رجوع إلى الفتاوى الإحرام ومحظوراته

الإحرام من جدة وحكم تجاوز الميقات

فتوى٣١١٣زيارة٠مشاركة
السؤال

ما الدراسة الواردة عن الإحرام من جدة وتجاوز الميقات؟

خلاصة الجواب

والترجيح: يميل كثير من العلماء إلى ترجيح القول الأول، وهو مذهب الجمهور، القاضي بمنع الإحرام من جدة لغير أهلها ولمن لم ينو النسك إلا بعد وصوله إليها. ويُستثنى من ذلك الحالة التي ذكرها أصحاب القول الثالث، وهي حالة من قدم من جهة لا يمر فيها بميقات ولا يحاذيه قبل جدة.

الجواب المفصَّل

حكم الإحرام من جدة للحج والعمرة:

ا. د. محمد طه حمدون

تُعد المواقيت المكانية من الأحكام الهامة التي تنظم شعيرتي الحج والعمرة، حيث حدد الشرع أماكن معينة يجب على قاصدي مكة المكرمة بنية النسك أن يُحرموا منها، ولا يجوز لهم تجاوزها دون إحرام. ومن المسائل التي كثر فيها النقاش بين العلماء المعاصرين، خاصة مع تطور وسائل النقل الجوية والبحرية، هي حكم اعتبار مدينة جدة ميقاتًا مكانيًا لغير أهلها.

بدايةً، هناك شبه إجماع بين العلماء على أن مدينة جدة لا تُعتبر ميقاتًا إلا في حالتين: الأولى لأهلها الساكنين فيها، والثانية لمن قدم إليها لغرض آخر غير الحج أو العمرة (كزائر أو عامل)، ثم بدا له بعد وصوله أن يؤدي النسك، فيجوز له في هذه الحالة أن يُحرم من جدة نفسها.

أما من كان قاصدًا مكة للحج أو العمرة من خارج جدة، فالأصل أن يُحرم من الميقات الذي يمر به أو يحاذيه.

ويشدد الفقهاء على أن الواجب الشرعي على كل من نوى الحج أو العمرة، وكان قادمًا من خارج المواقيت المحددة، أن يُحرم عند مروره بميقاته أو بمحاذاته، سواء كان ذلك برًا أو بحرًا أو جوًا.

وتجاوز الميقات دون إحرام يُعد مخالفة شرعية تستوجب فدية، وهي ذبح شاة تُجزئ في الأضحية، تُذبح في مكة وتُوزع لحومها على فقرائها، ولا يأكل منها المُفدي شيئًا.

وقد نقل الإمام النووي رحمه الله الإجماع على عدم جواز تجاوز الميقات لمريد النسك إلا محرمًا.

وحول اعتبار جدة ميقاتًا لغير أهلها ممن قدمها عازمًا على النسك، فقد اختلفت آراء العلماء المعاصرين والفقهاء إلى ثلاثة أقوال رئيسية:

القول الأول (قول الجمهور): يرى جمهور العلماء وأغلب المجامع الفقهية المعاصرة أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًا لغير أهلها، ولا يجوز الإحرام منها لمن قدم بنية النسك. يستند هذا القول إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد المواقيت المكانية بنصوص واضحة وصريحة في الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما، حيث وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق، وقال: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ". ويعتبر هذا التحديد توقيفًا من الشارع، والأصل في العبادات التوقيف والاتباع، فلا مجال للاجتهاد في تغييرها أو إضافة ميقات جديد.

كما يؤكد أصحاب هذا القول أن راكب الطائرة أو السفينة يُعتبر محاذيًا للميقات إذا مر فوقه أو بمحاذاته، لأن الهواء تابع للقرار كما قرر الفقهاء.

