ا. د. محمد طه حمدون السامرائي
أولاً: الأدلة الشرعية على تحريم النياحة وما يلحق بها
1. البراءة من فاعلها
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"ليسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (رواه البخاري ومسلم).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ بَرِئَ من:
"الصَّالِقَةِ، والحَالِقَةِ، والشَّاقَّةِ" (رواه مسلم).
2. عقوبة النائحة في الآخرة
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
3. اعتبارها من خصال الجاهلية
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
"اثْنَتَانِ في النَّاسِ هُما بهِم كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ علَى المَيِّتِ" (رواه مسلم).
ثانياً: الفرق بين النياحة المحرمة والبكاء الجائز (الهدي النبوي)
خلاصة ونصيحة
الواجب على المسلم:
1. تجنب هذه المجالس التي يُعصى الله فيها بالنياحة وضرب الصدور.
تمنع المادة الأساليب التي تؤجج النياحة واللطم، وتدعو إلى الصبر والاحتساب والدعاء للميت والموعظة الحسنة. وتفرق في التوجيه بين حزن مشروع يظهر بدمع العين، وبين تحويل العزاء إلى نياحة أو اعتداء على البدن.
القول المبين في حكم "الإفراگيات" ومخالفات المداحين في مجالس العزاء
ا. د. محمد طه حمدون السامرائي
الحمد لله الذي جعل الموت حتمًا مقضيًا، وشرع الصبر عند المصائب وجعله من علامات الإيمان، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي علمنا كيف نحزن بلا جزع، ونبكي بلا تسخط، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فإن من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية تهذيب النفوس وضبط الانفعالات عند النوازل والمصيبات، ليكون المؤمن دائمًا في مقام الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره. إلا أنه قد انتشرت في زماننا هذا بين كثير من "المداحين" والرواديد في مجالس العزاء ظاهرةٌ تُعرف بـ "الإفراگيات" (نسبة إلى ألم الفراق)، وهي تعتمد على إثارة أشد أنواع الحزن، ودفع الحاضرين نحو الصراخ، واللطم، وشق الجيوب، بأساليب وطبقات صوتية تخرج عن حد الوقار وتدخل في دائرة "النياحة" المنهي عنها.
ومن المنظور الفقهي والشرعي، فإن هذه الأفعال ليست من مجرد الأخطاء البسيطة، بل هي معدودة من الكبائر المحرمة التي جاء فيها النهي النبوي الصريح والوعيد الشديد، وفيما يلي بيان وتأصيل فقهي لهذه المسألة من خلال النصوص الثابتة.
أولاً: الأدلة الشرعية على تحريم النياحة وما يلحق بها
لقد تواترت الأحاديث الصحيحة التي تحذر من هذه الممارسات وتُبين عظم إثمها، ويمكن تقسيم دلالاتها إلى عدة أقسام:
1. البراءة من فاعلها
إن الإتيان بمثل هذه الأفعال التي تهيج الأحزان وتدفع لضرب الجسد أو تمزيق الثياب، يوجب براءة النبي ﷺ من فاعلها، وهو ما يدل على أنها من كبائر الذنوب.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"ليسَ مِنَّا مَن ضَرَبَ الخُدُودَ، وشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (رواه البخاري ومسلم).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ بَرِئَ من:
"الصَّالِقَةِ، والحَالِقَةِ، والشَّاقَّةِ" (رواه مسلم).
(والصالقة: هي التي ترفع صوتها بالصراخ عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها أو تنتفه، والشاقة: التي تشق ثيابها جزعاً).
2. عقوبة النائحة في الآخرة
النياحة (وهي رفع الصوت بالندب وإثارة اللوعة) متوعدٌ عليها بعقوبة شديدة البشاعة يوم القيامة إن لم يتب فاعلها.
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَومَ القِيَامَةِ وعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِن قَطِرَانٍ، ودِرْعٌ مِن جَرَبٍ" (رواه مسلم).
وهذا الوعيد ينسحب على كل من يتصدر لتهييج الناس وحملهم على النياحة، كالمداحين الذين يتعمدون ذلك.
3. اعتبارها من خصال الجاهلية
تعد هذه الأفعال انتكاسة إلى عادات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها وإبدالها بالصبر والاسترجاع (قول إنا لله وإنا إليه راجعون).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
"اثْنَتَانِ في النَّاسِ هُما بهِم كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ علَى المَيِّتِ" (رواه مسلم).
(والكفر هنا بإجماع العلماء يُقصد به "كفر النعمة" أو التلبس بخصال الكفر وأفعال الجاهلية، وليس الكفر الأكبر المخرج من الملة، ولكنه تعبير يفيد التغليظ الشديد والزجر الأكيد).
ثانياً: الفرق بين النياحة المحرمة والبكاء الجائز (الهدي النبوي)
من كمال الشريعة الإسلامية أنها لم تصادر المشاعر الإنسانية، ولم تطلب من الإنسان أن يكون حجراً لا يحس، بل فرقت تفريقاً دقيقاً بين "النياحة المحرمة" التي فيها اعتراض وتسخط، وبين "البكاء الطبيعي" الذي هو دلالة على الرحمة ورقة القلب.
البكاء الطبيعي بدمع العين، وحزن القلب، من غير رفع صوتٍ، ولا صراخٍ، ولا قول ما يغضب الله، هو أمر مباح بل هو رحمة جعلها الله في قلوب عباده. وقد ضرب لنا المشرع الأعظم ﷺ أروع الأمثلة في ذلك:
لما تُوفي ابنه إبراهيم عليه السلام، ذرفت عيناه الشريفتان، فلما سُئل عن ذلك قال كلمته العظيمة التي تضبط ميزان المشاعر:
"إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (رواه البخاري ومسلم).
فالحزن الخفي ودمع العين هو من الفطرة، أما التصنع والتكلف والمبالغة (كما يحدث في الإفراگيات) فهو من حظ الشيطان الذي يريد أن يوقع المسلم في التسخط على أقدار الله.
خلاصة ونصيحة
إن ما يقوم به بعض المداحين اليوم من تأجيج للمشاعر بأسلوب "الإفراگيات" لغرض إبكاء الناس واستجلاب صراخهم ولطمهم، هو بدعة ومحرم شرعي يصادم مقاصد الشريعة في الصبر والاحتساب.
الواجب على المسلم:
1. تجنب هذه المجالس التي يُعصى الله فيها بالنياحة وضرب الصدور.
2. نصح المداحين بتوظيف أصواتهم في ذكر محاسن الصبر، وتلاوة القرآن، والموعظة الحسنة التي تربط القلوب بخالقها وتعين أهل الميت على الرضا.
3. الاقتداء بهدي النبي ﷺ في الحزن، بالاكتفاء بدمع العين والالتجاء إلى الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة.
نسأل الله أن يلهمنا وإياكم الصبر والسلوان عند المصائب، وأن يجنبنا خصال الجاهلية، وأن يختم بالصالحات أعمالنا.