وبالتالي يجب عليه الإحرام عند المحاذاة، ولا توجد مشقة حقيقية معتبرة تبرر تأخير الإحرام إلى جدة، خاصة مع سهولة معرفة وقت المحاذاة في وسائل النقل الحديثة وإمكانية لبس ملابس الإحرام قبل الصعود للطائرة أو الباخرة والتلبية عند المحاذاة.

القول الثاني: يذهب بعض العلماء المعاصرين إلى اعتبار جدة ميقاتًا مكانيًا لمن وصل إليها عن طريق الجو أو البحر، بغض النظر عن جهة قدومه.

حجتهم في ذلك أن المواقيت المحددة هي مجرد علامات إرشادية، وأن الإحرام في الطائرة أو السفينة قد يشق على البعض، والمشقة تجلب التيسير. كما يرون أن مفهوم المحاذاة قد لا ينطبق بدقة في حالة الطيران.

إلا أن هذا القول يواجه انتقادات قوية من الجمهور، الذين يؤكدون على ضرورة الالتزام بالنص النبوي الصريح في تحديد المواقيت، وأن المشقة المذكورة غالبًا ما تكون متوهمة أو غير معتبرة شرعًا، وأن التعبد يكون باتباع السنة النبوية القائلة: "خذوا عني مناسككم".

القول الثالث (التفصيل): يتبنى هذا القول بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة، وبه أفتى بعض المعاصرين.

ومفاده التفصيل بين القادمين إلى جدة؛ فإذا كان القادم جوًا أو بحرًا لا يمر بميقات ولا يحاذي ميقاتًا آخر قبل وصوله إلى جدة، كالقادمين من بعض المناطق في السودان (مثل سواكن) أو غرب أفريقيا، فيجوز لهؤلاء الإحرام من جدة؛ لأنهم يصلون إليها قبل المرور بأي ميقات أو محاذاته، وتُعتبر جدة في حقهم بمثابة الميقات لكونها تقع على مسافة مرحلتين من مكة. أما من عداهم، ممن يمرون بميقات أو يحاذونه قبل جدة، فلا يجوز لهم تأخير الإحرام إليها، بل يجب عليهم الإحرام من ميقاتهم أو عند محاذاته.

يستند هذا القول إلى الجمع بين النصوص التي تحدد المواقيت وبين قاعدة أن من لم يمر بميقات فميقاته موضعه الذي يحاذي فيه أقرب ميقات أو على مسافة مرحلتين من مكة.

الخلاصة والترجيح: يميل كثير من العلماء إلى ترجيح القول الأول، وهو مذهب الجمهور، القاضي بمنع الإحرام من جدة لغير أهلها ولمن لم ينو النسك إلا بعد وصوله إليها.

ويُستثنى من ذلك الحالة التي ذكرها أصحاب القول الثالث، وهي حالة من قدم من جهة لا يمر فيها بميقات ولا يحاذيه قبل جدة. ويُعلل هذا الترجيح بقوة أدلة الجمهور، وكونه أحوط للعبادة، ولأن تحديد أماكن المواقيت ومحاذاتها أصبح ممكنًا ودقيقًا في العصر الحالي بفضل التقنيات الحديثة، والإعلان عن المحاذاة يتم بشكل روتيني في الطائرات والسفن. كما أن المشقة المتصورة في الإحرام بالطائرة أو غيرها ليست مشقة حقيقية تبيح ترك الواجب. ومن تجاوز ميقاته دون إحرام، فعليه فدية كما ذكرنا، إلا إذا عاد إلى ميقاته وأحرم منه، أو أحرم من ميقات آخر تكون المسافة بينه وبين مكة مساوية لمسافة الميقات المتروك على الأقل، خروجًا من الخلاف وتحقيقًا للمقصود الشرعي بقطع تلك المسافة محرمًا. والله تعالى أعلم.

شارك الفتوى

فتاوى ذات صلة

الباب الإحرام ومحظوراته
المفتي أ.د. محمّد طه حمدون السامرّائيّ
Scroll to Top